الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الحديث التاسع](1): حديث (ابن عباس).
9 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمَّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنْ البَحْرَيْنِ. أخرجه البخاري (2)، وأبو داود (3). [صحيح]
قوله: "بجواثى" بضم الجيم وواو ومثلثة، قال أبو عبيد البكري في "معجمه"(4) على وزن معالي مدينة بالبحرين لعبد القيس، ويدل على قدم إسلامهم.
ففي رواية أبي داود (5): "أن أول جمعة في الإسلام جمعت بجواثي قرية من قرى البحرين، قال عثمان: قرية من قرى عبد القيس".
الباب الثامن: في صلاة المسافر
وفيه: ثلاثة فصول
([البَابُ] (6) الثَامِنْ: فِي صَلَاةِ المُسَافِرِيْن)
وفيه: ثَلاثةُ فُصُولْ.
الفصل الأول: في القصر
يقال: قصرت (7) الصلاة بالتخفيف قصراً، وقصرتها بالتشديد تقصيراً، واقتصرتها اقتصاراً. قاله في "التوشيح".
(1) في (أ) الحديث الثامن.
(2)
في "صحيحه" رقم (892).
(3)
في "السنن" رقم (1068). وهو حديث صحيح.
(4)
ذكره الحافظ في "فتح الباري"(2/ 380).
(5)
في "السنن"(1068). وهو حديث صحيح.
(6)
في (أ) الفصل.
(7)
انظر: انظر: "فتح الباري"(2/ 561).
وترجمه البخاري (1) بقوله: باب التقصير، وذكر ابن حجر (2) ما ذكرناه ثم قال: والأول أشهر.
الأول: حديث (أنس).
1 -
عن أنس رضي الله عنه قال: "صَلَّيْناَ الظُّهْرَ مَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمَدِينَةِ أَرْبَعًا. وَخَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ فَصَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ العَصْرَ رَكْعَتَيْنِ". أخرجه الخمسة (3). [صحيح]
قوله: "صلينا الظهر" هو إخبار عن صلاته صلى الله عليه وسلم لما خرج لسفر الحج، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة كما قال (أربعاً) ثم خرج مسافراً فصلى العصر ركعتين، ويحتمل أن هذا في سفر عمرة من عمره صلى الله عليه وسلم إلا أن في رواية التصريح بأنه في سفره للحج. [204 ب].
الثاني: حديث (أنس).
2 -
وعنه رضي الله عنه: وَقَدْ سُئْلَ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ (شَكَّ شُعْبَةُ) صَلِّى رَكْعَتَيْنِ". أخرجه مسلم (4)، وأبو داود (5). [صحيح]
(1) في "صحيحه"(2/ 561 الباب رقم 18 - مع الفتح).
(2)
في "فتح الباري"(2/ 561).
(3)
أخرجه البخاري رقم (1081)، وطرفه (4297)، ومسلم رقم (690)، وأبو داود رقم (1202)، والترمذي رقم (546)، والنسائي (1/ 234)، وأخرجه أحمد (3/ 110)، وأبو يعلى رقم (3633)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1020) وهو حديث صحيح.
(4)
في "صحيحه" رقم (12/ 691).
(5)
في "السنن" رقم (1201)، وأخرجه أحمد (3/ 129)، وأبو يعلى رقم (4198)، وأبو عوانة (2/ 346)، وابن حبان رقم (2745)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 246)، وهو حديث صحيح.
قوله: "سئل" في "الجامع"(1): قال يحيى بن يزيد الهنائي: "سألت أنس عن قصر الصلاة فقال
…
" الحديث.
قوله: "عن قصر الصلاة" يحتمل من أين تقصر إذا خرج مسافراً؟ أو كم المسافة التي يعتبر فيها القصر؟.
وجواب أنس أفاد أنه يقصر من بعد خروجه، ولا تعيين لمسافة السفر الذي يريد.
قوله: "كان إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ" في "القاموس"(2): الميل بالكسر قدر مد البصر، ومنار يبنى للمسافر أو مسافة من (3) الأرض مترخية بلا حد، أو مائة ألف أصبع إلى أربعة ألف أصبع أو ثلاثة (4) أو أربعة (5) آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ (6)؛ هل تسعة آلاف بذراع القدماء؟ أو اثنى عشر ألف بذراع المحدثين؟. انتهى.
وقال (7) في فرسخ: أنه ثلاثة أميال هاشمية أو اثنى عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف. انتهى.
(1)(5/ 699 رقم 4010).
(2)
"القاموس المحيط"(ص 1369).
(3)
قال الحافظ في "الفتح"(2/ 570) الميل هو من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري في "الصحاح"(5/ 1822).
(4)
قال العمراني في "البيان"(2/ 453).
(5)
انظر: "فتح الباري"(2/ 570).
الميل = 1848 م
قوله: بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال = 1848 × 6 = 11088 م = 11.088 كم.
انظر: كتابنا: "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية".
(6)
الفرسخ = 5544 م.
(7)
الفيروز أبادي في "القاموس المحيط"(ص 329).
وبه يعرف أن الميل والفرسخ غير معينين لغة، وإنما ذكرهما أنس تقريباً.
قوله: "شك شعبة" أي: هل قال أنس: ثلاثة أميال؟ أو ثلاثة فراسخ.
ومع شك الراوي: لا يتعين أحدهما، بل يرجع إلى غير حديث أنس.
واعلم أن بين ذي الحليفة والمدينة ستة أميال ويقال سبعة، قاله النووي في "شرح مسلم"(1).
ولا حجة في الحديث على مقدار مسافة القصر؛ لأنه (2) ليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا دلالة فيه على ذلك ويأتي الكلام في ذلك.
قوله: "أخرجه مسلم وأبو داود" ولم يخرجه البخاري.
الثالث: حديث (مالك).
3 -
وعن مالك (3): أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. [موقوف صحيح]
(البرد) جمع بريد، والبريد اثنا عشر ميلاً، وقيل ستة أميال (4).
قوله: "بلغه .. " الحديث، قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (5): هذا عن ابن عباس معروف من نقل الثقات متصل الإسناد [503/ أ] عنه من وجوه، منها: ما رواه عمرو بن
(1)(5/ 195).
(2)
انظر: "فتح الباري"(2/ 567)"المحلى"(5/ 3 - 7).
(3)
في "الموطأ"(1/ 148 رقم 15) وهو أثر موقوف صحيح.
(4)
البريد = 12 ميلاً، والبريد = 22.176 كم.
انظر: كتابنا "الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان"(ص 41 - 47).
(5)
(6/ 84 رقم 8022).
دينار عن ابن جريج عن عطاء، قال: سألت ابن عباس قلت: أقصر [205 ب] الصلاة إلى عرفة وإلى منى؟ قال: لا ولكن إلى الطائف وإلى جدة، ولا تقصر إلا في اليوم التام، ولا تقصر فيما دون اليوم. الحديث.
ثم ذكر (1) له طريقاً آخر ثم قال: قول ابن عباس هذا لا يشبه أن يكون رأياً ولا يكون مثله إلا توقيفاً والله أعلم. انتهى.
وترجم البخاري (2): باب في كم تقصر الصلاة.
قال في "الفتح"(3): يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر البلوغ إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ في أقل منها، وهي من المواضع التي انتشر الخلاف فيها جداً.
فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحواً من عشرين قولاً، فأقل ما قيل في ذلك: يوم وليلة، وأكثره ما دام غائباً عن بلده.
قال (4): وأورد المصنف - أي: البخاري - ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة، فقال: وسمى النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وليلة سفراً، أي: في حديث أبي ذر: "السفر يوم وليلة".
قلت: ولا يخفى أنه لا يقضي بأن ما دونه لا يسمى سفراً إلا أن يقال تعريف المسند إليه يقضي بالاختصاص، إلا أن في بعض طرقه (يوم) وفي بعضها (ليلة) وفي بعضها (بريد) فلا يتم أنه للاختصاص.
(1) ابن عبد البر في "الاستذكار"(6/ 86 رقم 8029).
(2)
في "صحيحه"(2/ 565 الباب رقم 4 - مع الفتح).
(3)
(2/ 566).
(4)
أي: الحافظ في "الفتح"(2/ 566).
وقال الحافظ (1) ابن حجر: فإن حمل المطلق وهو اليوم المطلق والليلة المطلقة على الكاملة أي: يوم بليلته أو ليلة بيومها، قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقلّ المسافة يوماً وليلة، لكن يعكر عليه رواية:(بريد).
ثم ذكر في موضع آخران لفظ: (بريد) مشكوك فيه، وأنه أبدله بعض الرواة عن عدم. انتهى.
قوله: [واندرج في الثلاثة](2) إشارة إلى أن في بعض طرق رواية أبي هريرة: "ثلاثة أيام" ولا أدري كيف يندرج إذا كانت الثلاثة تحديداً لأقل المسافة.
ومثله عن ابن عمر، وقد قال فيه الحافظ (3): إن حديث (4)[206 ب] الثلاثة أيام ما سيق لأجل مسافة القصر، بل لنهي المرأة عن الخروج وحدها ولذلك اختلفت الألفاظ في ذلك.
قال: ويؤيد ذلك أن الحكم في نهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان، ثم ذكر وجه ذلك في الفرق بين مسافة القصر ومسافة سفر المرأة، وهو أولى من الذي ذكره من الاندراج.
قوله: "قال مالك: وذلك أربع برد".
قلت: وقد أخرج الدارقطني (5) وابن أبي شيبة (6) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن
(1) في "الفتح"(2/ 566).
(2)
ما بين الحاصرتين من كلام الحافظ.
(3)
في "الفتح"(2/ 566 - 567).
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
في "السنن"(1/ 387 رقم 1).
(6)
في "المصنف"(2/ 446 - 447). =
أبيه، وعطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان".
لكنه قال الحافظ (1): إنه حديث ضعيف من أجل عبد الوهاب، فلو ثبت كان التحديد بالأربعة مرفوعاً.
ثم فسر مالك (2) البريد بقوله: والبريد اثنا عشر ميلاً، وقيل: ستة أميال.
في "الفتح"(3) عن الفراء أن الميل من الأرض منتهى مد البصر وأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري (4).
وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أرجل هو أو امرأة؟ وذاهب أو آت؟.
قال النووي (5): الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعاً متعرضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضة معتدلة. انتهى.
= وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(ج 11 رقم 11162)، وأورده الهيثمي في "المجمع"(2/ 157)، وقال: من رواية ابن مجاهد عن أبيه وعطاء، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البيهقي (3/ 137 - 138).
قال البيهقي: وهذا حديث ضعيف، إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أن ذلك من قول ابن عباس.
(1)
في "الفتح"(2/ 566).
(2)
في "الموطأ"(1/ 148)، وانظر:"التمهيد"(4/ 376 - 377).
(3)
(2/ 567).
(4)
انظر: "الصحاح"(5/ 1822).
(5)
في "شرحه لصحيح مسلم"(5/ 195).
قال الحافظ (1): وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبر عن ذلك باثنى عشر ألف قدم بقدم الإنسان.
وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع، وقيل خمسمائة وصححه ابن عبد البر (2)، ثم ذكر في الذراع أنه قدر الذراع هذا بالذراع الحديد المشهور الآن - أي: في عصر ابن حجر - في مصر وفي الحجاز، فوجد النقص عن الذراع الحديد قدر الثمن.
قال (3): فعلى هذا فالميل بالذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومئتان وخمسون ذراعاً.
قال (4): وهذه فائدة نفيسة قل من نبه عليها.
قال (5): وحكى النووي (6) أن أهل الظاهر (7) ذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال، وكأنهم احتجوا على ذلك بما رواه مسلم (8) وأبو داود (9) من حديث أنس:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج [207 ب] مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة".
(1) في "الفتح"(2/ 567).
(2)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 567)، وانظر:"شرح صحيح مسلم"(5/ 195 - 196).
(3)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 567).
(4)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 567).
(5)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 567).
(6)
في "شرح صحيح مسلم"(5/ 195).
(7)
"المحلى"(5/ 3 - 7).
(8)
في "صحيحه" رقم (12/ 691).
(9)
في "السنن" رقم (1201).
وأخرجه أحمد (3/ 129)، وأبو يعلى رقم (4198)، وأبو عوانة (2/ 346)، وابن حبان رقم (2745)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 146)، وهو حديث صحيح.
قال (1) وهذا أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي يبتدئ فيها القصر لا غاية السفر.
ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقي (2) ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راوية عن أنس قال: "سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس:
…
" فذكر الحديث.
فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يبدأ بالقصر منه، على أن الصحيح في ذلك، أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزته البلد الذي يخرج منها.
قال: ورده القرطبي (3) - أي ردّ الاستدلال بحديث أنس [504/ أ] مشكوك فيه فلا يحتج به.
قال الحافظ (4): إن كان مرداه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم، لكن لا يمتنع أن يحتج به على التحديدية بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطاً. انتهى.
قلت: كلام القرطبي في احتجاج الظاهرية (5) على الثلاثة الأميال بحديث أنس لا على الثلاثة الفراسخ، فلا وجه لكن لا يمتنع إلخ.
وقد بين في الرواية أن الشاك شعبة.
(1) الحافظ في "الفتح"(2/ 567).
(2)
في "السنن الكبرى"(3/ 146).
(3)
في "المفهم"(2/ 332).
(4)
في "الفتح"(2/ 567 - 568).
(5)
"المحلى"(5/ 3 - 7).
وأما الفرسخ ففي "القاموس"(1) أنه ثلاثة أميال هاشمية أو اثنى عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف. انتهى وقد تقدم.
والحاصل أنه مختلف في تحديد الميل والفرسخ اختلاف كثير ولا تسكن النفس إلى شيء مما ذكر وأقربه كلام ابن حجر (2) في الفائدة النفيسة، ويؤخذ من كلامه أنه يقوي أن أقل المسافة ثلاثة فراسخ، وهو أقل تقدير في مسافة القصر.
واعلم أن الحافظ قال فيما نقلناه عنه أن أهل الظاهر (3) كأنهم يحتجون، وصرح ابن عبد البر أنهم احتجوا بحديث أنس ولفظه: إن أهل الظاهر احتجوا بحديث شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة [208 ب]
…
الحديث.
ثم قال ابن عبد البر (4): وأبو يزيد الهنائي شيخ من أهل البصرة، وليس مثله ممن يحتمل أن يحمل هذا المعنى الذي خالف فيه هذا الجمهور، ولا هو أيضاً ممن يوثق به في ضبط هذا الأصل.
ثم ذكر للظاهرية أدلة أخرى وردها ثم قال: قال الأوزاعي (5): وعامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم تام، قال: وبه نأخذ.
قال أبو عمر (6): هو كما قال الأوزاعي وجمهور العلماء الفقهاء على التقصير في أربعة برد، وهو مسيرة يوم بالسير القوي الحسن الذي لا إسراف فيه.
(1)"القاموس المحيط"(ص 329).
(2)
في "الفتح"(2/ 567).
(3)
"المحلى"(2/ 3 - 7).
(4)
في "الاستذكار"(6/ 64 رقم 8087).
(5)
ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(6/ 97 رقم 8103).
(6)
في "الاستذكار"(6/ 97 رقم 8104).
قال (1): ومن احتاط فلم يقصر إلا في مسافة ثلاثة أيام كاملة فقد أخذ بالأحوط. انتهي.
قلت: وكل ما ذكر لا نهوض فيه، والقصر دار على مسمى الضرب في الأرض، ولم يأت في مقداره تحديد إلا حديث أنس (2) في الثلاثة الفراسخ، وقد قال الحافظ (3): أنه أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه كما عرفت، لكن أبو يزيد الهنائي وهو يحيى بن يزيد فيه ما تراه من كلام ابن عبد البر (4).
لكن قال الذهبي في "الميزان"(5): يحيى بن يزيد الهنائي صاحب أنس فما به بأس روى عنه شعبة وابن علية وقال أبو حاتم: شيخ. انتهى.
قلت: لفظ (ما به بأس) ولفظ (شيخ) من عبارات التعديل والأولة مقدمة على الثانية، كما في خطبة "الميزان"(6) وحينئذ فيتم الأخذ برواية الهنائي.
فائدة: جدة عرفت بأبي جدة حزم بن إريان نزلها وهي ساحل مكة فعرفت به كما عرف كثير من البلاد برجال نزلوها.
وحزم هو أبو ناجية أم غالب وإليها ينسب أبو الصديق الناجي وأبو المتوكل الناجي.
(1) أبو عمر في "الاستذكار"(6/ 97 رقم 8104).
(2)
تقدم وهو حديث صحيح.
(3)
في "الفتح"(2/ 567).
(4)
في "الاستذكار"(6/ 97 رقم 8087).
(5)
(4/ 415 رقم 9655).
(6)
(1/ 3 - 4).
الرابع: حديث (ابن عباس).
4 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خَرَجَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم من المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ العَالَمِينَ، فَصَلِّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ". أخرجه الترمذي (1) وصححه، والنسائي (2). [صحيح]
قوله: "لا يخاف إلا رب العالمين" هو بيان أن مفهوم الآية في قوله {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (3)، وأنه مطرح لتصريحه صلى الله عليه وسلم "أن القصر صدقة يتصدق الله بها على عباده"(4) لما سألوه عنه وقد أمنوا.
قوله: "أخرجه الترمذي وصححه"[209 ب].
قلت: قال (5) حديث أنس (6) حديث حسن صحيح، وقال (7): وفي الباب عن جابر وابن عباس.
(1) في "السنن" رقم (547).
(2)
في "السنن" رقم (1435)، وهو حديث صحيح.
(3)
سورة النساء، الآية 101.
(4)
أخرجه أحمد (251)، ومسلم رقم (4/ 686)، وأبو داود رقم (1199)، والترمذي رقم (3034)، والنسائي رقم (1433)، وابن ماجه رقم (1065) من حديث يعلى بن أمية وهو حديث صحيح.
(5)
الذي تقدم من حديث ابن عباس. قال الترمذي في "السنن"(2/ 431): هذا حديث حسن صحيح.
(6)
يشير إلى حديث أنس الذي أخرجه الترمذي رقم (548) ثم قال عقبة: حديث أنس حديث حسن صحيح.
(7)
أي: الترمذي في "السنن"(2/ 432 بإثر الحديث رقم 548). وهو الحديث الثاني برقم (5).
الخامس: حديث (أنس).
5 -
وعن أنس رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ. فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ. قِيلَ: لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: "أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا". أخرجه الخمسة (1). [صحيح]
قوله فيه: "كم أقمتم؟ قال: عشراً" يأتي حديث ابن عباس وهو السادس وهو يعارض، ويأتي كلام العلماء في الجمع بينهما.
السادس: حديث (ابن عباس).
6 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تِسْع عَشْرَة يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَكُنَّا إذَا سَافَرْنَا فَأَقَمَناَ تِسْعَ عَشْرَة قَصَرْنَا وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا". أخرجه الخمسة (2)، إلا مسلماً. [صحيح]
وفي أخرى لأبي داود (3): "سَبَعَ عَشَرَةً". [شاذٍ].
(1) أخرجه البخاري رقم (1081، ومسلم رقم (15/ 693)، وأبو داود رقم (1233)، والترمذي رقم (548)، والنسائي (3/ 118، 121)، وابن ماجه رقم (1077).
وأخرجه أحمد (3/ 187)، وابن خزيمة رقم (956)، وأبو عوانة (2/ 347)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 418)، وابن حبان رقم (2754)، والبيهقي (3/ 136، 145، 153)، والبغوي في "شرح السنة" رقم (1027)، وابن حزم في "المحلى"(5/ 26) من طرق.
وهو حديث صحيح.
(2)
أخرجه البخاري رقم (1080، 4298، 4299)، وأبو داود رقم (1230)، والترمذي رقم (549)، وابن ماجه رقم (1075)، وأخرجه أحمد (1/ 224)، وابن خزيمة رقم (955)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 416)، والبيهقي (3/ 150)، والبغوي رقم (1028)، وابن حبان رقم (2750)، وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (4337)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 454)، وعبد بن حميد رقم (582)، والدارقطني (1/ 388)، من طرق.
(3)
في "السنن" رقم (1230) وهو شاذ.
وفي أخرى للنسائي (1): "أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتحِ خَمْسَ عَشَرَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ". [شاذ]
قوله: "أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة يقصر الصلاة" وزاد في رواية أبي داود (2): "بمكة" وله في رواية: "بمكة عام الفتح".
السابع:
7 -
وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: شَهِدْتُ عَامَ الفَتْحَ مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمانَي عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَا يُصَلِّى إِلَا رَكْعَتَيْنِ. وَيَقُولُ:"يَا أَهْلَ البَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ". أخرجه أبو داود (3). [ضعيف]
"السَّفْر" القوم المسافرون (4).
قوله: "عن عمران بن الحصين [غزوت] (5) " مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين. ويقول:
" [يا أهل مكة] (6) صلوا أربعاً فإنا سفر" هذه الأحاديث كما ترى تعارضت في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم، واتفقت أنه في عام الفتح إلا رواية أنس الماضية فإنها غير مقيدة به.
(1) في "السنن" رقم (1453)، وأخرجه أبو داود رقم (1231)، وابن ماجه رقم (1076).
(2)
في "السنن"(1231)، وهو حديث شاذ.
(3)
في "السنن" رقم (1229)، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وهو حديث ضعيف.
(4)
قال ابن الأثير في "غريب الجامع"(5/ 702) السفر: القوم المسافرون، جمع سافر، يقال: سفرت أسفر سفوراً، فأنا سافر: إذا خرجت إلى السفر، والقوم سفراً، مثل: راكب وركب.
(5)
كذا في (أ. ب) وفي نص الحديث شهدتُ.
(6)
كذا في (أ. ب) والذي في نص الحديث يا أهل البلد.
فأما روايات ابن عباس وعمران بن حصين فإنه جمع بينهما البيهقي بأن من قال: "تسع عشرة" عدّ يومي [505/ أ] الدخول والخروج، ومن قال:"سبع عشرة" حذفهما، ومن قال:"ثماني عشرة" عدّ أحدهما.
ورواية: "خمس عشرة" ضعفها النووي (1)، وتعقبه ابن حجر (2) قال: رواتها ثقات.
وقال بأن التضعيف للشذوذ، لا لضعف الرواة.
قال ابن حجر (3): وإذا ثبت أنها صحيحة فتحمل على أن الراوي، من أن الأصل رواية:"سبع عشرة"[210 ب] فحذف منها يومي الدخول والخروج. انتهى.
قلت: يبقى التعارض بين "تسع عشرة""وخمس عشرة".
وأما رواية أنس (4): "عشراً" ففي رواية: "وكان ذلك في حجة الوداع".
قال أحمد بن حنبل (5): لا وجه لهذا الحديث إلا أن يكون الراوي حسب بأيام إقامته منذ دخل مكة إلى خروجه منها، لعل هذا لم يقم في مكة أربعة أيام كوامل؛ لأنه دخلها رابع ذي الحجة وخرج منها إلى منى يوم الثامن. انتهى.
والحقيقة (6) أنه دخلها رابع ذي الحجة، فأقام الخامس والسادس والسابع، وخرج في الثامن إلى منى، وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى منى في العاشر، فأقام بها الحادي عشر
(1) في "خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام"(2/ 733 رقم 2563).
(2)
في "الفتح"(2/ 562).
(3)
في "الفتح"(2/ 562)، وانظر: التلخيص (2/ 96).
(4)
تقدم وهو حديث صحيح.
(5)
"المغني"(3/ 150 - 152).
(6)
انظر: "شرح صحيح مسلم للنووي"(5/ 202).
والثاني عشر، ونفر في الثالث عشر إلى مكة، وخرج منها إلى المدينة في الرابع عشر، فمدة إقامته بمكة وحواليها عشرة أيام وكان يقصر الصلاة فيها كلها.
قوله: "وكنا إذا سافرنا"(1) لفظه في "الجامع""فنحن إذا سافرنا وأقمنا تسع عشرة قصرنا" هذا لفظه في كل رواياته.
قوله: "وإن زدنا أتممنا"(2) قال الترمذي (3): وقد روي عن ابن عباس: "أنه صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلى ركعتين، قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا بيننا وبين تسع عشرة [نصلي] (4) ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة".
وروي عن علي عليه السلام أنه قال: "من أقام عشرة أيام أتم الصلاة".
وروي عن ابن عمر أنه قال: "من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة"، وروي عنه:"اثنتي عشرة".
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "إذا أقام أربعاً صلى أربعاً" وروى عنه ذلك قتادة وعطاء الخراساني، وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا.
واختلف أهل العلم بعد في ذلك فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة (5) فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة فقالوا: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة.
وقال الأوزاعي: إذا أجمع على إقامة اثنتي عشرة أتم الصلاة.
(1) ليست هذه في حديث عمران، وإنما هي من الحديث السادس حديث ابن عباس.
(2)
ليست هذه في حديث عمران، وإنما هي من الحديث السادس حديث ابن عباس.
(3)
في "السنن"(2/ 432).
(4)
كذا في "المخطوط" والذي في "السنن" صلينا.
(5)
انظر: "المجموع شرح المهذب"(1/ 241 - 242).
وقال مالك (1)، والشافعي (2) وأحمد (3): إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة. [211 ب].
وأما إسحاق (4) فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس لأنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وتأوله بعده. إذا أجمع على إقامة تسع عشرة أتم الصلاة.
ثم أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. انتهى كلامه.
قلت: وقول ابن عباس: "وإن زدنا أتممنا" ليس مأخوذاً من قصره صلى الله عليه وسلم تسع عشرة؛ لأنه لا يعلم أنه صلى الله عليه وسلم، لو زاد لأتم بل يحتمل أنه لو زاد لقصر، بل هو أقوى الاحتمالين؛ لأنه أقام دونها فقصر ثم أقام أكثر منها فقصر، فلا دليل أن التسع عشرة غاية منتهى سفره.
قوله: "أخرجه أبو داود" قال المنذري (5): وأخرجه الترمذي (6) بنحوه وقال (7): حسن صحيح، هذا آخر كلامه.
وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة وقال بعضهم هو حديث لا تقوم به حجة لكثرة اضطرابه (8).
(1) انظر: "الاستذكار"(6/ 101 رقم 8117).
(2)
"المجموع شرح المهذب"(4/ 241 - 242).
(3)
انظر: "بداية المجتهد"(1/ 63 - 64 بتحقيقي).
(4)
انظر: "الاستذكار"(6/ 101 - 104).
(5)
في "مختصر السنن"(2/ 61).
(6)
في "السنن" رقم (545).
(7)
في "السنن"(2/ 430).
(8)
وهو حديث ضعيف.
الحديث الثامن: حديث (جابر).
8 -
وعن جابر رضي الله عنه قال: "أَقَامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ". أخرجه أبو داود (1). [صحيح]
قوله: "عشرين يوماً يقصر الصلاة"
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: قال المنذري (2): ذكر البيهقي (3) أنه غير محفوظ، قال: وحديث الحسن (4) بن عمارة، عن الحكم عن مجاهد، عن ابن عباس قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر أربعين يوماً [يصلي ركعتين](5). غير صحيح، تفرد به الحسن بن عمارة، وهو متروك. انتهى.
الحديث التاسع:
9 -
وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: "صَلَّى بِنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ".
(1) في "السنن" رقم (1235).
وأخرجه أحمد (3/ 295)، وابن حبان رقم (2749)، وعبد الرزاق في "مصنفه" رقم (4335)، وعبد بن حميد رقم (1139)، وابن حبان رقم (2752)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 152).
وهو حديث صحيح.
(2)
في "مختصر السنن"(2/ 63).
(3)
في "السنن الكبرى"(3/ 152).
(4)
الحسن بن عمارة، أبو محمد مولى بجيلة: قال البخاري: كان ابن عيينة يضعفه، وقال أحمد: متروك، وقال أبو حاتم، ومسلم، والدارقطني، وجماعة: متروك. انظر: "التاريخ الكبير"(2/ 203)"الميزان"(1/ 513)، "الجرح والتعديل"(3/ 27)، "المغني"(1/ 165).
(5)
سقطت من (أ. ب) وأثبتناها من "مختصر السنن".
أخرجه الخمسة (1). [صحيح]
حديث: "حارثة (2) بن وهب" هو الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه وهي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن شبيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية.
والحديث تقدم معناه.
العاشر: حديث (ابن عمر).
10 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صَلَّى بِناَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ رضي الله عنهم، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا. وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. أخرجه الشيخان (3) والنسائي (4). [صحيح]
قوله: "وعثمان صدراً من خلافته"[212 ب] المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته بمنى خاصة.
والصحيح في تأويل فعله أنه رأى القصر والإتمام جائزين، فأخذ بأحد الجائزين، وهو الإتمام، هذا هو الحق في تأويل ما أتاه.
(1) أخرجه البخاري رقم (1083، 1656)، ومسلم رقم (20/ 696)، وأبو داود رقم (1965)، والترمذي رقم (882)، والنسائي رقم (1445، 1446).
وهو حديث صحيح.
(2)
ذكره ابن الأثير في "تتمة جامع الأصول"(1/ 288 - قسم التراجم).
وانظر: "التقريب"(1/ 146 رقم 85).
(3)
البخاري في "صحيحه" رقم (1082)، ومسلم رقم (694).
(4)
في "السنن" رقم (1450)، وهو حديث صحيح.
وقد أطال الناس في ذكر أعذاره سيما ابن القيم في "الهدي النبوي"(1)[506/ أ] وهي أعذار كلها مردودة.
قال ابن بطال (2): الوجه الصحيح في ذلك أن عائشة وعثمان كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه أخذ في ذلك بالرخصة.
الحديث الحادي عشر: حديث (عثمان).
11 -
وعن عثمان رضي الله عنه: أنَّهُ لمَّا اتَّخَذَ الأَمْوَالَ بِالطَّائِفِ، وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا صَلَّى بِمِنَى أَرْبَعًا، قَالَ ثُمَّ أَخَذَ بِهِ الأَئِمَّةُ بَعْدَهُ. أخرجه أبو داود (3). [ضعيف]
قوله: "أنه لما اتخذ الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى بمنى أربعاً ثم أخذ [بها] (4) الأئمة بعده"، أخرجه أبو داود.
قلت: قال الحافظ المنذري (5) أنه منقطع؛ لأنه أخرجه أبو داود (6) عن الزهري، والزهري لم يدرك عثمان.
- وفي رواية: "إِنَّماَ صَلّى أَرْبَعاً لِأَجْلِ الأَعْرَابِ، لأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ"(7). [حسن بشواهده]
(1) في "زاد المعاد"(1/ 451 - 455).
(2)
في "شرحه لصحيح البخاري"(3/ 72 - 73).
(3)
في "السنن" رقم (1963) وهو حديث ضعيف.
(4)
كذا في الشرح والذي في نص الحديث (به).
(5)
في "مختصر السنن"(2/ 413).
(6)
في "السنن" رقم (1963) وهو حديث ضعيف.
(7)
أخرجه أبو داود "في السنن" رقم (1964)، وهو حديث حسن بشواهده.
وفي أخرى (1): "أَنَّهُ أَجْمَعَ عَلىَ الإِقَامَةِ بَعْدَ الحَجَّ". [ضعيف]
قوله: "وفي رواية" أي: عن الزهري، فهي منقطعة أيضاً.
قوله: "ليعلمهم أن الصلاة أربع" يقال في هذا: قد كان الأعراب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وعام حجته، كانوا أجهل وأكثر حاجة إلى التعليم وقد صلى ركعتين اتفاقاً في منى على أن الأعراب كانوا مسافرين ففرضهم ركعتان، وإن كان فيهم من هو مقيم فليفعل عثمان كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى قصراً قال لأهل مكة: أتموا فإنا سفر (2) " فكان يفعل عثمان ذلك.
قوله: "وفي أخرى" أي: رواية أخرى لأبي داود.
"أجمع على الإقامة بعد الحج" قال الحافظ ابن حجر (3): فيه نظر لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام وقد صح عن عثمان: "أنه كان لا يودع [النساء] (4) إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته".
وثبت (5) عن عثمان: "أنه لما حاصروه قال له المغيرة: اركب رواحلك إلى مكة"[213 ب].
قال: "لن أفارق دار هجرتي". انتهى.
- وله (6) عن ابن مسعود: "أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا؟ فَقَالَ: الخِلَافُ شَرٌّ". [حسن]
(1) أخرجه أبو داود في "السنن" رقم (1961) وهو حديث ضعيف.
(2)
تقدم وهو حديث ضعيف.
(3)
في "الفتح"(2/ 571).
(4)
سقطت من (أ. ب) وأثبتناها من "الفتح".
(5)
قاله الحافظ في "الفتح"(2/ 71).
(6)
أخرجه أبو داود في "السنن" رقم (1960)، وهو حديث حسن.
"الإِجْمَاعُ" العَزْمُ وَالنِّيِةِ عَلىَ الشْيءِ (1).
قوله: "وله" أي: لأبي داود وأخرجه أيضاً البخاري (2) ومسلم (3) والنسائي (4) مختصراً ومطولاً.
قوله: "عبت على عثمان"، وذلك أنه أخرج أبو داود (5) وعن ابن مسعود:"أنه لما صلى عثمان بمنى أربعاً قال ابن مسعود: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ومع عثمان صدراً من إمارته ثم أتمها".
زاد في رواية (6): "ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين". انتهى.
قوله: "الخلاف شر" هذا يدل أن ابن مسعود يرى القصر جائز والتمام مثله، إذ لو كان يرى القصر حتماً لما جاز له أن يتركه، ويصلي صلاة لا تجزيء، وأن ما عاب على عثمان تركه ما عهده ممن كان قبله ومنه.
(1)"النهاية في غريب الحديث"(1/ 289) حيث قال: الإجماع: إحكام النيّة والعزيمة.
(2)
في "صحيحه" رقم (1084، 1657).
(3)
في "صحيحه" رقم (695).
(4)
في "السنن" رقم (1448، 1451)، كلهم دون قول معاوية بن قرة، عن أشياخه (أن عبد الله صلى أربعاً، قال: فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعاً؟! قال: الخلاف شر).
(5)
في "السنن" رقم (1960)، وهذا الجزء من الحديث صحيح وقد تقدم تخريجه. أما قول معاوية بن قرة. فهو حسن.
(6)
أبو داود في "السنن" رقم (1960).
واعلم أنه نقل الحافظ ابن (1) حجر: "أن عثمان كان إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفه قصر الصلاة فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة" رواه أحمد (2)، قال: بإسناد حسن.
وروي من طريق البيهقي (3) عن عثمان: "أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: إن القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة صاحبيه، ولكنه حدث طغام (4) - بفتح الطاء والمعجمة - فخفت أن يستنوا".
وعن ابن جريج (5): (أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين).
قال (6): وهذه [214 ب] طرق يقوي بعضها بعضاً.
(1) في "الفتح"(2/ 571).
(2)
في "المسند"(4/ 94) بسند حسن.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(ج 19 رقم 765) مختصراً. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 156 - 157)، وقال: رواه أحمد، وروى الطبراني بعضه في "الكبير" ورجال أحمد موثقون.
(3)
(3/ 149 - 150).
(4)
قيل: من لا عقل له ولا معرفة، وقيل هم أوغاد الناس وأراذلهم.
وقيل: جمع طغامة. وهو الأحمق، والتطغم: التجاهل.
"القاموس المحيط"(ص 1463)"النهاية في غريب الحديث"(2/ 114).
(5)
ذكره الحافظ في "الفتح"(2/ 571).
(6)
الحافظ في "الفتح"(2/ 571).