المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء - غرر الخصائص الواضحة

[الوطواط]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول في الكرم وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثاني في اللؤم وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثالث في العقل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الرابع في الحمق وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الخامس في الفصاحة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السادس في العي وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السابع في الذكاء وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثامن في التغفل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب التاسع في السخاء وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الأول

- ‌الباب العاشر في البخل وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الحادي عشر في الشجاعة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثاني عشر في الجبن وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الثالث عشر في العفو وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الرابع عشر في الانتقام وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب الخامس عشر في الاخوة وفيه ثلاثة فصول

- ‌الباب السادس عشر في العزلة وفيه ثلاثة فصول

- ‌في الكرم

- ‌في وصف الأخلاق الحسان

- ‌المتخلقة بها نفوس الأعيان

- ‌وعلى ذكر الحجاب وإن لم يكن من الباب

- ‌وصف أخلاق أهل الوفاق

- ‌عيون من مكارم الأخلاق الدالة على طيب الأعراق

- ‌من روائع عادات السادات ووشائع سادات العادات

- ‌جوامع ممادح الأخلاق والشيم

- ‌المتحلية بها ذوو الأصالة والكرم

- ‌الأسباب المانعة من السيادة سبعة

- ‌شرح ما ذكر من الأمثال الواقعة في هذا المثال

- ‌الفصل الثاني من الباب الأول

- ‌في ذكر الصنائع والمآثر المفصحة عن أحساب الأكابر

- ‌فمن مآثر ذوي الكرم في النجار

- ‌الذب عن النزيل وحفظ الجار

- ‌من صنيع من زكت في الكرم أرومه

- ‌صون المضيم بنفسه من عدو يرومه

- ‌من أمتن أسباب الحسب والديانة وفاء العهد وأداء الأمانة

- ‌من أحاسن فعلات الأشراف الاتصاف بالعدل والإنصاف

- ‌ومما اتفق على مدحه الأوائل والأواخر تواضع من حاز الفضائل والمفاخر

- ‌مما يدل على شرف الأبوة إلزام النفس بأنواع المروة

- ‌الفصل الثالث من الباب الأول

- ‌في ذم التخلق بالإحسان

- ‌إذا لم يوافق القلب اللسان

- ‌ومما يلحق بهذا أنّ عمل الرياء سالب عن صاحبه جلباب الحياء

- ‌الباب الثاني

- ‌في اللؤم

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم من ليس له خلاق

- ‌وما اتصف به من الأخلاق

- ‌من مساوئ أخلاقهم الذميمة

- ‌نقل الأقدام بالسعاية والنميمة

- ‌الفصل الثاني من الباب الثاني

- ‌في ذكر الفعل والصنيع

- ‌الدالين على لؤم الوضيع

- ‌من الصنيع الدال على لؤم الأصول

- ‌من كان بسيف جوره على العباد يصول

- ‌الفصل الثالث من الباب الثاني

- ‌في أنّ من تخلق باللؤم انتفع

- ‌الباب الثالث

- ‌في العقل

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح العقل وفضله

- ‌شوارد مجموعة في احتياج ذوي العقل والحلم

- ‌إلى اكتساب فضيلتي الأدب والعلم

- ‌الفصل الثاني من الباب الثالث

- ‌في ذكر الفعل الرشيد

- ‌العاقل من شغله عيبه عن عيب من سواه

- ‌ولم يطع في جواب السفيه أمير هواه

- ‌الفصل الثالث من الباب الثالث

- ‌في هفوات العقال

- ‌الباب الرابع

- ‌في الحمق

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌الفصل الثاني من الباب الرابع

- ‌في ذكر النوادر

- ‌الفصل الثالث من الباب الرابع

- ‌في احتجاج الأريب المتحامق

- ‌ومن احتجاج من أطلق نفسه من عقال العقل

- ‌وألقى عصاه عامداً في بيداء الجهل

- ‌من أحاسن أقوالهم في أنّ العقل طريق إلى العنا

- ‌وسدّ يمنع صاحبه من الوصول للغنى

- ‌مما ذكر إنّ الحظ أجدى لصاحب الحجا

- ‌الباب الخامس

- ‌في الفصاحة

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌وما أحسن قول بعض الأعاجم يفتخر ويعتذر

- ‌ولأبي إسحق الصابي في الوزير أبي محمد المهلبي رحمه الله تعالى

- ‌الفصل الثاني من الباب الخامس

- ‌في يتحلى به ألباب الأدباء

- ‌ولنذكر من كلام الخطباء ذوي البراعة واللسن ما كان ذا لفظ بديع

- ‌ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الخطب التي حكمت فصاحتها بالعي لقس

- ‌الفصل الثالث من الباب الخامس

- ‌في إنّ معرفة حرفة الأدب مانعة من ترقى أعالي الرتب

- ‌وربما أعدت حرفة الأدب أهل الوراقة

- ‌الباب السادس

- ‌في العي

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌فيما ورد عن ذوي النباهة في ذم العي والفهاهة

- ‌لبعضهم فيمن يلثغ بالراء

- ‌قد يكون البليغ عيياً عند سؤال مطلوبه

- ‌ولبعض الصوفية

- ‌الفصل الثاني من الباب السادس

- ‌في ذكر من قصر باع لسانه عن ترجمة ما في جنانه

- ‌الفصل الثالث من الباب السادس

- ‌في أنّ اللسن المكثار لا يأمن آفة الزلل والعثار

- ‌احتجاج من أمسك عن الكلام من غير خرس

- ‌الباب السابع

- ‌في الذكاء

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح الفطن والاذهان

- ‌المعظمة من قدر المهان

- ‌وعلى أثر قبح الصورة يقول بعض الشعراء في جحظة

- ‌وأكثر ما يوجد الذكاء المفرط عند العميان

- ‌من اخترع من الأوائل حكمة بثاقب فكره

- ‌الفصل الثاني من الباب السابع

- ‌في ذكر بداهة الأذكياء البديعة

- ‌وأجوبتهم المفحمة السريعة

- ‌الفصل الثالث من الباب السابع

- ‌فيمن سبق بذكائه وفطنته إلى ورود حياض منيته

- ‌منهم من ارتقى بادعائه النبوة مرتقى صعبا

- ‌الباب الثامن

- ‌في التغفل

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم البلادة والتغفل من ذوي التعالي والتنزل

- ‌وقد اخترت من مدام المتغفلين مما حسن وراق

- ‌الفصل الثاني من الباب الثامن

- ‌فيمن تأخرت منه المعرفة

- ‌ونوادر أخبارهم المستظرفة

- ‌الفصل الثالث من الباب الثامن

- ‌في أن أنواع التغفل والبله ستور على الأولياء مسبله

- ‌الباب التاسع

- ‌في السخاء

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في أن التبرع بالنائل من أشرف الخلال والشمائل

- ‌ذكر الأجواد المعروفين ببذل الأموال

- ‌النوع الثاني

- ‌الفصل الثاني من الباب التاسع

- ‌في منح الأماجد الأجواد

- ‌وملح الوافدين والقصاد

- ‌ذكر من تبجح بذكر المعروف الذي أسدى إليه

- ‌الفصل الثالث من الباب التاسع

- ‌في ذم السرف والتبذير

- ‌إذ فلهما من سوء التدبير

- ‌الباب العاشر

- ‌في البخل

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم الإمساك والشح

- ‌وما فيهما من الشين والقبح

- ‌الفصل الثاني من الباب العاشر

- ‌في ذكر نوادر المبخلين

- ‌من الأراذل والمبجلين

- ‌من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء

- ‌الفصل الثالث من الباب العاشر

- ‌في مدح القصد في الإنفاق

- ‌خوف التعيير بالإملاق

- ‌الباب الحادي عشر

- ‌في الشجاعة

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح الشجاعة والبسالة

- ‌وما فيها من الرفعة والجلالة

- ‌الفصل الثاني من الباب الحادي عشر

- ‌في ذكر ما وقع في الحروب

- ‌من شدائد الأزمات والكروب

- ‌يوم كربلاء

- ‌يوم الحرة

- ‌وصف النزال والقتلى

- ‌الفصل الثالث من الباب الحادي عشر

- ‌في ذم التصدي للهلكة

- ‌ممن لا يستطيع بها ملكة

- ‌الباب الثاني عشر

- ‌في الجبن

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في أنّ خلتي الجبن والفرار مما يشين بني الأحرار

- ‌الفصل الثاني من البال الثاني عشر

- ‌في ذكر من جبن عند اللقاء

- ‌خوف الموت ورجاء البقاء

- ‌الفصل الثالث من الباب الثاني عشر

- ‌فيمن ليم على الفرار والإحجام

- ‌فاعتذر بما ينفي عنه الملام

- ‌الباب الثالث عشر

- ‌في العفو

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح من اتصف بالعفو

- ‌عن الذنب المتعمد والسهو

- ‌الفصل الثاني من الباب الثالث عشر

- ‌فيمن حلم عند الاقتدار

- ‌وقبل من المسئ الاعتذار

- ‌ولنعقب هذا الفصل من لطيف الاعتذار

- ‌الفصل الثالث من الباب الثالث عشر

- ‌في ذم العفو عمن أساء

- ‌وانتهك حرمات الرؤساء

- ‌الباب الرابع عشر

- ‌في الانتقام

- ‌وفيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في التشفي والانتقا

- ‌ممن أحضر قسراً في المقام

- ‌ما اخترناه من كلام الحكماء وأقوال الكرام الأماجد

- ‌الفصل الثاني من الباب الرابع عشر

- ‌في ذكر من ظفر فعاقب

- ‌بأشدّ العقوبة ومن راقب

- ‌الفصل الثالث من الباب الرابع عشر

- ‌في أن الانتقام بحدود الله خير فعلات من حكمه الله وولاه

- ‌ما الدية فيه كاملة من جوارح الانسان وحواسه

- ‌ما تختص به المرأة دون الرجل

- ‌الباب الخامس عشر

- ‌في الاخوة

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في مدح اتخاذ الاخوان

- ‌فإنهم العدد والأعوان

- ‌الفصل الثاني من الباب الخامس عشر

- ‌فيما يدين به أهل المحبة

- ‌من شرائع العوائد المستحبة

- ‌ومما يثني عطف الصديق إلى التألف

- ‌اعتذار من لم يهد شيأً

- ‌الفصل الثالث من الباب الخامس عشر

- ‌في ذم الثقيل والبغيض

- ‌بما استحسن من النثر والقريض

- ‌الباب السادس عشر

- ‌في العزلة

- ‌فيه ثلاثة فصول

- ‌الفصل الأول من هذا الباب

- ‌في ذم الاستئناس بالناس

- ‌لتلون الطباع وتنافي الأجناس

- ‌الفصل الثاني من الباب السادس عشر

- ‌فيما يحض على الاعتزال

- ‌من ذميم الخلائق والخلال

- ‌الفصل الثالث من الباب السادس عشر

- ‌خاتمة الكتاب

- ‌فيما نختم به الكتاب من دعاء نرجو أن يسمع ويجاب

الفصل: ‌من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء

ومن ظريف ما يحكى عنه أن عبد الله بن زياد بن الحرث كتب إليه رقعة بليغة يستمنحه فيها فكتب عليها إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في بلداً بطراه وأمير المؤمنين مشفق عليك فاكتف بالبلاغة وكان لسوار القاضي بالبصرة من قبل المنصور كاتبان رزق أحدهما عشرون درهماً ورزق الآخر أربعون درهماً فكتب إليه سوار التسوية بينهما فنقص صاحب الأربعين عشرة وزادها صاحب العشرين وإنما أراد سوار أن يلحق صاحب العشرين بصاحب الأربعين

‌من صان درهمه ولم يسمح به للعطاء

فكشف عنه اللؤم ما أسبله الكرم من الغطاء مروان بن أبي حفصة وذلك أنه خرج يريد المهدي فقالت امرأة من أهله مالي عليك إذا رجعت بالجائزة قال إن أعطيت مائة ألف درهم أعطيتك درهماً فأعطى ستين ألفاً فأعطاها أربعة دوانيق وسأل رجل خالد بن صفوان فقال هب لي دنينيراً فقال خالد لقد صغرت عظيماً صغرك الله الدينار عشر العشرة والعشرة عشر المائة والمائة عشر الألف والألف ديتك وكان بعض البخلاء إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه وقبله وفداه وقال له بأبي أنت وأمي كم من أرض قطعت وكيس خرقت وكم من خامل رفعت وسري وضعت إن لك عندي أن لا تعري ولا تضحي ثم يلقيه في الكيس ويقول اسكن على بركة الله في مكان لا تحول عنه ولا تخرج منه وكان مروان بن أبي حفصة إذا جاءته جائزة يقول للدراهم كم خامل رفعت وكم سري وضعت طال ما تغربت في البلاد وأتعبت في طلب تحصيلك العباد فوالله لاطيلن ضجعتك ولاديمن صرعتك ثم يضعها في الصندوق ويختم عليها وكان أبو العميس إذا وقع الدرهم في يده نقره بأصبعه وقال مخاطباً له كم من يد وقعت فيها ومن بلد جلت في نواحيها بأبي أنت وأمي أسكن وقر عيناً فقد قربك القرار واستقر بك الدار واطمأن بك المنزل ثم يضعه في كيس ويختم عليه فيكون آخر العهد به وكان بعض البخلاء إذا وقع الدرهم في كفه قال مخاطباً له أنت عقلي وديني وصلاتي وصيامي وجامع شملي وقرة عيني وقوتي وعمادي وعدتي ثم يقول يا حبيب قلبي وثمرة فؤادي قد صرت إلى من يصونك ويعرف حقك ويعظم قدرك ويشفق عليك وكيف لا

ص: 378

يكون كذلك وبك تجلب المسار وتدفع المضار وتعظم الأقدار وتعمر الديار وتفتض الأبكار ترفع الذكر وتعلى القدر ثم يطرحه في الكيس وينشد

بنفسي محجوب عن العين شخصه

وليس بخال من لساني ولا قلبي

ومن ذكره حظي من الناس كلهم

وأوّل حظي منه في البعد والقرب

وممن صان درهمه ولم يسمح به

فكان ذلك سبباً لذمّه وثلبه

ما يحكى أن أعرابياً شرب عند بخيل غبوقاً فلما سكر البخيل وانتشى خلع على الأعرابي قميصاً فلما صحا انتزعه منه ثم شرب معه صبوحاً فلما سكر وانتشى خلع عليه قميصاً فلما صحا انتزعه منه فقال

كساني قميصاً مرتين إذا انتشى

وينزعه مني إذا كان صاحيا

فلي فرحة في سكره وانتشائه

وفي الصحو ترحات تشيب النواصيا

وأتى بعض البخلاء بغلام ليشتريه فسيم فيه بأربعين ديناراً فأعطى فيه عشرين فقيل له إنه فراش ونداف فقال لو فرش السماء وندف الغيم بقوس قزح ما اشتريته بأربعين وساوم أشعب بقوس بندق فقال صاحبه بدينارين فقال والله لو رميت به طائراً فوقع ويا بين رغيفين ما اشتريته بهذا الثمن وكان أشعب بخيلاً وله حكايات تذكر فيما بعد إن شاء الله وقال الأصمعي قالت امرأة لزوجها اشتر لنا رطباً فقال لها وكيف يباع قالت كيلجة بدرهم فقال والله لو خرج الدجال وعاث في الأرض وأنت تمخضين بعيسى والناس ينتظرون الفرج على يديه في قتال الدجال ثم لم تلديه حتى تأكلي الرطب ما اشتريته لك كيلجة بدرهم مدح شاعر محمد بن عبدوس فقال له أما أن أعطيك شيأً من مالي فلا ولكن أذهب فاجن جناية حتى لا آخذك بها وقال مروان بن أبي حفصة ما فرحت بشيء فرحي بمائة ألف درهم وهبها لي أمير المؤمنين المهدي فزادت درهماً فاشتريت به لحماً ودخل أبو

ص: 379

صاعد علي الغنوي فأنشده

رأيت في النوم أني مالك فرسا

ولي وصيف وفي كفي دنانير

فقال قوم لهم علم ومعرفة

رأيت خيراً وللأحلام تفسير

اقصص منامك في بيت الأمير تجد

تحقيق ذاك وللفأل التباشير

فلما سمع الأمير انشاده قال أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين

من كان بخله على الفقراء بطعامه

معرباً عن لؤمه وموجباً لملامه

الحطيئة يحكي عنه أن بعض الأعراب مر به وهو يرعى غنماً له وفي كفه عصا فناداه الأعرابي يا راعي الغنم فأومأ إليه الحطيئة بعصاه وقال إنها عجراء من سلم فقال الأعرابي إني ضيف فقال وللضيفان أعددتها ومر أعرابي بأبي الأسود الدؤلي وهو واقف على باب داره فسلم فقال له أبو الأسود كلمة مقولة قال أتأذن لي في دخول منزلك قال وراؤك أوسع لك قال هل عندك شيء يؤكل قال نعم قال فأطعمني قال عيالي أحق به منك قال ما رأيت ألأم منك قال لست ترى نفسك قال الشاعر

إياك ترغب في كلامه

وارفع يمينك من طعامه

فالموت أهون عنده

من مضغ ضيف والتقامه

سيان كسر رغيفه

أو كسر عظم من عظامه

وإذا مررت ببابه

فاحفظ رغيفك من غلامه

وقال رجل لبعض البخلاء لم لا تدعوني إلى طعامك قال لأنك جيد المضغ سريع البلع إذا أكلت لقمة هيأت أخرى فقال يا أخي أتريد أني إذا أكلت عندك أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين وقال آخر لبخيل لم لا تدعوني قال لأنك تعلق وتشدق وتحدق أي يحمل واحدة في يده وأخرى في شدقه وينظر إلى أخرى بعينه وعزم بعض اخوان أشعب عليه ليأكل عنده فقال إني

ص: 380

أخاف من ثقيل يأكل معنا فقال ليس معنا ثالث فمضى معه فبينا هما يأكلان إذا بالباب يطرق فقال أشعب ما أرانا إلا صرنا إلى ما نكره قال إنه صديقي وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له فقال أشعب هات أولها قال إنه لا يأكل ولا يشرب قال التسع لك ودعه يدخل فقد أمنا ما كنا نخافه وكان مروان بن أبي حفصة لا يأكل إلا الرؤس فقيل له في ذلك قال لأن الغلام لا يقدر ان يخونني فيه إن أخذ أذناً أو أخذ عيناً وقفت على ذلك وآكل منه ألواناً آكل عينه لوناً ودماغه لوناً وأذنيه لوناً وأكفى مؤنة طبخه في البيت فقد اجتمع لي فيه مرافق شتى وحكى دعبل الخزاعي قال أتيت سهل بن هرون في حاجة فأطلت الجلوس عنده فأخر غداءه لقيامي فجلست على عمد حتى كضه الجوع فقال يا غلام غدنا فجاء بمائدة وعليها قصعة فيها مرق وديك ليس قبلها ولا بعدها غيرها فاطلع في القصعة ففقد رأس الديك فقال للغلام أين الرأس قال رميت به قال ولم رميت به قال ظننتك لا تأكله قال فهلا ظننت إن العيال يأكلونه ثم التفت إلي وقال لو لم أكره مما صنع إلا الطيرة لكان حسبي فإنهم يقولون الرأس للرئيس وفيه الحواس الأربع ومنه يصيح الديك وفيه عرفه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل في الصفاء ودماغه موصوف لوجع الكليتين ولم أر عظماً قط أهش تحت ضرس من دماغ ديك ويلك انظر أين رميته قال لا أدري قال لكني أنا أدري أين رميته رميته في بطنك الله حسيبك وكان جعفر بن سليمان بخيلاً على الطعام رفعت المائدة من بين يديه يوماً وعليها دجاجة صحيحة قد أخذ منها بعض بنيه جناحاً فلما أعيدت عليه بالغداة قال من هذا الذي تعاطى فعقر فقيل له ابنك الصغير فقطع أرزاق جميع بنيه من أجله فلما طال ذلك منه وأضر بهم الحال جاءه أكبرهم وقال يا أبانا أفتهلكنا بما فعل السهفاء منا فأعجبه ذلك وأمر برد أرزاقهم إليهم وقال بعض الأكياس دعاني كوفي إلى منزله فقدم لي دجاجة فأكلت من المرقة وجهدت أن آكل من اللحم فما قدرت لصلابته وبت عنده فأعاده من الغد إلى القدر وطرح عليه سكراً فعاد زير باجا فقدمه وأكلت من المرق وجهدت أن آكل من اللحم فما قدرت لشدته فبت عنده الليلة الثانية فلما كان من الغد قال لغلامه اطرح عن اللحم من المرق ليصير قلية ففعل ثم قدمه إلي فأكلت من المرق وجهدت أن آكل

ص: 381

من اللحم فلم أقدر لقوته فأخذت قطعة من اللحم ووضعتها إلى جهة القبلة وقمت لأصلي إليها فقال ما هذا الذي تصنع قلت أشهد أنه لحم ولي من أولياء الله تعالى فإنه قد أدخل النار ثلاث دفعات فلم تفعل فيه شيأً فلما أردت الانصراف إذا ببعض جيرانه يدق الباب فقال له أعرني ذلك اللحم لضيف وأفاني من الغد لأطبخه له وأرده إليك إن شاء الله تعالى فناوله إياه وسأل فقير من دار بخيل شيأً فأعطى لقمة صغيرة فقال يا أهل هذا المنزل كيف أشرب هذا الدواء وقف سائل على باب دار فيها يحيى بن زياد وحماد بن عجرد وبشار مجتمعين على طعام فقال يا اخوتي المسلمين فقال يحيى فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فقال ارحموني فقال حماد نحن إلى رحمتك أحوج منك إلى رحمتنا فقال واسمعوا كلامي فقال بشار لقد اسمعت لو ناديت حياً فقال السائل أما القول فما أوسع به شقاشق أقوالكم وأما الفعل فما أخيبه قرن الله بالخيبة آمالكم وقال العتبي كان الأصمعي يجعل الخبز الحار أدما للخبز البارد ولو بذلت له الجنة بدرهم لاستنقص منه شيأً وقال جحظة دخلت على هرون ابن الخال وكان بخيلاً بطعامه وكنت إذ ذاك ناقها من علة وقد نصبت مائدة بين يديه فدعاني إليها وقدمت إلي صحفة فيها مضيرة معقودة بعصبان كأنها قضبان فضة فانهمكت في الأكل فنظر إلي شزراً ثم قال يا جحظة هذه والله معدن ألم المفاصل والفالج واللقوة والقولنج وأنت عليل وبدنك نحيل واللبن يستحيل فقلت والله العظيم الجليل لآتين منها على الكثير والقليل وحسبنا الله ونعم الوكيل ثم أقبلت على الأكل منها حتى اكتفيت فلما انصرفت عملت فيه

ولي صاحب لاقدس الله روحه

بعيد عن الخيرات غير قريب

أكلت عصيباً عنده في مضيرة

فيا لك من يوم عليه عصيب

ص: 382

وله وأبدع

لا تعذلوني إن هجرت طعامه

خوفاً على نفسي من المأكول

فمتى أكلت قتلته من بخله

ومتى قتلت بالمقتول

وحضر اعرابي مائدة هشام بن عبد الملك فرفع الاعرابي لقمة فقال له هشام شعرة في لقمتك يا أعرابي فقال الأعرابي فإنك تلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة والله لا أكلت عندك أبداً وقال بعض البخلاء إني لا آكل إلا نصف الليل قيل له ولم قال يبرد الماء وينقمع الذباب وآمن فجأة الداخل وصرخة السائل وطبخ رجل قدراً وجلس مع زوجته يأكلان فقال ما أطيب هذا الطعام لولا الزحام قالت أي زحام ههنا إنما هو أنا وأنت قال كنت أحب أن أكون أنا والقدر وقال بعض البخلاء لغلامه هات الطعام واغلق الباب قال يا مولاي ليس هذا حزماً بل أغلق الباب أولاً وأقدم الطعام ثانياً فقال له اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى لعلمك بأسباب الحزم وأين هذا مما يحكي أن عدي بن حاتم الطائي عمل مأدبة فقال لولده وكان صغيراً أقم على الباب وأذن لمن تعرف وامنع من لا تعرف فقال والله لا يكن أول شيء وليته من أمر الدنيا منع أحد عن طعام فقال عدي والله يا ولدي أنت أكرم مني وأفطن افتحوا الباب فمن شاء فليدخل وبهاتين الحكايتين علم مصداق من أطلع الله شمس الحكمة من مشرق فيه بقوله العبد من طينة مولاه والولد سرابيه شاعر يذم بخلاء وتروى للأخطل

قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم

واستوثقوا من رتاج الباب والدار

لا يقبس الجار منهم فضل نارهم

ولا تكف يد عن حرمة الجار

قوم إذا استنتج الأضياف كلبهم

قالوا لأمّهم بولي على النار

ص: 383

آخر

تراهم خشية الأضياف يوماً

يقيمون الصلاة بلا أذان

ابن هلال العسكري يذم بخيلاً

تنانيركم للنمل فيها مدارج

وفي قدركم للعنكبوت مناسج

وعندكم للضيف حين ينوبكم

سؤالات سوء للقرى وسفاتج

وأنتم على ما تزعمون أكارم

فايرى في است الأكارم والج

وقال صعصعة بن صوحان أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً قيل وكيف ذاك قال كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها فأغفلها فأخذتها وأكلتها فسمعته بعد ذلك يقول أيها الناس أجملوا في الطلب فرب رافع لقمة إلى فيه سبقه إليها غيره

ومما يليق بهذا الفصل من التذييل

ذكر من عرف بالطمع والتطفيل

قالوا الطمع يدنس الثياب ويغير الأذهان وقالوا مصارع الألباب تحت ظلال الطمع وقالوا الحر عبد ما طمع والعبد حر إن قنع وقالوا أخرج الطمع من فيك تحل القيد من رجليك وصف بعضهم طامعاً فقال لو رأى شيأً في حجر أفعى لجاء إليه يسعى وادخل يده فيه ليأخذه ويحويه وقالوا لو قيل للطمع من أبوك لقال الشك في المقدور ولو قيل له ما حرفتك لقال اكتساب الذل ولو قيل له ما غايتك لقال الحرمان ولله در من قال

وما قطع الأعناق حتى أبانها

وقرّرها إلا سيوف المطامع

شاعر يذم الطمع

وذي طمع يغدو بقية عمره

ويمسي ولم تجمع يداه له وفرا

ص: 384

يبيت سميراً للمنى مثرياً بها

ويضحا سليباً من مواهبها صفرا

وأكثر ما تلقى الأماني كواذباً

فإن صدقت جازت بصاحبها القدرا

فممن اشتهر بالطمع وجمع فيه بين الطبع والطبع أشعب وبه يضرب المثل قيل له ما بلغ من طمعك قال ما رأيت عروساً تزف إلا ظننت أنها لي ولا رأيت جنازة إلا حسبت إن صاحبها أوصى لي بشيء ولا رأيت اثنين يتناجيان إلا خيل لي أنهما يأمران لي بمعروف ولقد طاف الصبيان حولي يومياً يتولعون بي فقلت لهم لابعدهم عني إن في دار فلان لوزنيجا يفرق فذهبوا يتعادون فلما ذهبوا عني ظننت أني صادق فتبعتهم وقيل له هل رأيت أطمع منك قال نعم نزلت بطريق الشأم مع رفيق لي تحت صومعة راهب فتنازعنا في شيء فقلت اير الراهب في است الكاذب وإذا بالراهب قد نزل وايره في يده وقد أنغط وهو يقول فديتكما من الكاذب فيكما وكان يقول ما أحسست بجار لي يطبخ قدراً إلا غسلت الغضارة ووضعت المائدة وانتظرته يحمل إلي قدره جلس عبد الله بن أبي عتيق مع زوجته فتمنى أن يهدي له مسلوخ فيتخذ منه لون كذا ولون كذا فسمعته جارة له فظننت أنه أمر بعمل ما سمعت فانتظرته إلى الليل ثم جاءت وطرقت الباب وقالت شممت رائحة قدركم فجئت لتطعموني منها فقال ابن أبي عتيق لامرأته أنت طالق إن أقمنا في دار يتشمم أهلها ريح الأماني ورحل عنها بعض المتمنين

خلوت بنفسي فمنيتها

أمانيّ خابت ولم تصدق

فهذا اقتلاه وهذا اضربا

وهذا احملاه على الأبلق

التطفيل من أمثالهم قولهم أطفل من ذباب والزم من قراد وانم من ليل على نهار ومن أدب الراجز

أوغل في التطفيل من ذباب

على طعام وعلى شراب

لو أبصر الرغفان في السحاب

لطار في الجوّ مع العقاب

ص: 385

وقالوا من جاء إلى طعام لم يدع إليه استحق الطرد ولا يلام عليه ليم بعض المتطفلين على التطفيل فقال والله ما بنيت المنازل ألا لتدخل ولا قدمت الأطعمة إلا لتؤكل وإني لا جمع في التطفيل خلالاً أدخل مخالساً وأقعد مستأنساً وانبسط وإن كان رب المجلس عابساً ولا أتكلف مغرماً ولا أنفق درهماً وقال بنان وهو كبيرهم التمكن على المائدة خير من أربعة ألوان زائدة ومن دعائه اللهم ارزقني صحة الجسم وكثرة الأكل ودوام الشهوة ونقاء المعدة ودخل بعض الطفيليين على قوم فقالوا من أنت قال أنا الذي لا أحوجكم إلى رسول ولبعضهم في المعنى

نحن قوم إن جفا النا

س وصلنا من جفانا

لا نبالي صاحب الدا

ر نسينا أم دعانا

قصد جماعة من الطفيليين باب بعض الكبراء وقت غدائه فمنعهم بوابه فكتب إليه بعضهم

قد أتيناك زائرين خفافا

وعلمنا بأنّ عندك فضلة

ولدينا من الحديث هناة

معجبات نعدّها لك جملة

إن تجدنا كما تريد وإلا

فاحتملنا فإنما هي أكله

فأذن لهم فدخلوا البديع الهمذاني على لسان طفيلي

نحن قوم نحب هدى رسول الله

هدنا وللصواب أصبنا

فادعنا كلما نشطت فأنا

لو دعينا إلى كراع أجبنا

آخر

ولما أن كتبت ولم تجبني

ولم تنظر إليّ بعين أنس

رأيت الحزم إن أنضى ركابي

إليك وأن أكون رسول نفسي

ص: 386