الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دهمه بالمدينة، فلما قال ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: «أجل» ، فقال: قد امنا بك وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا على السّمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا؛ إنّا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله.
وفي رواية: لعلّك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت.
فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول (سعد) ، ونشّطه، ثم قال:«سيروا وأبشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «1» .
[دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر] :
تأهّب المسلمون لخوض المعركة، وعسكروا في أدنى ماء من بدر.
فجاء الحباب بن المنذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت هذا المنزل،
(1) رواه ابن هشام: 2/ 63- 64، عن ابن إسحاق بدون إسناد. والرواية الاخرى أخرجها ابن مردويه من طريق محمد بن عمر، وابن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالرّوحاء، خطب الناس، فقال:«كيف ترون؟» فقال أبو بكر
…
الحديث نحوه، ذكره ابن كثير: 3/ 264، وهذا مرسل؛ وكذا رواه ابن أبي شيبة كما في (الفتح: 7/ 230) . وعن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود- هو ابن عمرو- مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به؛ أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه، وسرّه قوله؛ ورواه البخاري: 7/ 230؛ والحاكم: 3/ 349. وصحّحه، ووافقه الذهبي. وأحمد، رقم (3698، 4070، 4376) ؛ ورواه الطبراني من حديث أبي أيوب الأنصاري. قال الهيثمي 6/ 74: «وإسناده حسن» ، وفي حديث أنس المشار إليه انفا عند مسلم: قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا مصرع فلان» ؛ قال: ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:«بل هو الرأي والحرب والمكيدة» ، قال: يا رسول الله! فإنّ هذا ليس بمنزل، امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه، ثم نغوّر ما وراءه من الابار، ثم نبني عليه حوضا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أشرت بالرأي» ، ثم أمر بإنفاذه، فلم يجئ نصف الليل حتّى تحوّلوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء «1» .
وقضى المسلمون ليلا هادئ الأنفاس منير الافاق، غمرت الثقة قلوبهم وأخذوا من الراحة قسطهم، وتساقط عليهم مطر خفيف رطّب حولهم الجو وجعل نسائم الصباح تهب عليهم فتنعش صدورهم وتجدد أملهم، وكان الرمل تحت أقدامهم دهسا فتلبد وتماسك، وجعل حركتهم عليه ميسّرة.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)[الأنفال] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقّد الرجال، وينظّم الصفوف، ويسدي النصائح، ويذكّر بالله والدار الاخرة. ثم يعود إلى عريش هيّئ له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.
ووقف أبو بكر إلى جوار الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يكثر الابتهال والتضرّع، ويقول فيما يدعو به:«اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض» ، وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول:«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك!» ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
وجعل أبو بكر يلتزمه من وراءه، ويسوّي عليه رداءه ويقول- مشفقا عليه من كثرة الابتهال-: يا رسول الله! بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك «2» .
(1) رواه ابن هشام: 2/ 66، عن ابن إسحاق، قال: فحدثت عن رجال من بني سلمة؛ أنّهم ذكروا أنّ الحباب
…
وهذا سند ضعيف، لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. وقد وصله الحاكم: 3/ 426، 427، من حديث الحباب، وفي سنده من لم أعرفه، وقال الذهبي في (التلخيص) :«قلت: حديث منكر وسنده» كذا الأصل، ولعلّه سقط منه «واه» أو نحوه؛ ورواه الأموي من حديث ابن عباس كما في البداية: 3/ 267، وفيه الكلبي وهو كذّاب.
(2)
حديث صحيح، أخرجه مسلم: 5/ 156- 157؛ وأحمد، رقم (208، 221) من حديث-