الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والفجر حين يبزغ الفجر هذا أحد ألفاظ رواية البخاري. أي: فهذا المراد بتحولهما، وقد روى لفظ:"تحولتا" مرفوعاً والمراد ما ذكرناه.
قوله: "ثم قال" أقول: أي: ابن مسعود لو أن أمير المؤمنين. أي: عثمان أفاض الآن أصحاب السنة أي: وافق فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "أم دفع عثمان" أي: إفاضته.
الباب الرابع: في الأذان والإقامة وفيه فروع
الفرع الأول: في فضله
1 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا".
أخرجه الشيخان (1). [صحيح]
"الِاسْتِهَامُ"(2): الاقتراع.
2 -
وعنهُ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِى التَّأذِيْنِ أَقْبَلَ، حَتَى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ. حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى" أخرجه الستة (3) إلا الترمذي. [صحيح]
(1) أخرجه البخاري رقم (615، 721)، ومسلم رقم (739)، وأخرجه أحمد (2/ 278).
(2)
"النهاية في غريب الحديث"(1/ 830).
"الفائق" للزمخشري (3/ 309).
(3)
أخرجه البخاري رقم (608)، ومسلم رقم (389)، وأبو داود رقم (516)، وابن ماجه رقم (1216، 1217)، والنسائي رقم (670).
3 -
وفي أخرى لمسلم (1): "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ. فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ. فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ. فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ". هذا لفظه، وللبخاري (2) نحوه. [صحيح]
والمراد "بالتّثْويبِ"(3) ها هنا: إقامة الصلاة.
ومعنى "أحَالَ"(4): تحَوّل عن موضعه.
(الباب الرابع في الأذان والإقامة)
أقول: في "النهاية"(5): الأذان هو الإعلام بالشيء. يقال: منه أذن يؤذن إيذاناً، أو أذن يؤذن تأذيناً، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. انتهى، ويأتي في الفرع الثاني بدء الأذان.
(الفرع الأول في فضله)
قوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) أي: من الفضيلة.
"ثم لم يجدوا" سبيلاً إليهما.
" [إلا أن يستهموا] (6) عليه لاستهموا" وذلك لأنهم [394 ب] كانوا يكتبون أسمائهم على السهام إذا اختلفوا في الشيء فمن خرج سهمه غلب. وقيل: المراد التزموا بالسهام مبالغة
(1) في "صحيحه" رقم (16/ 389).
(2)
في "صحيحه" رقم (608، 1222، 1232، 3285).
(3)
انظر: "النهاية في غريب الحديث"(1/ 223). "غريب الحديث" للخطابي (1/ 269).
(4)
انظر: "المجموع المغيث"(1/ 527).
وقال ابن الأثير في "النهاية"(1/ 454): هو بمعنى طفق وأخذ وتهيَّأ لفعله.
(5)
(1/ 47).
(6)
سقطت من (ب).
كما تدل له رواية لتجالدوا عليه بالسيوف.
قوله في حديثه الثاني: "أدبر الشيطان له ضراط" أقول: هي جملة حالية بدون واو، ولحصول الارتباط بالضمير. قيل: إن الضراط عبارة عن شدة نفوره، شبه شغل الشيطان بنفسه عند سماع المؤذن بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطاً تقبيحاً له. وقيل: هو على حقيقته لأنه جسم منفذ يصح منه خروج الريح، ثم يحتمل أنه يتعمد خروج ذلك إما ليشغل نفسه عن سماع الأذان أو استخفافاً كما يفعله السفهاء.
قلت: إذا حمل على الحقيقة فهو شيء لا يحدث بالإرادة بل بالمشقة، فلا يتم تعمده. ويحتمل أنه لا يتعمد بل يحصل له عند سماعه لشدة خوف يحصل ذلك بسببها، ويحتمل أن يراد له [ضرط] (1) بضرط يفهمه كحديث (2):"فأضرط به علي". أي: يصوت بفيه كصوت الضراط.
قوله: "حتى إذا انقضى التثويب" أي: الإقامة. واعلم أن في رواية البخاري (3) الآتية أنه يرجع بعد انتهاء الأذان فيوسوس، فإذا وقعت الإقامة ذهب. فهذا إطلاق هنا مقيد بما يأتي. والتثويب: بالمثناة الفوقية فمثلثة مأخوذ من الثوب، وأصله أنه كان إذا جاء الرجل مستصرخاً يلوح بثوبه ليرى ويشتهر، فسمي الدعاء بالصلاة تثويباً لذلك، وكل داعٍ مثوب. وقيل: سمي تثويباً من باب يثوب إذا رجع، فالمؤذن يرجع بالإقامة إلى الدعاء إلى الصلاة [395 ب] قال عبد المطلب:
فحنت ناقتي فعلمت أني
…
غريب حين ثاب إلي عقلي
(1) في (أ): ضراط.
(2)
ذكره ابن الأثير في "النهاية"(2/ 79) عن علي: "أنه دخل بيت المال فأضرط به". أي: استخف به.
وانظر: "الفائق" للزمخشري (2/ 338).
(3)
في "صحيحه" رقم (608).
قوله: "يخطر" أقول: قال الحافظ ابن حجر (1): بضم الطاء كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه. ومعناه: يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب فخذه به. وأما بالضم فمن المرور، أي: يمر بين المرء وقلبه فيشغله.
[و](2) قوله: "ونفسه" أي: قلبه وهو بهذا اللفظ للبخاري من وجه آخر في بدأ الخلق.
قال الباجي (3): أي: يحول بين المرء وبين ما يريده، من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها.
قوله: "يقول: اذكر كذا، اذكر كذا" أقول: زاد في رواية في مسلم (4): "فهناه ومناه، وذكر من حاجاته ما لم يكن يذكر"، وهو عام فيما يكون من أمور الدنيا ومن أمور الدين، وقيل: وهل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها.
قيل: لا يبعد ذلك لأن مراده نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان.
قلت: وفيه تأمل؛ لأنه إنما صرح الحديث بأن شغله عن عدد الركعات.
قوله: "حتى يظل الرجل" للجمهور (5) بالظاء المشالة المفتوحة، ومعنى يظل في الأصل اتصاف الخبر عنه بالخبر نهاراً، لكنها هنا بمعنى يصير كما في قوله:{ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} (6)،
(1) في "فتح الباري"(2/ 86).
(2)
سقطت من (أ).
(3)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 86).
(4)
في "صحيحه" رقم (1/ 389).
(5)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 86).
(6)
سورة النحل الآية (58).
والرجل لا مفهوم له، وفي رواية يضل بكسر الضاد المعجمة من باب {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)} (1)، وقوله:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} (2).
وقوله: "ما يدري كم صلى"، وفي لفظ للبخاري (3):(لا يدري) أي: يجهل درايته وينسى عدد ركعاته.
فائدة:
اختلف العلماء (4) في الحكمة في هروب الشيطان [420/ أ] عند سماع [396 ب] الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة. فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة. "فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له" وهو في البخاري (5) كما يأتي إلا أنه تعقب بأن المراد يشهد من تصح منه الشهادة، وذلك خاص بالمؤمنين. وأما الكفار فلا تقبل لهم شهادة، فالعام في قوله:"لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جن" المراد به المؤمنون. وقيل: يهرب نفوراً من سماع الأذان، ثم يرجع موسوساً ليفسد على المصلي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره. والجامع بينهما الاستخفاف.
وقال ابن عبد البر (6): إنما يهرب لما يلحقه من الذعر والخزي عند ذكر الله تعالى، وذكر الله في الأذان تفزع منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر؛ لما فيه من الجهر بالذكر وتعظيم الله.
(1) سورة طه الآية (52).
(2)
سورة البقرة الآية (282).
(3)
في "صحيحه" رقم (608)، وطرفه (1222، 1231، 1232، 3285).
(4)
ذكره الحافظ في "فتح الباري"(2/ 86 - 87).
(5)
في "صحيحه" رقم (609). وطرفاه في (3296، 7548).
(6)
في "الاستذكار"(4/ 50 رقم 4074).
قوله: "في رواية مسلم أحال" بالحاء المهملة.
قوله: "والتثويب هنا إقامة الصلاة" أقول: قال الخطابي (1): العامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" ومعنى التثويب الإعلام بالشيء، والإنذار بوقوعه، وسميت الإقامة تثويباً؛ لأنها إعلام بإقامة الصلاة، والأذان إعلام بوقت الصلاة.
4 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ".
قال الراوي: والروحاء من المدينة على ستة وثلاثين ميلاً. أخرجه مسلم (2). [صحيح]
قوله في حديث جابر: "حتى يكون بالروحاء" أقول: النداء هو الأذان، وهو بكسر الموحدة وقد تضم. والروحاء بفتح الراء وسكون الواو فحاء مهملة وألف ممدودة. والراوي في.
قوله: "قال الراوي" هو أبو سفيان (3) طلحة بن نافع القرشي مولاهم يروي عن نافع.
5 -
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الجَنَّةَ". أخرجه النسائي (4). [حسن]
قوله في حديث أبي هريرة: "من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة" أقول: تأتي رواية: "خالصاً من قلبه" وهو المراد بقوله هنا "يقينًا".
(1) في "معالم السنن"(1/ 355 - مع السنن).
(2)
في "صحيحه" رقم (15/ 388).
(3)
انظر: شرح "صحيح مسلم"(4/ 91).
(4)
في "السنن" رقم (674)، وهو حديث حسن.
قال النووي (1): ناقلاً عن عياض (2): واعلم أن الأذان كلمة جامعة [397 ب] لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعية من العقليات والسمعيات، فأوله إثبات (3) الذات وما تستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله: الله أكبر.
وهذا اللفظ مع اختصاره دال على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه تعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدَّمة على كل وظائف الدين.
ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد [لأنها](4) من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب، ويستحيل، ويجوز في حقه سبحانه وتعالى ثم دعا إلى ما دعاهم الله من العبادات فدعاهم إلى الصلاة وعقبها بعد إثبات النبوة؛ لأن وجوبها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة العقل، ثم [دعاهم](5) إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان وتكرير ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة من يعبده
(1) في شرحه لـ "صحيح مسلم"(4/ 89).
(2)
في إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 253 - 254).
(3)
بقوله: "الله".
(4)
في (ب): فإنَّها.
(5)
في (أ): دعا.
وجزيل ثوابه [398 ب] هذا آخر كلام القاضي (1) رحمه الله وهو من النفائس الجليلة، وبالله التوفيق، انتهى.
6 -
وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَاّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ الله لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ". أخرجه الخمسة (2) إلا البخاري. [صحيح]
قوله في حديث ابن عمرو: "فقولوا مثلما يقول" أقول: قال الكرماني (3): لم يقل مثل ما قال: يشعر أنه يجيبه بعد كل كلمة، انتهى.
ويأتي حديث ابن عمر صريحاً في كيفية قول السامع عقب قول المؤذن، ويأتي فيه بيان أن هذا العام مخصص بكلمات الحيعلة، وأنه لا يقول مثلما يقول، بل يجيب بالحولقة.
قوله: "ثم صلوا علي" أي: بعد تمام النداءَ كما تقتضيه كلمة ثم، والملاحظ فيها هو الترتيب لا مهلة، ثم علل الأمر بصلاتهم عليه بقوله:"فإنه من صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه وسلم عليها بها عشراً"[لدخول ذلك تحت](4) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، فالعبد بصلاته عليه صلى الله عليه وسلم كاسب لنفسه عشر حسنات بدعائه لرسوله صلى الله عليه وسلم "ثم سلوا الله لي الوسيلة" أي: بعد أن يصلوا
(1) في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(2/ 253 - 254).
(2)
أخرجه مسلم رقم (384)، وأبو داود رقم (523)، والترمذي رقم (3614)، والنسائي (2/ 25 - 26).
وأخرجه أحمد (2/ 168). وهو حديث صحيح.
(3)
في شرحه لـ "صحيح البخاري"(5/ 12).
(4)
زيادة من (ب).
عليه يسألون له الوسيلة، وقد فسرها صلى الله عليه وسلم بقوله:"فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله".
قال النووي (1): قال أهل اللغة: الوسيلة: المنزلة عند الملك.
"وأرجو أن أكون أنا هو" أي: ذلك العبد الذي له المنزلة. وفيه أن الدعاء له صلى الله عليه وسلم بها مستحب وواجب، وأنه لا يرد بعد الأذان، ولذا أمر أن يسأل له بعده، وقد ورد به النص.
"حلت له الشفاعة" قال النووي (2): أي: وجبت. وقيل: ثابتة.
7 -
وعن جابر رضي الله عنه: أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ".
وفي رواية: "كَمَا وَعَدْتْهُ إِلَاّ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". أخرجه الخمسة (3) إلا مسلماً. [صحيح]
قوله في حديث جابر: "من قال حين يسمع النداء" أقول: ترجم البخاري (4): باب: الدعاء عند النداء.
(1) في شرحه لـ "صحيح مسلم"(4/ 86).
(2)
في شرحه لـ "صحيح مسلم"(4/ 88).
(3)
أخرجه البخاري رقم (614، 4719)، وأبو داود رقم (529)، والترمذي رقم (211)، والنسائي في "السنن"(2/ 26 رقم 680)، وفي "عمل اليوم والليلة" رقم (46)، وابن ماجه رقم (722).
وأخرجه أحمد (3/ 354)، والبيهقي (1/ 410)، وأبن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (95)، وابن خزيمة رقم (420)، والبغوي في "شرح السنة"(2/ 284)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 146).
(4)
في "صحيحه"(2/ 94 الباب رقم 8 - مع الفتح).
قال [399 ب] الحافظ في "الفتح"(1): أي: عند تمام النداء، وكأن المصنف لم يقيده بذلك، اتباعاً لإطلاق الحديث، واللام في قوله:"النداء" للعهد. أي: الأذان فقد صار كالعلم له. وظاهره أنه يقول: الذكر المذكور حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، ويحتمل أن المراد عند إتمامه إذ المطلق يحمل على الكامل.
قلت: إلا أن اللام للعهد ولا يصدق عليه أنه سمع النداء إلا بعد تمام كلماته، وإلا فإنه سمع بعض النداء، ثم حديث:"ثم صلوا علي" تقدم تقيد هذا الإطلاق. فالظاهر أنه أريد عند تمام سماع النداء، واستدل به الطحاوي (2) على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول، بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه، وأجيب بأن الذكر المذكور محمول على بعد الفراغ.
قلت: والأحسن أن يقال [421/ أ] إجابة المؤذن مسكوت عنها في حديث جابر، لكنها قد ثبتت في حديث غيره، واستدل به أيضاً على أنها لا تجب إجابة المؤذن؛ لعدم ذكر لفظ الأمر فيه. وأجيب بأن الأمر في رواية مسلم (3).
قوله: "الدعوة التامة" أقول: المراد بها دعوة التوحيد؛ لقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} (4)، أو لأنها التي تستحق صفة التمام (5). وقيل: لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله.
(1) في "فتح الباري"(2/ 94).
(2)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 146).
(3)
في "صحيحه" رقم (384).
(4)
سورة الرعد الآية (14).
(5)
قال الحافظ في "الفتح"(2/ 95): وقيل لدعوة التوحيد: تامة؛ لأن الشركة نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنّها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرض للفساد.
وقيل: من أوله. أي: قوله: محمد رسول الله هو الدعوة التامة، والظاهر أنه صفة للأذان كله، وتقدم بيان ما اشتملت عليه كلماته من المعاني الدالة على تمامه في الإعلان بعقائد الإيمان.
"والصلاة القائمة" المراد بها التي أذن لها.
وقوله: "الوسيلة" تقدم أنها المنزلة (1) كما فسرها صلى الله عليه وسلم بذلك.
"والفضيلة" المرتبة الزائدة على سائر مراتب العباد.
"مقاماً محموداً" أي: يحمد القائم فيه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد معه من أنواع الكرامات (2)، ونصبه على الظرفية [400 ب] أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقاماً محموداً.
قال النووي (3): أثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاية للفظ القرآن.
وقال الطيبي (4): إنما نكره؛ لأنه أفخم وأجزل كأنه قيل: مقاماً. أي: مقام محموداً بكل لسان.
قال الحافظ في "الفتح"(5): وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عباس شيخ البخاري فيه بالتعريف عند النسائي (6). وهو في "صحيح ابن خزيمة"(7) و"ابن حبان"(8)
(1) انظر: "فتح الباري"(2/ 95).
(2)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 95).
(3)
في "المجموع شرح المهذب"(3/ 124).
(4)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 95).
(5)
(2/ 95).
(6)
في "السنن" رقم (680).
(7)
في "صحيحه" رقم (420).
(8)
في "صحيحه" رقم (1689).
أيضاً، وفي "الطبراني"(1) و"الطحاوي"(2)[](3)، والبيهقي (4)، وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي (5)، انتهى.
قلت: وكذلك أنكره ابن القيم في "الهدي"(6)
…
الذي وعدته. قال الطيبي (7): المراد بذلك قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} (8)، ويطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره، والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة.
[و](9) قال ابن الجوزي (10): الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة. ووقع في "صحيح ابن حبان"(11) من حديث كعب ابن مالك مرفوعاً: "يبعث الله الناس" فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول: ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود.
(1) في "الصغير"(1/ 240).
(2)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 146).
(3)
في المخطوط (أ) زيادة: في "الدعاء".
(4)
في "السنن الكبرى"(1/ 410).
(5)
في "المجموع شرح المهذب"(2/ 124).
(6)
في "زاد المعاد"(2/ 393 - 394).
(7)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 95).
(8)
سورة الإسراء الآية (79).
(9)
زيادة من (ب).
(10)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 95).
(11)
في "صحيحه" رقم (6479). =
قال الحافظ (1): ويظهر من القول أن الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة.
قوله: "الذي وعدته" أقول: كأنه يريد عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، فقد تقدم أن عسى منه تعالى، وهو تعالى لا يخلف الميعاد، فيكون سؤال المقام المحمود له منا محض تعبد نحو {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} (2).
8 -
وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمُ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَال: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِالله. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِالله. ثُمَّ قَالَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. قَالَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ الله مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ". أخرجه مسلم (3) وأبو داود (4). [صحيح]
قوله في حديث عمر: "إذا قال [المؤذن] (5): الله أكبر" إلى آخره. أقول: [401 ب] هو تفصيل لما أجمل في غيره، وبيان لكيفية الإجابة.
= وأخرجه أحمد (3/ 456)، والحاكم (2/ 363)، والطبراني في "الكبير"(ج 19/ 142) بإسناد صحيح، عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تلًّ، فيكسوني ربِّي حُلّةً خضراء، فأقول: ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود".
(1)
في "الفتح"(2/ 95).
(2)
سورة الأنبياء الآية (112).
(3)
في "صحيحه" رقم (12/ 385).
(4)
في "السنن" رقم (527). وهو حديث صحيح.
(5)
زيادة من (أ).
وقوله: "لا حول ولا قوة" قال النووي في "شرح مسلم"(1): قال الهروي (2): قال أبو الهيثم: الحول الحركة. أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وكذا قاله ثعلب وآخرون. وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود (3).
قلت: وأخرج ابن النجار عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك بتفسير لا حول ولا قوة إلا بالله؟ لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله. هكذا أخبرني جبريل يا ابن أم عبد"، انتهى.
ووجه مناسبة إجابة المؤذن "حي على الصلاة، حي على الفلاح" بالحوقلة أنهما دعاء للسامع إلى الصلاة والفلاح، فلا يناسب أن يدعو السامع إلى ذلك حتى يقول كما قال المؤذن، بل المناسب أن يستعين على الإتيان بما دعي إليه بإرجاع الحول والقوة وقصرهما على الله، وأنه الذي يعين على إجابة الداعي والإتيان بما دعي إليه، وتقدمت إشارة إلى حكم الإجابة.
وفي شرح [مسلم](4) للنووي (5) ما لفظه: واعلم أنه يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع لهم من الإجابة، فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة، فمن كان في صلاة فريضة أو نافلة فيسمع المؤذن لم يوافقه وهو في الصلاة، فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره؛ لأنه أعرض
(1)(4/ 87).
(2)
في "غريب الحديث"(4/ 423).
(3)
انظر: "شرح صحيح مسلم"(4/ 87).
(4)
زيادة من (أ).
(5)
(4/ 88).
عن الصلاة، لكن لا تبطل صلاته، وإن قال ما ذكرناه؛ لأنها أذكار، فإن قال: حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في تلاوة [402 ب] أو تسبيح أو نحوهما قطع ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن. ويتابعه في الإقامة كالأذان، إلا أنه في لفظ الإقامة:"أقامها الله وأدامها" وإذا ثوب المؤذن في صلاة الصبح فقال: "الصلاة خير من النوم" قال سامعه: صدقت وبررت هذا تفصيل مذهبنا.
وقال القاضي عياض (1): اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في صلاة الفريضة والنافلة من يحكيه فيهما أم لا يحكيه في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال، ومنع أبو حنيفة فيهما. وهل القول مثل ما قال المؤذن واجب على من سمعه في غير الصلاة؟ أم مندوب؟ فيه خلاف، حكاه الطحاوي (2).
الصحيح الذي عليه الجمهور: أنه مندوب [422/ أ]. قال: واختلفوا: هل يقال عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ انتهى.
وفي "فتح الباري"(3) نقلاً عن "شرح المهذب"(4) للنووي فيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد [إجابة](5) الأول أم لا؟
قال النووي (6): لم أر فيه شيئاً لأصحابنا.
(1) في إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 251).
(2)
انظر: "شرح معاني الآثار"(1/ 146 - 147).
(3)
(2/ 92).
(4)
"المجموع شرح المهذب"(3/ 127).
(5)
في (أ): إجابته.
(6)
في "المجموع شرح المهذب"(3/ 127).
وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة فهما سواء؛ لأنهما مشروعان.
قال الحافظ (1): إنه استدل به على وجوب إجابة المؤذن، وأنه حكاه الطحاوي عن قوم من السلف، وبه قال الحنفية (2) وأهل الظاهر وابن وهب.
واستدل الجمهور. أي: القائلون: بالندب بما أخرجه مسلم (3) وغيره (4) من أنه صلى الله عليه وسلم سمع مؤذناً، فلما كبر. قال:"على الفطرة" فلما تشهد قال: "خرج من النار" قالوا: فلما قال صلى الله عليه وسلم غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب. وتعقب (5) بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال. فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاءً بالعادة. ونقل القول الزائد وبأنه يحتمل أن ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل لما أمر لم يرد إدخال نفسه [403 ب] في عموم من خوطب بذلك، انتهى.
9 -
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: وَأنَا أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله وَحْدهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِالله رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً".
وفي رواية: "نَبِيًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ".
(1) في "فتح الباري"(2/ 92).
(2)
"البناية في شرح الهداية"(2/ 108 - 109).
(3)
في "صحيحه" رقم (382).
(4)
كأحمد (1/ 407)، والترمذي رقم (1618) من حديث أنس، وهو حديث صحيح.
(5)
قاله الحافظ في "الفتح"(2/ 93).
أخرجه الخمسة (1) إلا البخاري. [صحيح]
10 -
وعن أبي أمامة أسعد بن سهل قال: سَمِعْتُ مُعَاويَة بْنَ أَبِيِ سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، حِيْنَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله. قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ الله. قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْقَضَى التَّأْذِينَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَاسُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المِنْبَرِ حِيْنَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَقُولُ مِثْلَ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ مَقَالَتِي. أخرجه البخاري (2). [صحيح]
قوله في حديث معاوية: "وأنا"، ورفعه إليه صلى الله عليه وسلم فيكون من يجيب المؤذن في التشهدين، مخير بين الإتيان بلفظهما وبين قوله:"وأنا"، وقد أيده حديث عائشة عند أبي داود (3) أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال:"وأنا وأنا"، فيكون قوله في أحاديث مثلما يقول مخصصاً عمومه بما ذكر، ثم قوله:"وأنا وأنا" يحتمل أنه يكرره بعد كل واحدة من كلمتي التشهد، أو أنه يوزعه عليهما.
وحديث معاوية يدل للأخير، ويؤخذ منه أنه يكفي أن يقول الكافر إذا دخل في الإسلام إجابة للمؤذن عند التشهد، وأنا، وأنه يصير مسلماً وإن لم يتلفظ بكلمة الشهادة. ويرد بأن حديث:"حتى يقولوا: لا إله إلا الله" دال على أنه لا بد من الإتيان بكلمة التوحيد.
(1) أخرجه مسلم رقم (13/ 386)، والنسائي رقم (679)، وابن ماجه رقم (721)، وأبو داود رقم (525)، والترمذي رقم (210).
(2)
في "صحيحه" رقم (613).
وأخرجه أحمد (4/ 91 - 92)، والنسائي رقم (677)، وابن خزيمة رقم (414)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 409)، والدارمي (1/ 272)، وعبد الرزاق في المصنف (1/ 479 رقم 1844).
(3)
في "السنن" رقم (526)، وهو حديث صحيح.
11 -
وعن عائشة رضي الله عنها: "أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إِذَا سَمِعَ المُؤَذَّنُ يَتَشَهَّدُ قَالَ: وَأَنَا وأنَا". أخرجه أبو داود (1). [صحيح]
12 -
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ المُؤَذِّنُ". أخرجه الستة (2). [صحيح]
13 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كَتَبَ الله لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ" أخرجه الترمذي (3). [ضعيف]
"المُحْتَسِبُ" طالب الأجر والثواب على فعله من الله تعالى.
قوله في حديث ابن عباس: "أخرجه الترمذي" قلت: وقال (4): حديث ابن عباس حديث غريب، وأبو تميلة اسمه [404 ب] يحيى بن واضح، وأبو حمزة السكري اسمه محمد ابن ميمون. وجابر بن زيد الجعفي ضعفوه، وتركه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، انتهى. وساقه في إسناده عن أبي تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس.
وأبو تميلة (5)، وأبو حمزة (6) ثقتان كما في "التقريب"، إنما الكلام في جابر الجعفي ولهم فيه كلام كثير.
(1) في "السنن" رقم (526)، وهو حديث صحيح وقد تقدم.
(2)
أخرجه البخاري رقم (611)، ومسلم رقم (383)، وأبو داود رقم (522)، والترمذي رقم 208)، والنسائي (2/ 23)، وابن ماجه رقم (720).
وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 67)، والدارمي (1/ 272)، والطيالسي رقم (2214).
(3)
في "السنن" رقم (206). وأخرجه ابن ماجه رقم (727). وهو حديث ضعيف، والله أعلم.
(4)
في "السنن"(1/ 401).
(5)
انظر: "التقريب"(2/ 359 رقم 194).
(6)
انظر: "التقريب"(2/ 212 رقم 763).
14 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "المُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صَلَاةَ، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا". أخرجه أبو داود (1) والنسائي (2). [صحيح]
وفي رواية (3): "بَعْدَ قَوْلِهِ: كُلُّ رَطَبٍ وَيَابِسٍ؟ وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَى مَعَهُ".
"المَدَى" الأَمَدُ والغاية، والمعنى: أنه يَسْتَوفي ويستكمل مَغْفرة الله إذا استوفى وُسْعَهُ في رفع صوته فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت، وقيل غير ذلك (4).
قوله في حديث أبي هريرة: "مدى صوته" أقول: في "النهاية"(5): المدى الغاية. أي: يستكمل مغفرة الله إذا استنفذ وسعه في رفع صوته فبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في الصوت. وقيل: هو تمثيل. أي: إن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو قدر أن يكون بين أقصاه وبين مقام المؤذن ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله له، انتهى.
وقريب منه كلام المصنف.
"ويشهد له كل رطب ويابس" عام لكل موجود من حيوان وجماد.
(1) في "السنن" رقم (515).
(2)
في "السنن" رقم (645).
وأخرجه أحمد (2/ 411، 429، 458، 461)، وابن ماجه رقم (7241)، وابن خزيمة رقم (390)، وابن حبان رقم (1666).
وهو حديث صحيح.
(3)
أخرجها أحمد (4/ 284)، والنسائي رقم (646).
(4)
قاله ابن الأثير في غريب "الجامع"(9/ 385).
(5)
"النهاية في غريب الحديث"(2/ 644).
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري (1) وغيره (2) كما يأتي "فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة".
قال البيضاوي (3): غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من بعد عنه، ووصل إليه منتهى صوته، فلأن يشهد له من دنى منه وسمع مبادئ صوته أولى.
قال الحافظ (4): ظاهره أي: لفظ حديث البخاري: يشمل الحيوانات والجمادات، فقوله:"ولا شيء" من العام بعد الخاص، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة (5):"لا يسمع صوته شجر ولا حجر ولا مدر ولا جن ولا إنس".
قال القرطبي (6): [405 ب] قوله: "ولا شيء" المراد به الملائكة، وتعقب بأنهم داخلون في قوله:"جن"؛ لأنهم يستجنون عن الأبصار.
وقال غيره (7): المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات، ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلاً ولا شرعاً.
قوله: "وشاهد الصلاة" في الجماعة. تأتي فضائل الجماعة.
(1) في "صحيحه" رقم (609).
(2)
كالنسائي في "السنن"(2/ 12)، وابن ماجه رقم (723)، وأحمد (3/ 35، 43)، والشافعي في "مسنده" رقم (176 - ترتيب) ومالك في "الموطأ"(1/ 69).
(3)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 88).
(4)
في "فتح الباري"(2/ 88).
(5)
في "صحيحه" رقم (389).
(6)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 88).
(7)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 89).
15 -
وعن البَرَاء رضي الله عنه: أَنَّ نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وَالمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ". أخرجه النسائي (1). [صحيح]
قوله في حديث البراء: "ويصدقه من سمعه" هذا التصديق غير الشهادة الماضية، وأنها تكون يوم القيامة، والتصديق عند ندائه يقول كل سامع له: صدقت.
قوله: "وله مثل أجر من صلى معه" أي: للمؤذن مثل أجر من صلى معه ممن سمع أذانه (2) مطلقاً.
16 -
وعن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا. فَقَالَ: "قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ". أخرجه أبو داود (3). [حسن]
قوله في حديث ابن عمرو: "فقل مثلما يقولون" الحديث دليل على أن من أجاب المؤذن له مثل ما يناله من الأجر.
17 -
وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصعَةَ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ لَهُ: أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ،
(1) في "السنن"(646)، وهو حديث صحيح.
(2)
في (أ): زيادة أو.
(3)
في "السنن" رقم (524).
وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (44)، وابن حبان رقم (1695)، وفي "السنن الكبرى"(1/ 410)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (426، 427) من طرق.
وهو حديث حسن. والله أعلم.
فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ. إِلَاّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري (1) ومالك (2) والنسائي (3). [صحيح]
قوله: "ابن أبي صعصعة" أقول: بصادين مهملتين مفتوحتين، وعينين مهملتين الأولى منهما ساكنة.
[قوله](4) إلا شهد له يوم القيامة [أقول](5) قال التروبشتي (6): المراد من هذه الشهادة إشهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة.
وقال ابن المنير (7): إن أحكامه لآخرة جرت على نحو أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، انتهى.
قلت: وعلى [406 ب] من تكون الدعوى هنا، فكلام التوربشتي دعوى لا دليل عليها.
18 -
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ القِيَامَةِ". أخرجه مسلم (8). [صحيح]
(1) في "صحيحه" رقم (609).
(2)
في "الموطأ"(1/ 69).
(3)
في "السنن"(2/ 12). وأخرجه أحمد (3/ 35، 43)، والشافعي في "مسنده" رقم (76 - ترتيب)، وابن ماجه رقم (723)، وقد تقدم.
(4)
زيادة من (أ).
(5)
زيادة من (أ).
(6)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 89).
(7)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 89).
(8)
في "صحيحه" رقم (387). =
قوله في حديث معاوية: "أطول الناس أعناقاً" أقول: في "النهاية"(1). أي: أكثر أعمالاً. يقال: لفلان عنق من الخير. أي: قطعة. وقيل: أراد طول الأعناق. أي: الرقاب؛ لأن الناس يومئذٍ في الكرب وهم في الرَّوح [متطلعون](2)؛ لأن يؤذن لهم في دخول الجنة. وقيل (3): إنه أراد أنهم يكونون رؤساء سادة، والعرب تصف السادة بطول الأعناق.
وروي إعناق بكسرة الهمزة (4). أي: أكثر إسراعاً وأعجل إلى الجنة. يقال: أعنق يعنق إعناقاً فهو معنق والاسم العنق بالتحريك، انتهى.
قوله في حديث أبي سعيد: "سمعته" أقول: في "التوشيح" أي: قوله: "فإنه لا يسمع" إلى آخره كما بين في رواية ابن خزيمة (5) بخلاف ذكر الغنم والبادية، فإنه موقوف (6). وفهم الرافعي أنه مرفوع، وأن "سمعته" عائد إلى ما تقدم، وسبقه إلى ذلك إمام الحرمين والغزالي والقاضي حسين وغيرهم. وتعقبه النووي ووافقه ابن حجر (7).
= وأخرجه أحمد (4/ 95)، وابن ماجه رقم (725)، وأبو عوانة (1/ 333)، والطبراني في "الكبير"(19/ 736)، والبيهقي (1/ 432)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (415)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(1/ 225) من طرق. وقد تقدم.
(1)
(2/ 263).
(2)
في (ب): ويتطلعون.
(3)
قاله النضر بن شميل، كما في "إكمال المعلم"(2/ 255).
(4)
ذكره البغوي في "شرح السنة"(2/ 277).
والقاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(2/ 255).
(5)
في "صحيحه" رقم (389)، وقد تقدم.
(6)
قاله الحافظ في "الفتح"(2/ 89).
(7)
انظر: "فتح الباري"(2/ 89).