الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ) أَيْ الْمُدَّعِينَ الَّذِينَ جَاءُوا دُفْعَهً وَاحِدَةً (كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى أَيْ كُلَّمَا انْتَهَتْ خُصُومَةُ صَاحِبِ رُقْعَةٍ أَخَذَ الْأُخْرَى فَأَنْهَى) حُكُومَةَ صَاحِبِهَا (وَ) يَأْخُذُ (أُخْرَى) فَ (يُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يُتَّفَقُ) إلَى أَنْ يَنْتَهُوا لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ هُنَا إلَّا الْقُرْعَةُ وَهَذَا أَسْهَلُ طُرُقِهَا.
[فَصْلٌ مَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ]
فَصْلٌ وَيَلْزَمُهُ أَيْ الْقَاضِيَ (الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ قُضَاةِ الْبَصْرَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَرْفَعْهُ عَلَى الْآخَرِ» وَلِأَنَّهُ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ وَانْكَسَرَ وَرُبَّمَا لَمْ يَفْهَمْ حُجَّتَهُ فَيُؤَدِّي إلَى ظُلْمِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ لِشُرَيْحٍ " لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْجُلُوسِ» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (أَوْ يَأْذَنُ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ) لَهُ رَفْعُهُ لِإِسْقَاطِ خَصْمِهِ حَقَّهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ (وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا رَدَّ عَلَيْهِ) السَّلَامَ (وَلَا يَنْتَظِرُ) بِالرَّدِّ (سَلَامَ الثَّانِي) لِوُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (الْقِيَامُ السَّائِغُ) كَالْقِيَامِ لِعَالِمٍ وَوَالِدٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَقُومُ لِخَصْمَيْنِ فَإِنْ قَامَ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْقِيَامُ لِلْآخَرِ لِلْعَدْلِ (وَ) لَهُ (تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ الْقِيَامِ لَهُمَا لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْهَيْبَةِ (وَمُسَارَّةُ أَحَدِهِمَا) لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إقَامَةِ حُجَّتِهِ.
(وَ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ (تَلْقِينُهُ) لِأَحَدِهِمَا (حُجَّتَهُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى وَجْهِ صَاحِبهِ (وَ) يُحَرَّمُ عَلَيْهِ (تَضْيِيفُهُ) أَيْ تَضْيِيفُ أَحَدِ
الْخَصْمَيْنِ (إلَّا أَنْ يُضَيِّفَ خَصْمَهُ مَعَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: لَكَ خَصْمٌ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: تَحَوَّلْ عَنَّا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» .
(وَ) يُحَرَّمُ أَيْضًا (تَعْلِيمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى خَصْمِهِ وَكَسْرِ قَلْبِهِ (إذَا لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ، فَإِنْ لَزِمَ كَشَرْطِ عَقْدٍ أَوْ سَبَبِ) إرْثٍ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّعْوَى كَوَصْفِ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ (وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُدَّعِي فَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَسْأَلَ) عَنْهُ (لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ) وَيُحَرِّرُهُ لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (أَنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيَنْظُرَهُ) بِالدَّيْنِ (أَوْ يَضَعَ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَزِنَ عَنْهُ وَيَكُونُ) ذَلِكَ (بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحُكْمِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَفْعًا لِخَصْمِهِ وَلِأَنَّ مُعَاذًا " أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَوَاهُ سَعِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ " تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا عَلَيْهِ وَأَشَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى كَعْبٍ أَنْ ضَعْ الشِّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُمْ فَأَعْطِهِ " قَالَ أَحْمَدُ هَذَا حُكْمٌ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
(وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إنْ أَمْكَنَ؛ يُشَاوِرهُمْ فِيمَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ) لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا فَإِنَّهُ أَسْرَعُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَأَقْرَبُ إلَى صَوَابِهِ (فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ (وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ نَصًّا) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَظَاهِرَهُ وَلَوْ آحَادًا كَمَا يَأْتِي (أَوْ إجْمَاعًا) لِوُجُوبِ إنْكَارِهِ وَنَقْضِ حُكْمِهِ بِهِ (وَيُشَاوِرُ) الْقَاضِي (الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ) مِنْ الْفُقَهَاءِ (وَيَسْأَلهُمْ عَنْ حُجَجِهِمْ لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ وَ) لِ (تَعَرُّفِ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ رضي الله عنه) : لَمَّا وَلِيَ سَيِّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا، وَوُلِّيَ مُحَارَبُ بْنُ زِيَادٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا (مَا أَحْسَنَهُ لَوْ فَعَلَهُ الْحُكَّامُ يُشَارُونَ وَيَنْظُرُونَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] (فَإِنْ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ) حَكَمَ فَوْرًا (وَإِلَّا أَخَّرَهُ) أَيْ الْحُكْمَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الْحَقُّ فَيَحْكُمَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْجَهْلِ.
(فَلَوْ حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ فَأَصَابَ الْحَقَّ لَمْ يَصِحَّ) حُكْمُهُ (وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا (تَقْلِيدُ غَيْرِهِ إنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ
نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ قَالَ عُمَرُ " وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ " وَلَوْ كَانَ حَكَمٌ يَحْكُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقُلْ هَذَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ لَا تُقَلِّدْ أَمْرَك أَحَدًا وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُسْأَلُوا أَنْ يَغْلَطُوا.
(وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ (أَوْ) وَهُوَ (حَاقِنٌ أَوْ حَاقِبٌ أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ وَجَعٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ أَوْ تَوَقَانِ جِمَاعٍ أَوْ شِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ أَوْ مَلَلٍ أَوْ كَسَلٍ وَنَحْوِهِ) كَحُزْنٍ قِيَاسًا عَلَى الْغَضَبِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الذِّكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ (فَإِنْ خَالَفَ) الْقَاضِي (وَحَكَمَ) فِي حَالٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ (فَوَافَقَ الْحَقَّ نَفَذَ) حُكْمُهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي، قَالَ: لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقَضَاءُ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ غَلَطٌ يُقِرُّ عَلَيْهِ لَا قَوْلًا وَلَا فِعْلًا فِي حُكْمٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ.
(وَيُحَرَّمُ) عَلَى الْقَاضِي (قَبُولُ رِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ وَزَادَ " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا (وَهِيَ) أَيْ الرِّشْوَةِ (مَا يُعْطَى بَعْدَ طَلَبِهِ) لَهَا (وَيُحَرَّمُ بَذْلُهَا مِنْ الرَّاشِي لِيَحْكُمَ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ حَقًّا وَإِنَّ رَشَّاهُ لِيَدْفَعَ) عَنْهُ (ظُلْمَهُ وَيَجْرِيهِ عَلَى وَاجِبِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي حَقِّهِ) قَالَ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ مَا لَهُ كَمَا يَسْتَفِيدُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.
(وَيَحْرُمُ قَبُولُهُ) أَيْ الْقَاضِي (هَدِيَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ؟ أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَتْ عُقْدَةُ إبِطَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: قَرَأْتُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ: الْهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَيْنَ الْحُكْمِ (بِخِلَافِ مُفْتٍ) فَلَا يَحْرُمُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) مُفَصَّلًا (وَهِيَ) أَيْ: الْهَدِيَّةُ (الدَّفْعُ إلَيْهِ ابْتِدَاءً) مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (وَظَاهِرُهُ) أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ (وَلَوْ كَانَ) الْقَاضِي (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (إلَّا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْمُهْدِي (حُكُومَةٌ) لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِمَالَةِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الْحُكُومَةِ وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ (أَوْ) كَانَتْ الْهَدِيَّةُ (مِنْ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَاكِمِ (لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ) هَذَا وَاضِحٌ فِي عَمُودَيْ نَسَبَهُ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَقَارِبِهِ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَهْدِيَ لِئَلَّا يَحْكُمَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ صَدِيقٍ كَانَ يُلَاطِفُهُ، أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خَصْمٌ (وَرَدَّهَا) أَيْ رَدَّ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (أَوْلَى) لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِحُكُومَةٍ مُنْتَظَرَةٍ (وَاسْتِعَارَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي (مِنْ غَيْرِهِ كَالْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَافِعَ كَالْأَعْيَانِ، وَمِثْلُهُ لَوْ خَتَنَ) الْقَاضِي (وَلَدَهُ وَنَحْوَهُ فَأُهْدِيَ لَهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الرِّشْوَةِ فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنَّهُ كَالْهَدِيَّةِ) عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ وَفِي الْفُنُونِ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ.
(وَإِنْ قَبِلَ) الرِّشْوَةَ أَوْ الْهَدِيَّةَ (حَيْثُ حَرُمَ الْقَبُولُ وَجَبَ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا، كَمَقْبُوضٍ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) وَقِيلَ: تُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ تَابَ: إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا دَفَعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى) .
(وَتَقَدَّمَ لَوْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ غُصُوبٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهَا) يَدْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ أَرْبَابِهَا مَضْمُونَةً.
(فَإِنْ أَهْدَى لِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ (لَمْ يَجُزْ) لِلشَّافِعِ (أَخْذُهَا) لِيَشْفَعَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوصِلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَوْ يُوَلِّيهِ وِلَايَةً يَسْتَحِقّهَا، أَوْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ وَيَجُوزُ لِلْمَهْدِيِّ أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
(وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَأَدَّاهَا فَأُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيَّةٌ؛ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا إلَّا بُنَيَّةِ الْمُكَافَأَةِ وَحُكْمُ الْهَدِيَّةِ عِنْدَ سَائِرِ
الْأَمَانَاتِ حُكْمُ الْوَدِيعَةِ) وَمِثْلُهُ دَفْعُ رَبِّ اللُّقَطَةِ لِوَاجِدِهَا عِنْدَ رَدِّهَا إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِعَالَةِ.
(وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ خُصُوصًا بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَ (لَا) يُكْرَهُ (لِمُفْتٍ وَلَوْ فِي مَجْلِسِ فَتْوَاهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يُحَابَى (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْقَاضِي (أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (مِنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ) ، لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أَوْ شَقَّ جَازَ، لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشَهَادَةُ الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةُ الْأَهْلِ وَالصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَتَوْدِيعُ الْغَازِي وَالْحَاجِّ مَا لَمْ يُشْغَلْهُ عَنْ الْحُكْم) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَقَدْ وَعَدَ الْمُشَرِّعُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا فَيَدْخُلُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ (فَإِنْ شَغَلَهُ) ذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ (فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَمُبَاشَرَةَ الْحُكْمِ أَوْلَى (وَلَهُ حُضُورُ بَعْضِ) ذَلِكَ (دُونَ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعٍ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَلَائِمِ.
، (وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ) كَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِحُضُورِهَا (فَإِنْ كَثُرَتْ الْوَلَائِمُ تَرَكَهَا) كُلَّهَا، (وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ) وَسَأَلَهُمْ التَّحْلِيلَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِذَلِكَ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ (وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَسْرٌ لِقَلْبِ مَنْ لَا يُجِيبُهُ (إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضَهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ، مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ، أَوْ فِي مَكَان بَعِيدٍ أَوْ يَشْتَغِلُ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِهَا فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا لِظُهُورِ عُذْرِهِ) وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ يُكْرَهُ مُسَارَعَتُهُ إلَى غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُ غَيْرِ وَلِيمَةِ عُرْسٍ وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَأْتَمٍ فَيُكْرَهُ وَلَوْ تَضَيَّفَ رَجُلًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَجُوزُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ الرِّفْقَ بِالْخُصُومِ وَقِلَّةَ الطَّمَعِ) تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى الْفِعْلِ الْجَمِيلِ اللَّائِقِ بِمَجَالِسِ الْحُكَّامِ وَالْقُضَاةِ، (وَيَجْتَهِدُ) الْقَاضِي (أَنْ يَكُونُوا) أَيْ الْوُكَلَاءُ وَالْأَعْوَانُ (شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالصِّيَانَةِ) ، لِأَنَّ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ضَرَرًا بِالنَّاسِ وَلِلْكُهُولِ وَالشُّيُوخِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَأْتِيهِ النِّسَاءُ وَفِي اجْتِمَاعِ الْأَشْبَابِ لَهُنَّ ضَرَرٌ.
(وَيَتَّخِذُ حَبْسًا لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَأْدِيبِ وَاسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَاحْتِفَاظِ مِمَّنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَنَحْوُهُ وَيَتَّخِذُ أَصْحَابَ مَسَائِلَ يَتَصَرَّفُ بِهِمْ أَحْوَالَ مَنْ جَهِلَ عَدَالَتَهُ مِنْ الشُّهُودِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا) لِأَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (بُرَآءُ مِنْ الشَّحْنَاءِ) أَيْ الْعَدَاوَةِ (بِعَدَاءٍ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ فِي
نَسَبٍ أَوْ مَذْهَبٍ) لِئَلَّا يَحْمِلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ، (وَلَا يَسْأَلُوا) شَاهِدًا (عَدُوًّا وَلَا صَدِيقًا) ، لَهُ لِأَنَّهُ مِنْهُمَا (وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اتِّخَاذُ كَاتِبٍ) لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اسْتَكْتَبَ زَيْدًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكِتَابَةِ، (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا} [آل عمران: 118] (مُكَلَّفًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يُوثَقُ لِقَوْلِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ (عَدْلًا) لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ، (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (وَافِرَ الْعَقْلِ وَرِعًا نَزِهًا مُتَيَقِّظًا) لِئَلَّا يُخْدَعَ، (لَيِّنًا فَقِهًا حَافِظًا جَيِّدَ الْخَطِّ، لَا يُشْتَبَهُ فِيهِ سَبْعَةٌ بِتِسْعَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يُؤَدِّي إلَى اللَّبْسِ فَيُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، (صَحِيحُ بِالضَّبْطِ) لِئَلَّا يُفْسِدَ مَا يَكْتُبُهُ (حُرًّا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى شَهَادَتِهِ فَيَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى قَبُولِهَا، (يُجْلِسُهُ) الْقَاضِي (بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَكْتَبَهُ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ وَأَمْكَنُ لِإِمْلَائِهِ، وَإِنْ قَصَدَ نَاحِيَةً جَازَ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَاضِي (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ) الْكَاتِبُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (لِلْمُشَافَهَةِ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلتُّهْمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَاضِي تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (وَالْأَوْلَى الِاسْتِتَابَةُ) وَظَاهِرُ كَلَامِ السَّامِرِيِّ أَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ (وَيَجْعَلُ) الْقَاضِي (الْقِمَطْرَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ الَّذِي تُصَانُ فِيهِ الْكُتُبُ (مَخْتُومًا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُنْزِلَ) مِنْهُ مَا يَجْتَمِعُ (مِنْ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ) ، لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْقَاضِي (أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ بِحَيْثُ يَسْمَعُونَ الْمُتَحَاكِمِينَ) ، لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ (لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لِيَشْهَدهُمْ النَّاسُ فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ) ، لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ.
(وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ عَقْدِ الْعُقُودِ وَكِتَابَةِ الْحِجَجِ) أَيْ الْإِشْهَادَاتِ، (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ، وَشُرُوطُهُ) أَيْ الْعَقْدِ (مِثْلُ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ وَلِيُّهَا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ، وَيَكْتُبَ كَاتِبٌ عَقْدَهَا، أَوْ يَكْتُبَ رَجُلٌ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْكَاتِبُ مُرْتَزِقًا بِذَلِكَ وَإِذَا مَنَعَ الْقَاضِي، ذَلِكَ لِيَصِيرَ إلَيْهِ مَنَافِعُ هَذِهِ الْأُمُورِ كَانَ هَذَا مِنْ الْمَكْسِ نَظِيرَ مَنْ يَسْتَأْجِرُ حَانُوتًا مِنْ) حَاكِمِ (الْقَرْيَةِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ غَيْرَهُ) فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْقَاضِي يُرِيدُ (مَنْعَ الْجَاهِلِينَ لِئَلَّا يَعْقِدَ) الْجَاهِلُ (عَقْدًا فَاسِدًا،