الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن نباتة
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم
…
عيوناً لها وقع السيوف حواجب
قطع الرؤس أحسن ما نظم فيها قول الشريف البياضي من أبيات
خطبنا بالقنا مهج الأعادي
…
فزفت والرؤس لها نثار
وقول جرير وإن كان قبله
كأنّ رؤس القوم فوق رماحنا
…
غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقول الآخر
وكأنما سمر الرماح معاطف
…
والهام فوق صدورهن نهود
الفصل الثالث من الباب الحادي عشر
في ذم التصدي للهلكة
ممن لا يستطيع بها ملكة
قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال تعالى خذوا حذركم وقد روى أن عمر رضي الله عنه حين كره طواعين الشأم أراد الرجوع إلى المدينة فقال له أبو عبيدة بن الجراح يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله قال نعم إلى قدر الله فقال له أيمنع الحذر القدر قال لست مما هناك في شيء إن الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عما لا يضر فإنه يقول ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال خذوا حذركم وقالوا الشجاعة تغرير والتغرير مفتاح الهلكة وقال يزيد ابن المهلب الاقدام على الهلكة تغرير والاحجام عن الفرصة جبن
وأنشدت لطاهر بن الحسين
ركوبك الأمر ما لم تبد فرصته
…
جهل ورأيك في الاقحام تغرير
فاعمل صواباً وخذ بالحزم مأثرة
…
فلن يذم لأهل الحزم تدبير
ويقال أهوت إلى يزيد بن المهلب حية فلم يتوقها فقال له أبوه ضيعت الحزم من حيث حفظت الشجاعة الشريف الرضي
العزم في غير وقت العزم معجزة
…
والازدياد بغير العقل نقصان
ويقال من قاتل بغير نجدة وخاصم بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر وقال بعض الحكماء من أعرض عن الحذر والاحتراس وبنى أمره على غير أساس زال عنه العز واستولى عليه العجز فصار من يومه في نحس ومن غده في لبس وفي كتاب للهند الحازم يحذر عدوه على كل حال يحذر مواثبته إن قرب وغارته إن بعد وكمينه إن تبع ومكره إن انفرد واستطراده إذا ولي وقال أبو بكر الصديق يحذر خالد بن الوليد رضي الله عنهما إذا دخلت أرض العدو فكن بعيداً من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة واستظر بالزاد وسر بالادلال ولا تقاتل مجروحاً فإن بعضه ليس منه واحترس من الثبات فإن في القرب غمرة واقلل الكلام فإن مالك إلا ما وعى عنك وأقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم واستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه وقال الشاعر
ومن يأمن الأعداء لا بدّ أنه
…
سيلقى بهم في موقف الموت مصرعا
وقالوا الاقدام على الهلكة تضييع كما أن الاحجام عن الفرصة عجز وقيل لعنترة العبسي أأنت أشجع العرب وأشدها قال لا قيل فبم شاع هذا في الناس قال كنت أقدم إذا كان الاقدام عزماً وأحجم إذا كان الاحجام حزماً
ولا أدخل موضعاً لا أرى لي فيه مخرجاً وسئل بعض الشجعان هل شيء أضر من التواني قال الاجتهاد في غير وقته وقال جعفر بن ميسرة من مكن أسباب الهلكة من نفسه طائعاً لم يكد يتخلص منها وإن كان جاهداً وقال بعض الحكماء لصديق له اعلم إن الفطنة اظهار الغفلة مع شدة الحذر فبات مباثة الآمن وتحفظ منه تحفظ الخائف ولا تظهر له المخافة فيرى ان قد حذرت فيهون عليه ما يستهو له منك ويقال إذا أخد المرء بالحذر والاحتراس في موضع الشدة وعمل على الجراءة والاقدام عند انتهاز الفرصة فقد أخذ بالحزم في شدته وعمل بالحزم عند فرصته وقال بعض الفلاسفة كن حذراً كأنك غر فطناً كأنك غافل وذاكراً كأنك ناس وقال بعضهم
من أخذ الحذر من المحذور
…
قلّ تجنيه على الدهور
فليحزم الحازم في الأمور
…
فإن كبا فالعذر للمعذور
آخر
على كل حال فاجعل الحزم عدة
…
تقدّمها عند النوائب في الدهر
فإن نلت حظاً نلته بعزيمة
…
وإن قصرت عنك الحظوظ فعن عذر
ومما يكون عمدة عند لقاء الأبطال
…
التفكر في أعمال الاحتيال وإن طال
قالت الحكماء الحازم يحتال للأمر الذي يخافه لعله أن لا يقع فيه فليس من القوة التورط في الهوة ومن لم يتأمل العواقب بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله وأنشد لتأبط شرا
إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه
…
أضاع وقاسى الصعب وهو مقصر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً
…
به الأمر ألا وهو للقصد مبصر
ويقال إذا اتسع لك المنهج فاحذر أن يضيق عليك المخرج وقال الشاعر
وإذا هممت ورود أمر فالتمس
…
من قبل مورده طريق المخرج
آخر
إياك والأمر الذي ان توسعت
…
موارده ضاقت عليك المصادر
فما حسن أن يعذر المرء نفسه
…
وليس له من سائر الناس عاذر
ويقال تفكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم فإنه من لم ينظر في العواقب فقد تعرض لحادثات النوائب ووجد على حجر بعدن أبين مكتوب أيها المحارب احذر تغنم وتفكر في العواقب تسلم ويقال الناس حازمان وعاجز فاحزم الحازمين من عرف الأمر قبل وقوعه فاحترس منه والحازم بعده من إذا نزل الأمر تلقاه بالرأي والحيلة حتى يخرج منه والعاجز من تردد بين وبين لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً حتى تفوته النجاة ويقال ترك التقدم أحسن من التندم وأوصى عبد الملك بن صالح أميراً قدمه على سرية أرسلها إلى قتال عدو له فقال كن كالتاجر الكيس إن وجد ربحاً تجر وإلا حفظ رأس ماله ولا تطلب الغنيمة حتى تحمد السلامة وكن في احتيالك على عدوك أشد حذراً من احتيال عدوك عليك وقالوا ما تنفق فيه الأموال والحيل خير مما تنفق فيه الأرواح والنفوس وأوصت أم الدبال العبنسية ولدها الفتاك وكان من أشد العرب فقالت يا بني لا تنشب في حرب وإن وثقت بشدتك حتى تعرف وجه المهرب فإن النفس أقوى ما تكون إذا وجدت سبيل النجاة مدبرة لها واختلس من تحاربه خلسة الذئب وطر منه طيران الغراب فإن الحذر زمام الشجاعة والتهور عدو الشدة وقال أبو السرايا وكان أحد الفتاك يا بني كن بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أوثق منك بشجاعتك فإن الحرب ورطة المتهور وغنيمة المتفكر ويقال لا تصلح الحزامة إلا لمن كان له سبع خصال من طبائع البهائم قلب الأسد وغارة الذئب وصبر النسر وحذر الغراب وحراسة الكركي وهداية الحمام وحماية الزنبور
ومما يجب مع التفكر على المحارب
…
مشاورة النصحاء من أولي التجارب
قد كنا منا في صدر الكتاب ما يجب على العاقل من مشورة نصحائه في سائر أنحائه وانا ذاكر في هذا الباب ما يجب على الحازم من مشورة أودائه في كيفية لقاء أعدائه فإنهم قالوا ينبغي لكل ذي لب أن لا يبرم أمراً ولا يمضي عزماً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح وقالوا الحازم إذا اشتبهت عليه مصادر الأمور جمع من أهل التجارب وجوه الرأي حتى يخلص له منها الصواب كالعاقل إذا ضلت له لؤلؤة فإنه إذا جمع ما حول مسقطها والتمسها يوشك أن يجدها وقالوا من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء وقال بشار بن برد المشاور بين إحدى الحسنيين أما صواب فيفوز بثمرته أو خطا يشارك في مكروهه وقالوا الرأي السديد خير من الأسد الشديد وكان يقال المشورة سلم النجاح وطليعة الفلاح وقالوا الرأي في الحرب أنفع من الطعن والضرب وقال بعض الأعراب ما عثرت قط حتى عثر قومي قيل له وكيف قال لا أفعل شيأً حتى أشاورهم وقالوا حقيق أن يوكل إلى نفسه من أعجب برأيه ولقد أحسن أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي في التحريض على مشاورة الاخوان عند مساواة الأقران بقوله
الرأي قبل شجاعة الشجعان
…
هو أوّل وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة
…
بلغت من العلياء كل مكان
فلربما طعن الفتى أقرانه
…
بالراي قبل تطاعن الأقران
ولبعضهم
الرأي كالسيف ينبو إن ضربت به
…
في غمده وإذا جردته قطعا
آخر
أشاور أهل الرأي فيما ينوبني
…
وإن كان لي رأى أحدّ صليب
ولا أدّعى بالغيب علماً لسائل
…
ولا أحسد المسؤل حين يجيب
آخر
إذا بدا لك وجه الرأي فارم به
…
نحو احترام تحاماه المقادير
ولا تقل غرر أخشى عواقبه
…
يوماً فكل نجاة القوم تغرير
وذكر الحصري في كتابه زهر الآداب وثمر الألباب أن قوماً من العرب أتوا شيخاً لهم قد أربى على الثمانين وأهدف التسعين فقالوا إن عدونا استاق سرحنا فأشر علينا بما ندرك به الثار وننفي به العار فقال إن ضعف قوتي فسخ همتي ونقض ابرام عزيمتي ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العزم والجبناء من أولي الحزم فإن الجبان لا يألو برأيه ما وقى مهجكم والشجاع لا يألوا ما يشيد ذكركم ثم خلصوا من الرأيين نتيجة تبعد عنكم معرة الجبان وتهور الشجعان فإذا نجم الرأي على هذا كان أنفذ على عدوكم من السهم الصائب والحسام القاضب فلله هذه الكلمات لو يجدها الجبان جنة لوقته أو هادياً أرته مواطن العواقب ووفقته
وملاك التحيل في بلوغ الأماني
…
رفض العجلة واستعمال التواني
قال الله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علماً وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطى حظه من الرفق أعطى حظه من الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الدنيا والآخرة وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيأً إلا زانه ولا يفارق شيأً إلا شانه وقال عمر رضي الله عنه التؤدة في كل شيء إلا ما كان من عمل الآخرة وقال
الشاعر
الرفق يمن والأناة سعادة
…
ليس النجاح لمن يطيش ويخرق
آخر
وفي الأناة إذا ما جدّ صاحبها
…
حزم ويعقبها التفريط والخرق
وفي التورية الرفق رأس الحكمة وقالوا فعل اللبيب ثمرته السلامة وجد على سيف مكتوب التأني فيما لا يخاف فيه الفوت أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل وقال بعض الحكماء تأن تحزم وإذا استوضحت فاعزم وقالوا يد الرفق تجني ثمر السلامة ويد العجله تغرس شجر الندامة أبو الفتح البستي
تأنّ في الشيء إذا رمته
…
لتعرف الرشد من الغيّ
لا تتبعن كل دخان ترى
…
فالنار قد توقد للكيّ
وقس على الشيء بأشكاله
…
يدلك الشيء على الشيّ
وقال بشر بن مروان لأهله إذا التبست عليك الخطوب وغاب عنك المورود وأشكل عليك المصدر فيه فالأناة الأناة وليكن أمرك حزماً وإذا استبان لك فعزماً وقال محمد بن هانئ الأندلسي
وكل أناة في المواطن سودد
…
ولا كأناة من قدير محكم
وما الرأي إلا بعد طول تثبت
…
ولا الحزم إلا بعد طول تلوّم
القطامي
قد يدرك المتأني نجح حاجته
…
وقد يكون مع المستعجل الزلل
آخر
وربما فات قوماً جلّ أمرهم
…
من التأني وكان الحزم لو عجلوا
وقالوا الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة وقالوا إذا لم يدرك الظفر بالأناة فبماذا يدرك وقال المهلب بن أبي صفرة واسم أبي صفرة ظالم ابن سراق أناة في عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت ومن أمثالهم اتئد تصب أو تكد وقولهم من تأنى أدرك ما تمنى وقولهم الرفق مفتاح النجاح وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فإنها تكنى أم الندامة لان صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويقطع قبل أن يقدر ويحمد قبل أن يجرب ويذم قبل أن يخبر ولن تصحب هذه الصفة أحداً الأصحب الندامة وجانب السلامة وهذه نبذة يسيرة في الصبر فمما ينسب لعلي رضي الله عنه
إني رأيت وفي الأيام تجربة
…
للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جدّ في أمر يحاوله
…
واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
آخر
ما أحسن الصبر في مواطنه
…
والصبر في كل موطن حسن
حسبك من حسنه عواقبه
…
عواقب الصبر ما لها ثمن
آخر
الصبر مفتاح ما يرخى
…
وكل صعب به يكون
فاصبر وإن طالت الليالي
…
فربما أمكن الحزون
وربما نيل باصطبار
…
ما قيل هيهات لا يكون
ويقال الصبر مفتاح النصر ويقال النصر في مطاوي الصبر ويقال من تصبر تبصر وقال الصابي حظ الطالبين من الدرك بحسب ما استصحبوه من الصبر وأنشدت لبعض الشعراء
إذا كنت في أمر ولم تر حيلة
…
فصبرك إن النجح يدرك بالصبر
كذاك عيون الماء تكدر مرّة
…
وتصفو مراراً هكذا عادة الدهر
ابن منقذ
لا تستكن للهم واثن حمامه
…
بعزيمة في الخطب لا تتضعضع
فإذا أتى ما ليس يدفع فألقه
…
بالصبر فهو دواء ما لا يدفع
ومن أحسن ما قيل فيه
أما والذي لا خلد إلا لوجهه
…
ومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان بد الصبر مرّاً مذاقه
…
لقد يجتنى من غبه الثمر الحلو
آخر
اصبر على مضض الادلاج في السحر
…
وفي الرواح إلى الحاجات والبكر
لا تضجرن ولا يعجزك مطلبها
…
فالنجح يتلف بين الصبر والضجر