الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منزلة السنّة من الكتاب الكريم
من حقّ المسلم أن يرتّب المصادر التي يأخذ عنها دينه، وأن يدرك الوضع الصحيح للمحفوظ من قول النبيّ عليه الصلاة والسلام وفعله، إلى جوار السّجل الثابت للوحي الإلهي الذي خصّت به الرسالة الخاتمة.
إن القران روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شرع دستوره، وبسطت دعوته، وقد تكفّل الله بحفظه فصينت به حقيقة الدين، وكتب لها الخلود أبد الابدين، والرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالاته، كان (قرانا) حيّا يسعى بين الناس، كان مثالا لما صوّره القران من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها؛ تعدّ ركنا في الدين، وشريعة للمؤمنين.
إن الله اختاره ليتحدّث باسمه ويبلّغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟! ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القران القريبة والبعيدة؟!.
إن تطبيق القانون لا يقلّ خطرا عن صياغته، وللقانون نصّ وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدّ فتاوى وتدوّن نصائح وتحفظ تجارب وعبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه، وهكذا.
والقران هو قانون الإسلام، والسنّة هي تطبيقه، والمسلم مكلّف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيّه حقّ الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه- في ذلك- لا يصدر عن نفسه، بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، وليست خضوعا أعمى لواحد من الناس.
قال الله عز وجل: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)[النساء] .
وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] .
وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .
على أن الإلهام الأعلى لا يعطّل مواهب الإنسان الراقي، فمن الخطأ أن نتصور المرسلين أناسا مسخّرين تنطقهم الملائكة أو تسكتهم، إنهم لو لم يكونوا أنبياء لكانوا رجالا يرمقون باحترام، ويقدّمون عن جدارة.
إنّ الوحي لا يصيب الناس اتفاقا، بل يرشّح له أكمل الناس رشدا، وأسبقهم فضلا، وأنبلهم خلقا، وأنضجهم رأيا. وسيرة هؤلاء في الحياة ليست مما ينبذ، وكلمهم ليس مما يهمل، فكيف إذا تأيّدت هذه العراقة بالعصمة، وهذا الذكاء بالتسديد؟!.
إنّ السّير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثمّ كانت سنّة محمد عليه الصلاة والسلام مصدرا لشريعته، مع الكتاب الذي شرّفه الله به، وجمهور المسلمين على هذا الفهم، إلا أن السّنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام سنّة تقبل، ولا كلّ ما صحت نسبته صح فهمه، أو وضع موضعه!!
والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها، واضطربت أوضاعها؛ حتى جاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنّى لو تخلّص المسلمون منها.
وهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولا، فإن الدنيا لم تعرف بشرا أحصيت اثاره، ونقدت بحذر، ومحّصت بدقة كما حدث ذلك في اثار محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم «1» ، فكيف ترمى بعد ذلك في مطارح الإهمال؟!.
والناحية الاخرى أن في السنّة كنوزا من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع على صاحبها ويحرم الناس خيرها؟!.
عند ما درسنا تراث محمد عليه الصلاة والسلام في الأخلاق، وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل؛ خيّل إلينا لو أن جيشا من
(1) قد تكفّل المحدّثون رضي الله عنهم بتتبع الأحاديث النبوية، وتمييزها، وشرحها، ووضعها في موضعها، فجزاهم الله عن المسلمين خيرا. (ن) .
علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد عليه الصلاة والسلام الضخمة، إلا أنّ الاشتغال بالسنّة مع هذا- يجب أن يحظر على من لم يستجمع الشروط التي تجعل مثل هذا الاشتغال مفيدا للإسلام والمسلمين.
1-
فلا يجوز أن يشتغل بالسنّة من لم يدرس علوم القران، ويضرب فيها بسهم وافر، فإن القران هو الدستور الأصيل للإسلام، وهو الذي يحدّد للمسلم بدقة تامة واجباته وحقوقه، ويرتّب التكاليف المنوطة به، ويوزّع العبادات على حياته، فلا تطغى عبادة على أخرى، ولا تطغى كلها على عمله للحياة ومكانه فيها، والمرء الذي يعجز عن تحصيل هذه الحقائق من القران لن يعوضه عن فقدانها شيء اخر، والصورة التي تستقر في نفسه للإسلام- من غير القران- تضطرب فيها النّسب والألوان، وربما لحقها اختلاف كبير.
ولذلك حرص أئمة الصّحابة على أن يخلوا الطريق للقران الكريم ليحتلّ مكانته الأولى في القلوب، وحرصوا على ألّا يزاحمه في موضع الصّدارة شيء.
روى ابن عبد البر في كتابه (جامع العلم وفضله) بأسانيده التي ذكرها، قال: عن جابر بن «1» عبد الله بن يسار قال: سمعت عليّا يقول: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم.
وعن الزهري عن عروة «2» : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما، وقد عزم الله له، فقال:«إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني- والله- لا أشوب- وفي رواية: لا أنسي- كتاب الله بشيء أبدا» .
(1) كذا هو في (جامع بيان العلم) : 1/ 62، وهو خطأ من الناسخ أو الطابع، ومثله فيه كثير! والصواب:«عن جابر، عن عبد الله بن يسار» ، وجابر هذا- هو الجعفي- هو ضعيف جدا، وقد كذبه الجوزجاني وغيره.
(2)
عروة: هو ابن الزبير، لم يسمع من عمر بل لم يدركه، فهذا الأثر منقطع ضعيف، كذلك رواه الخطيب في (تقييد العلم) ، ص 49- 51، من طرق عن عروة. اللهم إلا رواية راشد عن الزهري، فإنه وصله بذكر عبد الله بن عمر بين عروة وعمر، وهي شاذة كما أشار إلى ذلك الخطيب نفسه.
وعن ابن سيرين قال: إنما ضلّ بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن ابائهم.
ودخل علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود، ومعهما صحيفة فيها حديث حسن، فقال عبد الله بن مسعود: يا جارية هاتي بطشت واسكبي فيه ماء، فجعل يمحوها بيده ويقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: 3] . فقالا له: انظر فيها حديثا عجيبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقران ولا تشغلوها بغيره- كانت الصحيفة تضم طرفا من علوم أهل الكتاب-.
وعن عامر الشعبي «1» عن قرظة بن كعب «2» قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى (صرار)، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشيت معنا تريد أن تشيّعنا وتكرمنا. فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقران كدويّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوّدوا القران، وأقلّوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم. فلما قدم (قرظة) قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب.
وعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القران حظّه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ إن هذه التفاصيل والشروح لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة.
وخصوصا لأن الطريقة التي تروى بها الأحاديث تجمع في صعيد واحد ما صدر عن الرسول عليه الصلاة والسلام متناثرا في أمكنة شتى، وأزمنة شتى، وملابسات شتى.
عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء يجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يسمعنى وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي- أنهي صلاتي- ولو أدركته لرددت
(1) هو عامر بن شراحيل، أبو عمرو، أحد أعلام التابعين، أدرك خمسمئة من الصحابة، توفي سنة ثلاثمئة. انظر: الكاشف: 1/ 522. (ن) .
(2)
هو قرظة بن كعب الأنصاري رضي الله عنه، صحابي، ولي الكوفة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: الكاشف: 2/ 136. (ن) .
عليه. إن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يكن يسرد الحديث كسردكم «1» ..!!.
2-
ويجيء بعد رسوخ القدم في فهم القران فهم ما يروى من السنن على وجهه الحق، فخير لمن يقصّر عن فهم السنن أن يحبس لسانه في فمه فلا يقول:
قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يسوق حديثا لا يعرف ما المقصود منه؟!. وإن كان يفهم عبارته الظاهرة واحدها.
وقد بليت السنّة من قديم بمن يحفظ منها الكثير ولا يعي إلا اليسير، وتعجب السيدة عائشة من أبي هريرة حين جلس يروي، ليس لأنّها تتهمه بكذب، بل لأن أسلوب تحديثه يهدر الملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث بعد ما طويت طيا في سرده الموصول. وقد روى مسلم في صحيحه: أن عمر ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» ، ولعلّ عمر فعل ذلك لأنه وجد أبا هريرة يذكر الحديث لمن لا يعي منه إلا أن الإسلام كلمة تقال باللسان ولا عمل وراءها [2] ، ومنع الحديث- ولو صحّ- إذا أوحى بهذه الجهالة، أفضل من إباحة روايته.
وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة!!.
وفقه عمر في هذا المنع: أنه يريد- كما علمت- بناء المجتمع على تعاليم القران، وشغل الأفكار بتدبرها والاستنباط منها، فإذا رويت السنن بعدئذ تلقفتها أذهان نيّرة، فلم تعد بها معناها الصحيح.
يستطيع أبو هريرة- لجودة حفظه- أن يسرد مئة حديث في الصلاة مثلا، وعمر ربما لا يرى حرجا من سرد هذه السنن في مدرسة خاصة، ولكنه يكره أن يشغل جمهور المسلمين بأمر يكفيهم منه القليل، ثم ينصرفون بعده إلى عمل أجدى على الإسلام وأهله.
(1) أخرجه الشيخان في صحيحيهما؛ وأبو داود: 2/ 125، طبع التازي؛ وابن عبد البر: 2/ 121.
_________
[2]
قلت: هذا الاحتمال بعيد، بل باطل، فإن في الحديث نفسه عند مسلم: 1/ 44- 45:
أن عمر رضي الله عنه كان أول من لقيه أبو هريرة، وأول من حدّثه هذا الحديث، فلعلّ الأستاذ المؤلف يعيد النظر فيه! *.
* الحق ما قلنا، وليس للشيخ وجه في اعتراضه.
وذلك سرّ تضييقه على الرواة المكثرين!.
لقد روى ابن حزم قرابة ألف صفحة من الأحاديث في الوضوء، ولمن شاء أن يتوفر على هذا اللون من العلم، لكن شغل عامة المسلمين به حمق! فماذا يبقى بعدئذ للقران نفسه؟! بل إن شغل المسلمين بالقران على هذا النحو ليس من الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اقرؤوا القران، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به» «1» .
وإن يكن لهؤلاء الحفّاظ فضل فلأنهم حملوا العلم إلى من يحسن الإفادة منه. على نحو ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ربّ حامل فقه ليس بفقيه، ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «2» ، عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير، فأجبته، فقال له: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت:
بالحديث الذي حدثتني أنت! ثم حدّثته! فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك، ما عرفت تأويله إلا الان!!.
وقد يبصر أبو يوسف «3» الفقيه ما يغيب عن الأعمش «4» الحافظ، ولكن المحذور ليس في الحفظ بلا فهم، بل أن يفهم الأمر على غير وجهه.
والترتيب الفني للسنن- كما دوّنت وتلقيناها- يجعل ما ورد في الإيمان بابا، وما ورد في القضاء بابا
…
وهكذا
…
ولما كان الإسلام جملة هذه الحقائق، فإنّ السنّة أصبحت كمتجر كبير للملابس وزعت فيه أنواعها على مختلف الجوانب، هنا أغطية الرأس، وهنا سراويل، وهنا قمصان، وهنا حلل سابغة
…
إلخ.
والطبيعي أن من يريد كسوة كاملة يمرّ بهذه الجوانب كلها ليأخذ ما يغطيه
(1) حديث صحيح، أخرجه أحمد: 3/ 428- 444؛ والطحاوي في شرح معاني الاثار: 2/ 10، من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعا، وسنده صحيح، وقوّاه الحافظ في الفتح: 9/ 82.
(2)
حديث صحيح، رواه ابن عبد البر: 1/ 39؛ وكذا أصحاب السنن، والدارمي، وأحمد في حديث لزيد بن ثابت، وسنده صحيح، وصحّحه ابن حبان، وابن حجر وغيرهم.
(3)
هو يعقوب بن إبراهيم، أبو يوسف القاضي، قاضي الرشيد، وأجلّ تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، توفي سنة (182 هـ) ، له كتاب (الخراج) ، و (الاثار) . مقدمة الخراج. (ن) .
(4)
هو أبو محمد سليمان بن مهران الكاهلي، أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (148 هـ) . الكاشف: 1/ 464. (ن) .
من رأسه إلى قدمه، ولكن يحدث كثيرا أن ترى من يشتري قلنسوتين ويخرج حافيا، أو من يشتري منديلا ويخرج عاريا!.
إنّ هذا مثل طوائف اشتغلت بالسنّة، ثم- بعد طول تطواف- خرجت على الناس، وفي يديها من السنن سواك، وعمامة مقطوعة الذنب اعتبروها شعار الإسلام، وسرّ ذلك أنهم دخلوا المعرض الحافل، ثم خرجوا منه بعد أن ظنوا الدين كله في حديث أو سنّة محدودة، فأساؤوا بذلك إلى القران والسنّة جميعا.
3-
إن قصر الباع في السنة- على كثرة الاشتغال بها- أضرّ بتوجيه المسلمين، وأشاع بينهم طائفة من الأحكام المبتسرة «1» ، والتقاليد الضيقة، تنبو عنها روح القران والسنّة، وإن اعتمدت على حديث لم يفهم، أو أثر لم يفقه.
وذلك أن الإسلام- في الشؤون الهامة- جاء بطائفة من الأحكام، ذكرت في الكتاب العزيز، أو وردت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وهي جميعا متكاملة؛ يصل بعضها بعضا ويوثقه، فإذا ظهر في دليل منها ما يعارض سائر الأدلة، بحث في تأويله حتى يتم الجمع بينها كلها، أو قبل الأرجح سندا، وردّ الاخر «2» .
ولذلك يرى المحققون «3» أن سنن الاحاد ترفض إذا خالفت ظواهر الاي، وعموم النص، أو خالفت قياسا يعتمد على أحكام القران نفسه، وهم يفرقون بين الأحاديث التي يرويها رجال فقهاء، والتي يرويها رجال حفاظ فحسب.
ولنضرب لك مثلا يكشف عمّا يصيب الأمم من عقم وضياع، نتيجة فهمها الخاطئ لأثر وارد.
كثير من المسلمين يحكمون على المرأة ألا ترى أحدا ولا يراها أحد، وفي المدينة تسيح النسوة في الطرق، يرتدين خياما مغلقة طامسة، بها خرقان من أعلى لإمكان الرؤية، وقد تختفي هذه الخروق وراء قطع من الزجاج أو الباغة..
وهذا التقليد السائد يعتمد على حديث سمعت إمام الحرم النبوي يردده من فوق المنبر في خطبة الجمعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره لنسوته أن يرين عبد الله بن
(1) المبتسرة: المتسرعة التي لم يبذل في تحصيلها جهد وتتبع واستقصاء. (ن) .
(2)
وهذا داخل في نقد المتن. (ن) .
(3)
من الحنيفة فقط، أما الجمهور فلا. (ن) .
أم مكتوم، فلما احتججن بأنه أعمى لا يراهما! قال لهما:«أفعمياوان أنتما؟!» «1» .
وقد استنكرت على الخطيب إيراده لهذا الحديث، فإن علماء السنّة تكلّموا في معناه، ومن الجهل بالسنّة تقريره عند بيان وظيفة المرأة، وأسلوب حياتها، وقواعد اتصالها بالمجتمع العام، ولم لا نذكر السنن التي رواها البخاري في ذلك، وهي أدق وأصح؟!.
أثبت البخاري تحت عنوان (باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال) ، عن أنس رضي الله عنه، قال:«لما كان يوم (أحد) انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما، تنقلان القرب على متونهما- ظهورهما-، ثم تفرغانه- الماء- في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأانها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم» .
وذكر تحت (باب غزوة المرأة في البحر)
…
سمعت أنسا رضي الله عنه، يقول:
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على (ابنة ملحان) ، فاتكأ عندها، ثم ضحك. فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرّة» . فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال:«اللهم اجعلها منهم» ، ثم عاد فضحك، فقالت له: ممّ ذلك؟ فقال لها مثل ذلك. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم! قال: «أنت من الأولين، ولست من الاخرين» . قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت، فركبت البحر مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها، فوقعت بها فسقطت عنها فماتت.
(1) أخرجه أبو داود: 2/ 183؛ والترمذي: 4- 15؛ وابن سعد في الطبقات الكبرى: 8/ 126، 128؛ والبيهقي: 7- 91، من طريق الزهري، قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال صلى الله عليه وسلم:«احتجبا منه» فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال: «أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!» . وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» . وقوى الحافظ إسناده في (الفتح) ، وفيه نظر؛ فإن نبهان هذا لم يوثقه غير ابن حبان، وهو معروف بتساهله في التوثيق كما بيّنه الحافظ نفسه في مقدمة (لسان الميزان) ، ولهذا نراه في (التقريب) لم يوثق نبهان هذا، بل قال فيه:«مقبول» ؛ أي: عند المتابعة «وليس له متابع على هذا الحديث» ، فكلامه يقتضي أن هذا الحديث غير مقبول. وقد قال ابن عبد البر: إنه ليس ممن يحتج بحديثه، وإن حديثه هذا منكر، كما نقله ابن التركماني في (الجوهر النقي) .
وذكر تحت عنوان (باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو) : أن عمر بن الخطاب قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين! أعط هذا ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي عندك- يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أمّ سليط أحق (وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله عليه الصلاة والسلام قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم (أحد) ، أي تخيطها.
وذكر تحت عنوان (باب مداواة النساء الجرحى في الغزو)، عن الرّبيّع بنت معوّذ قالت: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة
…
إلخ.
ولنفرض أنّ البخاري لم يرو هذه الأحاديث الصحيحة؛ أفكان حديث العمياوين يسلط على المجتمع، ويحجر به على النساء في دورهن فلا يخرجن من هذا السجن أبدا؟ إن حكما مثل هذا لا يعرف من القران؛ بل إن القران يجعل هذا الحكم عقوبة للنسوة اللاتي يرتكبن الفواحش.
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)[النساء] .
لكنّ المسلمين لما استوعروا سبل التربية المهذّبة للذكور والإناث- بسبب انحرافهم عن القران- لجؤوا إلى السجن والقصر، فكان ما كان.
هجر المسلمون القران إلى الأحاديث.
ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة.
ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلّدين.
ثم هجروا المقلّدين وتزمّتهم إلى الجهّال وتخبّطهم.
وكان تطوّر الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله.
روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يعلّق فيه المصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث» . وسبيل الرشد في هذه العماية أن نعود إلى القران، فنجعله دعامة حياتنا العقلية والروحية، فإذا وصلنا إلى درجة التشبّع منه، نظرنا في
السنّة فانتفعنا بحكمة رسول الله عليه الصلاة والسلام وسيرته وعبادته، وخلقه وحكمه، ولا يجوز أن يتكلّم في السنّة رجل قليل الخبرة بالقران، أو قليل الخبرة بالمرويات أو ضعيف البصر بمواقعها ومناسباتها.