المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وجويرية بنت الحارث - فقه السيرة للغزالي

[محمد الغزالي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدّمة

- ‌حول أحاديث هذا الكتاب

- ‌رسالة وإمام (مدخل إلى السيرة النبوية)

- ‌الوثنيّة تسود الحضارة القديمة

- ‌طبيعة الرّسالة الخاتمة

- ‌العرب حين البعثة

- ‌رسول معلم

- ‌منزلة السنّة من الكتاب الكريم

- ‌النبي صلى الله عليه وسلم وخوارق العادات

- ‌من الميلاد إلى البعث (العهد المكي)

- ‌[نسب النبي صلى الله عليه وسلم ومولده ورضاعه]

- ‌[نسبه ومكانته في قومه] :

- ‌[قلة ماله عليه الصلاة والسلام] :

- ‌[تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[كيفية استقبال جدّه لمولده] :

- ‌[عرضه على المراضع] :

- ‌شق الصدر

- ‌بحيرا الراهب

- ‌حياة الكدح

- ‌[أهداف التعليم] :

- ‌حرب الفجار

- ‌حلف الفضول

- ‌قوة ونشاط

- ‌خديجة رضي الله عنها

- ‌[الزواج الميمون] :

- ‌الكعبة

- ‌باحثون عن الحقّ

- ‌في غار حراء

- ‌ورقة بن نوفل

- ‌جهاد الدّعوة (في مكة)

- ‌[محمد صلى الله عليه وسلم يحمل أعباء الدعوة إلى الله]

- ‌إلام يدعو الناس

- ‌1- الواحدانية المطلقة:

- ‌2- الدار الاخرة:

- ‌3- تزكية النفس:

- ‌4- حفظ كيان الجماعة المسلمة:

- ‌الرعيل الأوّل

- ‌إظهار الدعوة

- ‌أبو طالب

- ‌الاضطهاد

- ‌عمار بن ياسر رضي الله عنه:

- ‌بلال رضي الله عنه:

- ‌خباب رضي الله عنه:

- ‌مفاوضات

- ‌الهجرة إلى الحبشة

- ‌[التحذير من الإسرائيليات] :

- ‌[الهجرة الثانية إلى الحبشة] :

- ‌إسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما

- ‌المقاطعة العامة

- ‌عام الحزن

- ‌في الطائف

- ‌[في جوار المطعم بن عدي] :

- ‌الإسراء والمعراج

- ‌[لماذا المسجد الأقصى

- ‌حكمة الإسراء:

- ‌إكمال البناء:

- ‌سلامة الفطرة:

- ‌فرض الصلاة:

- ‌[صور شتى لأجزية الصالحين والطالحين] :

- ‌قريش والإسراء:

- ‌[عرض الإسلام على القبائل] :

- ‌الهجرة العامّة مقدّماتها ونتائجها (العهد المدني)

- ‌[تمهيد]

- ‌[التحول الجديد] :

- ‌[بشارة اليهود بالنبي الجديد وكفرهم به] :

- ‌فروق بين البلدين

- ‌صنع اليهود

- ‌بيعة العقبة الأولى

- ‌بيعة العقبة الكبرى

- ‌طلائع الهجرة

- ‌في دار الندوة

- ‌هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌درس في سياسة الأمور:

- ‌في الغار:

- ‌في الطريق إلى المدينة:

- ‌دعاء:

- ‌[خبر الهجرة ينتشر في جوانب الصحراء] :

- ‌الوصول إلى المدينة

- ‌استقرار المدينة:

- ‌[النفس العظيمة] :

- ‌[مشكلات وحلول إيجابية] :

- ‌أسس البناء للمجتمع الجديد

- ‌[دعائم المجتمع الجديد]

- ‌[أولا] : المسجد:

- ‌[ثانيا] : الأخوة:

- ‌[ثالثا] : غير المسلمين:

- ‌المصطفون الأخيار

- ‌معنى العبادة

- ‌قيادة تهوي إليها الأفئدة

- ‌[أوصافه وبعض أخلاقه صلى الله عليه وسلم] :

- ‌الكفاح الدّامي

- ‌[مرحلة الإعداد للجهاد]

- ‌[تمارين ومناورات ومعارك] :

- ‌سرايا

- ‌[حكمة بعث السرايا] :

- ‌سرية عبد الله بن جحش:

- ‌معركة بدر

- ‌[فرار أبي سفيان بالقافلة، واستصراخه أهل مكة] :

- ‌[استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه] :

- ‌[دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر] :

- ‌[بداية المعركة] :

- ‌[مقتل أبي جهل] :

- ‌[بشاشة الفوز تضحك للمؤمنين] :

- ‌محاسبة وعتاب (في الغنائم) :

- ‌[في الأسرى] :

- ‌في أعقاب بدر:

- ‌بدء الصراع بين اليهود والمسلمين

- ‌طرد يهود بني قينقاع:

- ‌[سر نقمة اليهود على الإسلام والمسلمين] :

- ‌مقتل كعب بن الأشرف:

- ‌مناوشات مع قريش

- ‌[بين بدر وأحد] :

- ‌معركة أحد

- ‌عبر المحنة:

- ‌[من بطولات الصحابة وتضحياتهم] :

- ‌[إصابة النبي صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[دروس وعبر] :

- ‌شهداء أحد:

- ‌[حمراء الأسد] :

- ‌اثار أحد:

- ‌[قصة الرجيع] :

- ‌[شهداء القرّاء في بئر معونة] :

- ‌[المصاب الفادح] :

- ‌[استعادة هيبة المسلمين] :

- ‌إجلاء بني النضير

- ‌[الثأر لأصحاب الرجيع وبئر معونة] :

- ‌بدر الاخرة

- ‌دومة الجندل

- ‌غزوة بني المصطلق

- ‌حديث الإفك

- ‌غزوة الأحزاب

- ‌مع بني قريظة

- ‌[علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحمل راية المسلمين] :

- ‌[نزول بني قريظة على حكم سعد] :

- ‌[قتل أبي رافع بن أبي الحقيق] :

- ‌طور جديد

- ‌عمرة الحديبية

- ‌[عدم الرغبة في القتال] :

- ‌[مفاوضات] :

- ‌[محاولات للاعتداء] :

- ‌[بيعة الرضوان] :

- ‌[شروط صلح الحديبية] :

- ‌[ردة فعل المسلمين على الشروط] :

- ‌[أحداث ما بعد الحديبية] :

- ‌مع اليهود مرة أخرى (يهود خيبر)

- ‌[حصون اليهود تتداعى] :

- ‌[نماذج من الشهادة] :

- ‌[أحداث ما بعد المعركة] :

- ‌[الأرض لله يورثها من يشاء] :

- ‌عودة مهاجري الحبشة

- ‌تأديب الأعراب

- ‌مكاتبة الملوك والأمراء

- ‌[كتابه إلى قيصر ملك الروم] :

- ‌[ردّ ملك غسان] :

- ‌[ردّ المقوقس ملك القبط] :

- ‌[ردّ فعل كسرى ملك فارس] :

- ‌[ردّ أمير البحرين] :

- ‌عمرة القضاء

- ‌غزوة مؤنة

- ‌[التربية الجهادية للمجتمع المسلم] :

- ‌[مكانة القادة الثلاثة في الجنة] :

- ‌ذات السلاسل

- ‌[فقه عمرو] :

- ‌الفتح الأعظم

- ‌[أبو سفيان يحاول إصلاح ما أفسده قومه] :

- ‌[إنه شهد بدرا

- ‌[إسلام العباس رضي الله عنه] :

- ‌[تعمية أخبار الجيش] :

- ‌[دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام] :

- ‌[دخول جيش المسلمين مكة] :

- ‌[مشاهد بعد الفتح] :

- ‌[ذكريات الشهداء] :

- ‌[إسلام فيه دخن] :

- ‌معركة حنين

- ‌هزيمة:

- ‌الثبات والنصر:

- ‌الغنائم:

- ‌حكمة هذا التقسيم:

- ‌عودة وفد هوازن:

- ‌حصار الطائف:

- ‌إلى دار الهجرة:

- ‌موقف المنافقين:

- ‌غزوة تبوك

- ‌[دعوة إلى البذل والعطاء] :

- ‌[مصاعب وصبر وعزيمة] :

- ‌[تحقيق أهداف الغزوة] :

- ‌المخلّفون

- ‌مسجد الضّرار:

- ‌طليعة الوفود

- ‌حج أبي بكر بالناس

- ‌وفد للأميين، ووفد لأهل الكتاب

- ‌أمّهات المؤمنين

- ‌[زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمهات المؤمنين و‌‌كلمة عن تعدّد الزوجات]

- ‌كلمة عن تعدّد الزوجات]

- ‌[زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة] :

- ‌[عائشة وحفصة وأم سلمة وسودة رضي الله عنهن] :

- ‌[زواجه بالسيدة زينب رضي الله عنها] :

- ‌[زوجات أخريات] :

- ‌فأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب

- ‌وصفية بنت حيي

- ‌وجويرية بنت الحارث

- ‌حجّة الوداع

- ‌استقرار:

- ‌ حجة الوداع

- ‌إلى المدينة:

- ‌الرّفيق الأعلى

- ‌[شكوى النبي صلى الله عليه وسلم] :

- ‌[اشتداد المرض] :

- ‌[أوامر ووصايا] :

- ‌[حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته] :

- ‌[وفاته صلى الله عليه وسلم واثارها على المسلمين] :

- ‌خاتمة

الفصل: ‌وجويرية بنت الحارث

إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسّك الناس بها، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، لذلك يقول الله- بعد ذلك مباشرة- وهو يهدم نظام التبني:

ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40)[الأحزاب] .

[زوجات أخريات] :

أما السيدات الاخريات اللاتي بنى بهن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهن نساء تنميهن أصول عريقة حتى ليعتبرن بنات ملوك!.

وقد أحاطت بهن- عند دخول الإسلام- ملابسات، لا يليق أن يجهلها قائد دعوة.

‌فأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب

سيد قريش وقائدها عشرين سنة في حرب الإسلام أو يزيد، أئذا أسلمت وراغمت أباها وقومها في ذات الله، ثم هاجرت إلى الحبشة تاركة مكة حيث يسود أبوها وتعلو كلمته؟.

أترى مثل هذه السيدة إذا مات زوجها تترك لمن يخدش مكانها؟.

لقد ضمّها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجاته، إعزازا لشأنها وتقديرا لصنيعها.

‌وصفية بنت حيي

، كان أبوها ملك اليهود. وفي الصراع بين بني إسرائيل والإسلام هلك أبوها وأخوها وزوجها، ووقعت في سهم جندي، لا يعرف إلا أنها أسيرة حرب، من حقه بملك اليمين أن يسلك معها كيف يشاء.

فإذا رقّ النبي صلى الله عليه وسلم لحالها، ووهبها حريتها، ثم جبر كسرها، وقدّر ماضيها، فتزوجها ليستطيع- بإحسانه وإكرامه- تطييب خاطرها، فهل ذلك مما يلام عليه؟.

‌وجويرية بنت الحارث

، إنّ أباها زعيم بني المصطلق، وقد انتهت حربه مع المسلمين بهزيمة نكراء، وكادت قبيلته تهون وتذل عقب هذه الهزيمة، فواسى النبي صلى الله عليه وسلم القائد المهزوم، ثم أصهر إليه، حتى يشعر المسلمين بما ينبغي لأتباعه من كرامة ومعونة، وقد وقع ما أحبّه النبي صلى الله عليه وسلم، فعادت الحرية إلى القبيلة رجالا ونساء، إذ تحرج المسلمون أن يسيئوا إلى قوم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتهم.

وقد يسبق إلى أذهان البعداء عن السيرة أنّ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاصة قامت على التوسع في المطاعم والمشارب

والمتاع الاخرى.

ص: 440

والصورة التي قد ترتسم بادئ الأمر لرجل عنده نساء أنه مغمور بالسعادة المادية، يقوم بيته على الموائد الحافلة باللحوم والفواكه، ويرتوي من الأشربة التي تسري في أوصاله بالنشوة، ثم يتقلب يبن أحضان البيضاوات والشقراوات، ويصبح يستقبل الدنيا بعد ذلك خالي البال!!.

وقد تكون هذه الصورة مساوية أو مقاربة لما يدور في قصور الملوك، لكن حذار أن تسفّه نفسك فتحسب شية من هذا العيش الرخيّ في بيوت محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

انتقل على عجل إلى لون اخر من الحياة الخشنة؛ لترى فيه رجلا تعلقت همته بالحق واحده، فهو ينتعش بمعرفته، ويجتهد لجمع الناس عليه، وقرة عينه في خطوة تقربه من غايته شبرا، أما أهواء الدنيا فهي تحت قدميه ودبر أذنيه.

إذا استطاعت قذائف المدافع على ظهر الأرض أن تبلغ النجوم البعيدة، ما استطاعت مغريات الحياة أن تقترب من قلب محمد الزكي النقي صلى الله عليه وسلم.

ذاك إنسان اصطفته العناية؛ فهو يحلّق في مدى اخر يقول فيه: «ما لي وللدّنيا؟! إنّما أنا كرجل قال «1» تحت ظلّ الشّجرة ثمّ راح وتركها» «2» .

يربط همم البشر بالمثل العليا، وما تصير إليه عند الله، فيقول:«موضع سوط في الجنّة خير من الدّنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» «3» .

وحياته مع زوجاته نهج من الشظف لا يطيقه أحد.

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرقّقا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ!!.

(1) قال: من القيلولة: وهي شدة حر الشمس في الظهيرة.

(2)

صحيح، أخرجه الترمذي: 3/ 278؛ وصحّحه ابن ماجه: 2/ 525- 526؛ والحاكم: 4/ 310، وأحمد، رقم (3709، 4208) عن ابن مسعود، وله شاهد عن ابن عباس، رواه أحمد (2744) وإسناده حسن، وصحّحه الحاكم على شرط البخاري ومسلم؛ ووافقه الذهبي.

(3)

صحيح أخرجه البخاري: 11/ 194، بتمامه؛ ومسلم: 6/ 35، بالشطر الثاني عن سهل بن سعد.

ص: 441

وعن عائشة قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار!.

فقال لها عروة بن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء.

وقالت عائشة أيضا: «لقد توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي..» .

أما الفراش الذي يأوي إليه هذا النبي صلى الله عليه وسلم فهو من أدم- جلد- حشوه ليف «1» يثوي فيه قليلا، فما أن يستدفئ به حتى يسمع الصارخ- الديك- فينهض متأهبا لصلاة الفجر.

ولا نعني بهذا الوصف أنّ الإسلام يعاف الطّيبات، أو أن نبيّه يسنّ للناس تركها.

كلا، فشريعة الإسلام في هذا بيّنة نيّرة، وإنّما نسرد الواقع من حياة رجل صدفت نفسه عما يقتتل الناس عليه، إنّ الرجل قد يترك لأولاده الصغار لعبة يفرحون بها ويختصمون عليها؛ لأنّ طبيعة رجولته في شغل عن عبث الصبية.

إنّ بعض المخترعين والمفكرين يذهلون عن الطعام المهيأ لهم، لا ازدراء له، ولكن استغراقا فيما ملك عليهم مشاعرهم.

وكأنّي أتخيل النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يرى سواد الناس يتفانون على الحطام الذاهب فيهز رأسه أسفا، ويقول:«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «2» .

ثم يضرع إلى الله: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» «3» .

إنّ من الزراية بالعقل، والجور الفاحش على التاريخ، أن يجيء رجل من عرض الطريق، فيرى أو يقال له: إنّ محمدا كان لديه نسوة عديدات. فيظنّ المسكين أنّ ذلك دلالة استكثار من الشهوات وتشبّع من الدنيا.

ولا يحسبنّ أحد هذا الاخشيشان فعل من لا يجد! وأنه لو فتحت إلى بيوت

(1) صحيح، أخرجه البخاري: 11/ 245، عن عائشة أيضا.

(2)

صحيح، أخرجه البخاري: 11/ 268، من حديث أبي هريرة وأنس.

(3)

صحيح، أخرجه البخاري: 11/ 246؛ ومسلم: 8/ 217، واللفظ له من حديث أبي هريرة، وليس هو تمام الحديث الذي قبله كما قد يتبادر من عبارة المؤلف، بل كل من الحديثين مستقل عن الاخر، ولا يدرى المتقدم منهما من المتأخر.

ص: 442

النبيّ صلى الله عليه وسلم نافذة تطلّ على بحبوحة الحياة الرغدة، لاستمتاع واكتنز، واستمتاع نسوته وابتهجن.

لا، كان قادرا أن يحتجز من المال الذي يمر به ويحكم فيه ما يشاء، لو يشاء، لكنّ هذا النبي السمح صلى الله عليه وسلم كان فوق التطلع إلى اللذات الصغيرة؛ لأن عينيه ترمقان هدفا أسمى، ولو سيقت إليه خزائن الأرض لفكّر- قبل كلّ شيء- في إشباع نهمة الناس منها.

عن أبي ذر: كنت أمشي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال:«يا أبا ذر» ، قلت: لبيك يا رسول الله، فقال:«ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد ذهبا، تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار- إلا شيئا أرصده لدين- إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا» ، عن يمينه وعن شماله ومن خلفه.

ثم مشى فقال: «إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة، إلا من قال، هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» «1» .

إنّ أشهى الطعام في فم الرجل الشبعان الممتلئ لا مذاق له، وقد كان هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم شبعان القلب، فما يخفّ إليه غيره من زينة الدينا لا يحرّك منه شعرة، فلا غرو إذا بعثر ما يصل إليه على المحتاجين والمترقبين، أما هو فغناه في قلبه.

ذاك أدب أخذه الله به من قديم، منذ قال له:

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (132)[طه] .

غاية ما يبغيه هذا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينجو من ماسي الدنيا ومظالم البشر، فلا تستذله أو تستذل أهله فاقة!.

إنّه يعيش على قاعدة: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «2» ، وفي حدود

(1) صحيح، أخرجه البخاري: 11/ 220- 222؛ ومسلم: 3/ 75، عن أبي ذر.

(2)

هذا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند صحيح، فكان ينبغي التصريح بذلك، أخرجه أحمد: 5/ 197، وكذا الطيالسي، رقم (979) في حديث لأبي الدرداء. وسنده صحيح على شرط مسلم؛ وعزاه المنذري: 2/ 39، لابن حبان في صحيحه والحاكم؛ ورواه أبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري، وكذا الضياء المقدسي في (الأحاديث المختارة) ، والطبراني من حديث أبي أمامة.

ص: 443

هذا القليل الكافي يودّ أن يخلص من عقابيل الخلق، لا له ولا عليه، ولذلك كان يدعو الله:

«اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة، والقلّة والذّلّة، وأن أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل عليّ» «1» .

ويقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتّقى والعافية والغنى» «2» - الاستغناء-.

وهذا المنهج الصارم في المعيشة تقاضى نساءه أن يتحملن شدّة ما كنّ يعرفنها من قبل، لقد جئن إليه من بيوتات كبيرة.

وأكثرهنّ اعتادت في صدر حياتها الزاد الطيب والنعمة الدافقة، إما مع ابائهن وإما مع رجالهن السابقين.

فلا عجب إذا تململن من هذه الحياة الجديدة، وطلبن الرغد والنعومة، واجتمعن- على ما بينهنّ من خلاف- ليسألن الرسول صلى الله عليه وسلم مزيدا من النفقة!.

إنهنّ في بيت أعظم رجل في العرب، فيجب أن تتكافأ معيشتهن مع مكانتهن، وقد تزعّم هذه المطالب عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وتبعهن الباقيات رضي الله عنهن!!.

وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المظاهرة! إنّه المسلم الأول على ظهر الأرض وأبصار المؤمنين والمؤمنات ترنو إليه من كلّ ناحية، وهو بصدد بناء أمة تشق طريقها وسط ألوف مؤلفة من الخصوم المتربصين.

(1) صحيح، وهو مركب من حديثين: الأول: عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول

فذكره، دون قوله:«الفاقة» ، وقوله في اخره:«أو أجهل..» ، أخرجه هكذا أبو داود: 1/ 241؛ والنسائي: 2/ 315؛ والحاكم: 1/ 541؛ وأحمد: 2/ 305، 325، 354؛ وصحّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. والثاني: عن أم سلمة قالت: ما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللهم إنّي أعوذ بك أن أضل أو أضلّ، أو أزلّ أو أزلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ» . رواه أبو داود: 2/ 328- 329، وغيرهما، وقال الحاكم:«صحيح على شرط الشيخين» ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وصحّحه الترمذي.

(2)

صحيح بلفظ: «والعفاف» بدل «العافية» ، كذلك أخرجه مسلم: 8/ 81؛ والترمذي: 4/ 256، وصحّحه؛ وابن ماجه: 2/ 430؛ وأحمد، رقم (3692، 3904، 3950) عن ابن مسعود.

ص: 444

فإذا لم يعش بيته عيشة المجاهد المحصور، فكيف يواصل الكفاح، ويكلف الرجال والنساء من أمته أن يذهلوا عن كل شيء إلا السير بدينهم حتى يبلغ مأمنه؟!.

لذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستجابة لرغبات نسائه في توسيع النفقة، وكره منهنّ هذا التطلّع، فقرر مقاطعتهن، حتى شاع بين الناس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم طلّق نساءه جملة!.

وفزع أبو بكر وعمر لهذه الإشاعة فابنة كليهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبا يستأذنان ليدخلا عليه، وليتعرفا جلية الخبر، فلمّا دخلا وجدا النبيّ صلى الله عليه وسلم صامتا، وحوله نساؤه واجمات!! وسأله عمر: أطلّقت نساءك يا رسول الله؟ قال: «لا» .

إلا أنّ جوّ الحزن كان يخيّم على المكان، فقال عمر: لأكلمنّ رسول الله لعلّه يضحك.

فقال: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد- يعني زوجته- سألتني النفقة انفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه، وقال:«هنّ حولي يسألنني النفقة» . فقام أبو بكر إلى عائشة يؤدّبها، وقام عمر إلى حفصة.

كلاهما يقول: تسألن النبيّ ما ليس عنده؟!.

فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الأبوين أن يصنعا ببنتيهما شيئا. وكانت نساؤه- نادمات- يقلن: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

وهجرهنّ النبي صلى الله عليه وسلم شهرا، لا يتصل بهن، حتى يشعرن بما فعلن، ونزلت ايات التخيير من عند الله تطلب إليهنّ جميعا إمّا التجرّد للدار الاخرة مع رسول هذه طريقته في حياته، وإما اللحاق بأهلهنّ حيث الملابس الحسنة والماكل الدسمة.

وكان هذا الدرس كافيا ليمحو اخر ما في أنفسهنّ من رغبة لم تتجاوز المباحات المشتهاة، فاخترن- جميعا- البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم على قاعدته العتيدة:

«ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» «1» ، وعشن معه للجهاد والتهجد، والبذل والمواساة، والتواضع والخدمة:

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ

(1) سبق تخريجه، ص 443.

ص: 445

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)[الأحزاب]«1» .

فاثرن الله ورسوله والدار الاخرة

وعشن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم معينات على الحق، راغبات في الثواب.

وبهذا التفاني في خدمة الرسالة، والإهمال لمطالب النفس، رفع الله درجاتهن فلم يصبحن زوجات رجل يطلبن في ظلّه المتاع، بل صرن شريكات في حياة فاضلة غالية، واستحققن قول الله عز وجل: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ

[الأحزاب: 6] .

وتوكيدا لهذه الأمومة الروحية شرع الحجاب الدقيق على أمهات المؤمنين، فلا يجوز لأحد من الأجانب أن يلتقي بهنّ ولو مع محرم.

وسؤالهن في شؤون الدين والدنيا إنما يكون من وراء الحجاب، كما لا يجوز لأحد- بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج بإحداهنّ.

وبهذا التشريع الصارم قطع دابر الفضوليين والثقلاء، الذين يكثرون التردد على بيوت الزعماء، كما قطع دابر المتربصين منهم، الذي ينشدون الرفعة من وراء الاقتران بأولئك النساء، ولا نستغرب مثل هذا التشريع! فقد تأدّت الجرأة ببعض الناس أن يقول أحدهم: لو قبض النبيّ تزوجت عائشة! ومن حق النبي صلى الله عليه وسلم أن يصان شعوره، وأن يصدّ عنه وعن أهله أولئك الأعراب السفهاء.

ولم يعقّب الرسول صلى الله عليه وسلم من زوجاته أولئك ولدا.

أما بناته اللائي أعقبهنّ من خديجة فقد متن وهو حيّ، عدا فاطمة، فإنها بقيت بعده شهورا، ثم كانت أول أهله لحوقا به.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية التي بعث بها المقوقس إليه بعد أن أسلمت، وحملت منه، ثم وضعت له ابنا أسماه إبراهيم، باسم جدّه أبي الأنبياء، ولم يعمّر طويلا، بل مات وهو رضيع.

(1) رواه مسلم: 4/ 187؛ من حديث جابر، وهو والبخاري: 8/ 422، عن عائشة مختصرا.

ص: 446

قال أنس: لقد رأيته وهو يجود بنفسه بين يدي رسول الله.

فدمعت عليه عينا النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون» «1» !.

واتفق أنّ الشمس كسفت في ذلك اليوم، فتحدّث الناس أنّ الشمس كسفت لموت ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم مصلّيا بالناس ثم قال:«يا أيها الناس! إنّ الشّمس والقمر ايتان من ايات الله عز وجل، لا ينكسفان لموت بشر، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي» «2» .

(1) صحيح، أخرجه البخاري: 3/ 135، عن أنس.

(2)

صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة، وصحّ عن جماعة من الصحابة، ذكرت ألفاظهم والطرق إليهم في كتاب: (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف وما رأى فيها من الايات.

ص: 447