الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهزموا شر هزيمة «1» .
واضطر (مالك بن عوف) ومن معه من رجالات قومه أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى (الطائف) فيمتنعوا بحصنها، تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة.
فإنّ مالكا- كما علمت- خرج يغزو، ومعه نساء القبيلة وما تملك.
فخلّف في الميدان أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفا من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة الاف من السبي.
الغنائم:
وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنّى، يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيحرزوا ما فقدوا.
ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد «2» .
فشرع يسكت المتطلّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، وبدأ بقسمة المال، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي، بل أول من حظي بالأنصبة الجزلة.
أخذ (أبو سفيان) مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، فقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية، فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد «3» .
وأقبل رؤساء القبائل وأولو النّهمة يتسابقون إلى أخذ ما يمكن أخذه.
وشاع في الناس أنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال، وأكبّ عليه الأعراب، يقولون: يا رسول الله! اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه! فقال:
(1) صحيح، ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، ومعناه في البخاري: 8/ 33- 35، وابن جرير: 2/ 351، من حديث أبي موسى الأشعري.
(2)
صحيح، أخرجه البخاري: 8/ 26- 27.
(3)
ذكره ابن هشام: 2/ 308، نحوه عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ ورواه ابن جرير: 2/ 258، عنه عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا. وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة للمؤلفة قلوبهم ومنهم أبو سفيان ثابت في مسلم: 3/ 108.
ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال:
«أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «1» .
إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا.
وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الاخرة المؤثرين ما عند الله.
ولكنّهم اليوم- بعد ما أعلنوا إسلامهم- يبغون من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفتح عليهم خزائن الدنيا؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم.
والحق أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس، وتحبيبهم في الإسلام.
ولو عاقبهم على جبنهم في (حنين) لنال منهم أيّ منال.
روى الإمام أحمد «2» أنّ (أبا طلحة) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين- لقي زوجته (أمّ سليم) ومعها خنجر، فقال لها: ما هذا؟. قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه- وذلك في معركة حنين-، فقال أبو طلحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقالت أم سليم: يا رسول الله! أقتل من بعدها الطلقاء
…
انهزموا بك! فقال: «إنّ الله قد كفى وأحسن يا أمّ سليم» .
والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع، هم الذين كفروا عند الطمع.
وشاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا.
(1) صحيح؛ رواه أحمد، رقم (6729)، والبيهقي: 6/ 336- 337، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو؛ والبخاري: 6/ 193- 194، عن جبير بن مطعم إلى قوله:«كذابا» . والباقي عند الحاكم: 3/ 49، من حديث عبادة بن الصامت؛ وعند البيهقي: 6/ 339، من حديث عمرو بن عبسة.
(2)
في المسند: 3/ 190، وسنده صحيح على شرط مسلم.