الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والغنائم، ورأى قبل دخولها أن يعجّل البشرى إلى المسلمين المقيمين فيها؛ لأنهم لا يدرون مما حدث شيئا.
فأرسل عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة مبشّرين، يؤذنان الناس بالنصر العظيم.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره صلى الله عليه وسلم، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم له بسهمه وأجره في بدر «1» .
محاسبة وعتاب (في الغنائم) :
برغم ما سجّله التاريخ من تجمّل ومواساة بين الأنصار والمهاجرين، فإنّ متاعب العيلة ومشكلات الفقر تمشّت خلال المجتمع الجديد؛ إن سترها التعفف حينا أبرزتها الحاجة حينا اخر، والأزمات التي تصاحب تكوين دولة من العدم وسط أمم تكيد لها، وتتربّص بها الدوائر، يجب أن تتوقع، وأن توطّن النفوس على احتمالها، وألا تكون حدّة الشعور بها سببا في ضعف السيرة وعجز الهمة..
وقد اخذ الله المسلمين- قبل معركة بدر وبعدها- بأمور بدرت منهم يحبّ لهم أن يتنزّهوا عنها، مهما بلغ من شدة الدوافع والمبررات لارتكابها.
فهم يوم خرجوا من يثرب لملاقاة مشركي مكة تعلّقت أمانيهم بإحراز العير وما تحمل من ذخائر ونفائس.
حقا إنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وضحّوا في سبيل الله بأنفسهم وأولادهم
…
فليمضوا في طريق الفداء إلى المرحلة الأخيرة، ومهما عضّهم الفقر بنابه، فليكن التنكيل بالكافرين أرجح في ميزانهم من الاستيلاء على الغنيمة:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7)[الأنفال] .
ومن هذا القبيل تسابقهم بعد النصر إلى حيازة الغنائم، ومحاولة كل فريق الاستئثار بها.
(1) حديث صحيح، أخرجه البيهقي: 9/ 174، بسند صحيح من حديث أسامة؛ ورواه بنحوه الحاكم: 3/ 48، عن الزهري مرسلا، وفي الباب أحاديث أخرى تراجع في (المجمع) : 9/ 83- 84.
عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في اثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم، يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرّة، حتى إذا كان الليل، وفاء النّاس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم أحقّ بها منّا، نحن نحينا منها العدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)[الأنفال] .
فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين «1» .
هذا التنازع المؤسف إثر البأساء الشاملة التي لحقت بالمهاجرين والأنصار على السواء، وقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مظاهر البؤس على أصحابه وهم خارجون إلى بدر؛ فرثى لحالهم، وتألّم لما بهم، وسأل الله أن يكشف كرباتهم.
فعن عبد الله بن عمرو «2» ، قال: خرج رسول الله يوم (بدر) في ثلاثمئة وخمسة عشر رجلا من أصحابه، فلما انتهى إليها، قال:«اللهم إنّهم جياع فأشبعهم، اللهم إنّهم حفاة فاحملهم، اللهم إنّهم عراة فاكسهم» . ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين، واكتسوا وشبعوا.
إنّ الجوع والعري عند ما يطول أمدهما يتركان في النفوس ندوبا سيئة،
(1) حديث صحيح، أخرجه أحمد: 5/ 323- 324؛ والحاكم: 2/ 326، من طريق مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت. وقال الحاكم:«صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي، وأبو أمامة لم يره مكحول- كما قال أبو حاتم- فهو منقطع، ومن هذا الوجه، أخرجه ابن هشام: 2/ 76، عن ابن إسحاق. ومن طريقه أحمد: 5/ 322، لكن له شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود: 1/ 430؛ والحاكم، وقال:«صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وبه صحّ الحديث.
(2)
حديث حسن، أخرجه أبو داود: 1/ 431- 432؛ والحاكم: 2/ 145؛ والبيهقي: 9/ 57، وقال الحاكم:«صحيح على شرط مسلم» ، وإنما هو حسن فقط. وحسنه الحافظ في (الفتح) : 7/ 233.