الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأمهات المؤمنين و
كلمة عن تعدّد الزوجات]
[كلمة عن تعدد الزوجات] :
أثار بعض الكاتبين غبارا حول مبدأ تعدد الزوجات، وحاولوا تقييد ما أباحه الإسلام من ذلك أو منعه، محتجين- تارة- بأن الإسلام لم تثبت فيه هذه الإباحة بصورة حاسمة، وتارة أخرى بأنّ تطوّر الحياة وصالح الجماعة يقتضيان أن يكتفي الرجل بامرأة واحدة لا يعدوها، وحسبه أن يوفّق في رعايتها وكفالة أولاده منها
…
!.
ولا شكّ أن هذه الأفكار تولّدت في بيئاتنا نتيجة عوامل شتى تحتاج إلى حسن النظر وقوة الرد، ومنذ سنين حاول خصوم التعدد أن يستصدروا قانونا بذلك، ثم توقفت محاولاتهم أمام غضب العلماء وهياج الجماعات المشتغلة بالشؤون الإسلامية.
وقد كتبت انئذ كلمة في طبيعة التعدد، أرى إثباتها هنا بين يدي الموضوع الذي نتحدّث فيه؛ لما لها من صلة ظاهرة به:
للحياة قوانين عمرانية واقتصادية ثابتة، تفرض نفسها على الناس حتما، عرفوها فاستعدوا لمواجهتها، أم جهلوها فظهرت بينهم اثارها.
وصلة الرجل الفرد بعدد من النساء من الأمور التي تبتّ فيها الأحوال الاجتماعية، ويعتبر تجاهلها مقاومة عابثة للأمر الواقع.
وذلك أن النسبة بين عدد الرجال والنساء، إما أن تكون متساوية، وإما أن تكون راجحة في إحدى الناحيتين.
فإذا كانت متساوية، أو كان عدد النساء أقل، فإن تعدد الزوجات لا بد أن يختفي من تلقاء نفسه، وستفرض الطبيعة توزيعها العادل قسرا، ويكتفي كل امرئ طوعا أو كرها- بما عنده.
أما إذا كان عدد النساء أربى من عدد الرجال، فنحن بين واحد من ثلاثة:
1-
إما أن نقضي على بعضهن بالحرمان حتى الموت.
2-
وإما أن نبيح اتخاذ الخليلات، ونقر جريمة الزنى.
3-
وإما أن نسمح بتعدد الزوجات.
ونظن أن المرأة- قبل الرجل- تأبى حياة الحرمان، وتأبى فراش الجريمة والعصيان.
فلم يبق أمامها إلا أن تشرك غيرها في رجل يحتضنها وينتسب إليه أولادها، ولا مناص بعدئذ من الاعتراف بمبدأ التعدد الذي صرّح به الإسلام.
ثم إن هناك اختلافا كبيرا بين أنصبة الرجال من الحساسية الجنسية، فهناك رجال أوتوا حظّا من كمال الصحة، ويقظة الغريزة، ونعومة العيش لم يؤته غيرهم. والمساواة بين رجل بارد المشاعر من نشأته، واخر قريب الاستثارة، واسع الطاقة، أمر بعيد عن العدالة، ألسنا نبيح لذوي الشهية المتطلعة مقادير من الطعام، لا نبيحها للممعودين والضعفاء؟.
فهذه بتلك.
وثمّ حكمة أخرى: قد تكون الزوجة على حال من الضعف أو المرض أو العقم أو تأخر السن، فلماذا تترك لهذه الأعذار؟.
إن من حق العشرة القديمة أن تبقى في كنف الرجل، وأن تأتي إلى جانبها امرأة أخرى تؤدي وظيفة الزوجة أداء كاملا.
ومع المبرّرات الكثيرة للتعدد، فإنّ الإسلام الذي أباحه رفض رفضا باتا أن يجعله امتدادا لشهوات بعض الرجال وميلهم إلى المزيد من التمتاع والتسلط.
فالغرم على قدر الغنم، والمتاع الميسّرة تتبعها حقوق ثقيلة.
ومن ثمّ فلا بد- عند التعدد- من تيقن العدالة التي تحرسه.
أما إذا ظلم الرجل نفسه أو أولاده أو زوجته، فلا تعدّد هناك.
الذي يعدّد يجب أن يكون قادرا على النفقة اللازمة.
وإذا كان الشارع يعتبر العجز عن النفقة عذرا عن الاقتران بواحدة، فهو- من باب أولى- مانع من الزواج بما فوقها.
إن الشارع يوصي الشباب الأعزب بالصيام ما دام لا يستطيع الزواج، ويأمر العاجز عن الواحدة بالاستعفاف:
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: 33] .
فكيف الحال بمن عنده واحدة؟! إنه بالصبر أحق، وبالاستعفاف أولى..
وكثرة الأولاد تتبع- عادة- كثرة الزوجات، والإسلام يوجب رعاية العدل مع الأولاد في التربية، والتكريم، ووسائل المعيشة، مهما اختلفت أمهاتهم، وفي الأثر:«لعن الله من استعقّ أولاده» «1» ، فعلى الأب المكثر أن يحذر عقبى الميل مع الهوى.
وكذلك يوجب الإسلام العدل مع الزوجات.
ولئن كان الميل القلبي أعصى من أن يتحكم فيه إنسان، فإن هناك من الأعمال والأحوال ما يستطيع كلّ زوج فيه أن يرعى الحدود المشروعة، وأن يزن تصرّفه بالقسط، وأن يخشى الله فيما استرعاه من أهل ومال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله سائل كلّ امرئ عمّا استرعاه؛ حفظ ذلك أم ضيّعه» «2» .
وقال: «بحسب امرئ من الإثم أن يضيّع من يعول» «3» .
تلك حدود العدل الذي قرنه الله بالتعدد؛ فمن استطاع النهوض بأعبائها فليتزوج مثنى وثلاث ورباع، وإلا فليكتف بقرينته الفذة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: 3] .
وقرأت لبعض الصحفيين يعترض على مبدأ التعدد: لماذا يعدّد الرجال الزوجات ولا تعدّد النساء الأزواج؟ ولقد نظرت إلى هؤلاء المتسائلين، فوجدت
(1) لا أعرفه، ونحوه ما رواه الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا:«أعينوا أولادكم على البر، من شاء استخرج العقوق من ولده» . لكن في سنده من لا يعرفون.
(2)
عزاه في الجامع الصغير للنسائي وابن حبان في صحيحه عن أنس؛ وقد فتشت عنه في سنن النسائي الصغرى في مظانه فلم أجده؛ فلعله في سننه الكبرى التي لم تطبع، وقد وفقت في الوقوف على إسناده، فأخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء) : 9/ 235، عن النسائي بسنده عن قتادة عن أنس، وكذلك رواه أبو نعيم أيضا: 6/ 281، من غير طريق النسائي، والسند صحيح إن كان قتادة سمعه من أنس، فإنه موصوف بشيء من التدليس.
(3)
«كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» . أخرجه أبو داود: 1/ 268، وغيره من حديث ابن عمر، وصحّحه الحاكم: 1/ 415، ووافقه الذهبي: ورواه مسلم: 3/ 78، من طريق أخرى عنه نحوه.
جمهورهم بين داعر أو ديّوث أو قوّاد، وعجبت لأنّهم يعيشون في عالم من الزنى، ويكرهون أشدّ الكره إقامة أمر الأسرة على العفاف.
والجواب على هذا التساؤل المريض أنّ الهدف الأعلى من التواصل الجنسي هو إنشاء الأسرة وتربية الأولاد في جو من الحضانة النظيفة، وهذا لن يكون في بيت امرأة يطرقها نفر من الناس يجتلدون للاستحواذ عليها، ولا يعرف لأيّهم ولد منها.
ثم إنّ دور المرأة في هذه الناحية دور القابل من الفاعل، والمقود المحمول من القائد الحامل، وإنّك لتتصور قاطرة تجر أربع عربات، ولا تتصور عربة تشد أربع قاطرات، ومن الكفر بطبائع الأشياء المماراة في أنّ الرجال قوّامون على النساء.
على أنه من المؤسف حقا، أن يهدر العوام هذه الحدود، وأن يتجهوا إلى التعديد دون وعي لمعنى العدل المفروض، بل تلبية لنداء الشهوة، ولو أدى إلى الافتئات والجور الصارخ.
فالرجل قد يعجز عن نفقة نفسه، ثم هو يسعى إلى الزواج.
وقد يعجز عن رعاية واحدة، ثم هو يبحث عن غيرها!!.
وقد يحيف على بعض أولاده في التعليم، وفي توزيع الثروة تمشيا مع هواه، وقد يتزوّج الاخرى؛ ليهجر الأولى ويذرها كالمعلقة.
وربما ترى الرجل يستطيع البناء بأربع، والإنفاق على ما ينجبن من بنين وبنات؛ ومع ذلك الاقتدار، فهو يحيا على التسوّل الجنسي، والتقلّب في أحضان الساقطات؛ فما دواء هذه الفوضى؟.
هل منع التعدد يشفي الأمة من هذه الأدواء؟.
كلا! إنّ تقييد مباح ليس مما يعيي سياسة التشريع في الإسلام.
إلا أنّ مبدأ التعدد لو سكت الدين عن إبداء الرأي فيه؛ لوجب أن نبدي نحن- الرأي فيه ونقول بإباحته؛ صيانة للمصلحة العامة التي أوضحناها في صدر هذا الكلام.
ولكنّ إقرار القاعدة شيء، وسوء تطبيقها شيء اخر.