الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة
…
يذكّر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه
…
فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا
فلمّا أتانا واستقرّت به النّوى
…
وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم
…
بعيد ولا يخشى من النّاس باغيا
بذلنا له الأموال من جلّ مالنا
…
وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا
نعادي الذي عادى من النّاس كلّهم
…
جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أنّ الله لا ربّ غيره
…
وأنّ كتاب الله أصبح هاديا «1»
[مشكلات وحلول إيجابية] :
إنّ تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارّين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل الهيّن، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع!.
ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات؟!.
وصادف إبّان الهجرة أن كانت المدينة موبوءة (بحمّى) الملاريا، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر، وبلال.
واستوخم الصحابة جوّ المهجر الذي اواهم، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود.
وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصبّر الصحابة على احتمال الشدائد، ويطالبهم بالمزيد من الجدّ والتضحية لنصرة الإسلام، وقال:«لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» «2» .
وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد، حتى تطيب به، وتنفر من مغادرته.
(1) هذه الأبيات لأبي قيس، صرمة بن مالك بن عدي بن غنم بن عدي بن النّجّار، وهي في سيرة ابن هشام: 1/ 552.
(2)
حديث صحيح، أخرجه مسلم: 4/ 113؛ وأحمد، رقم (1573)، من حديث سعد بن أبي وقاص بتقديم الجملة الاخرى على الأولى؛ ورواه البزار من حديث عمر بنحو ما في الكتاب؛ قال الهيثمي (3/ 306) : ورجاله رجال الصحيح.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمّا قدم النبيّ عليه الصلاة والسلام المدينة؛ وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلّ امرئ مصبّح في أهله
…
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه، يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة
…
بواد، وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّة؟
…
وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ «1»
قالت: فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكة أو أشد، اللهم وصحّحها، وبارك لنا في مدّها وصاعها، وانقل حمّاها، واجعلها بالجحفة» «2» .
وعن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة» «3» .
وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بأوّل الثّمر قال: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدّنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة، اللهم إنّ إبراهيم عبدك ونبيّك وخليلك، وإنّي عبدك ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة، ومثله معه» ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان
…
«4» .
بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين، واتّجهت القوى الفتية إلى البناء، متناسية الماضي وما يضمّ من ذكريات، إنّ الهجرة الخالصة لا تعود في هبة، ولا ترجع عن تضحية، ولا تبكي على فائت، بل هي كما قال الشاعر:
إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد
…
إليه بوجه اخر الدهر تقبل
(1) جبال في مكة.
(2)
حديث صحيح، أخرجه البخاري: 7/ 209- 210؛ وأحمد: 6/ 65/ 221- 222، 239، 240، 260؛ ورواه مسلم: 4/ 119، مختصرا بدون الأبيات، وهو رواية لأحمد: 6/ 56. قلت: والجحفة بلدة كانت بين مكة والمدينة وهي اليوم خرائب مهجورة. (ن) .
(3)
حديث صحيح، أخرجه البخاري: 4/ 78؛ ومسلم: 4/ 115؛ وأحمد: 3/ 142.
(4)
حديث صحيح، أخرجه مسلم: 4/ 117.