المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء - التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية

[محمد منير مرسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌نبذة تفصيلية عن المؤلف

- ‌مقدمة:

- ‌الفهرس:

- ‌تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية

- ‌الفصل الأول: التربية الإسلامية

- ‌تربية العرب قبل الإسلام

- ‌مدخل

- ‌فضل القلم:

- ‌فضل الخط:

- ‌فضل الكتب:

- ‌مكانة العلم في الإسلام

- ‌مدخل

- ‌فضل المسلمين على العلم:

- ‌لماذا أنطفأت شعلة العلم الخلاقة في المجتمعات الإسلامية

- ‌تأثير الفكر الإسلامي في الغرب:

- ‌الرحلة في طلب العلم:

- ‌التعليم الإسلامي بين الأصالة والتجديد:

- ‌كيف نبدأ

- ‌حول توصيات المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي:

- ‌الفصل الثاني

- ‌أهداف التربية الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌لماذا خلقنا

- ‌ما يصلح به حال الإنسان:

- ‌العبادة غاية الوجود الإنسان وأساس السلوك الأخلاقي

- ‌التكسب واجب:

- ‌أسس التربية الإسلامية

- ‌التربية الإسلامية تربية تكاملية شاملة

- ‌ التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية:

- ‌ التربية الإسلامية تربية سلوكية عملية:

- ‌ التربية الإسلامية تربية فردية واجتماعية معا:

- ‌ التربية الإسلامية تربية لضمير الإنسان:

- ‌ التربية الإسلامية تربية لفطرة الإنسان وإعلاء لدوافعه:

- ‌ التربية الإسلامية تربية موجهة نحو الخير:

- ‌ التربية الإسلامية تربية مستمرة:

- ‌ التربية الإسلامية تربية متدرجة:

- ‌ التربية الإسلامية تربية محافظة مجددة:

- ‌ التربية الإسلامية تربية إنسانية عالمية:

- ‌أساليب التربية الإسلامية

- ‌أسلوب القدوة الصالحة

- ‌ أسلوب الثواب والعقاب:

- ‌ أسلوب التوجيه والنصح:

- ‌ أسلوب الحوار والمناقشة:

- ‌ أسلوب المعرفة النظرية:

- ‌أسلوب الممارسة العملية

- ‌ أسلوب الرسم والإيضاح:

- ‌ أسلوب التلقين والحفظ:

- ‌أسلوب الرسول الكريم:

- ‌التعليم الإسلامي

- ‌خصائص التعليم الإسلامي التقليدي

- ‌المنهج المدرسي

- ‌وسائل التدريس

- ‌مساكن الطلبة:

- ‌الجمع بين طلب العلم والتكسب:

- ‌الدولة والتربية في الإسلام:

- ‌أهل الحسبة ورعاية المصالح العامة والتعليم:

- ‌وجوب التعليم:

- ‌التعليم في الإسلام فرض وابج وليس مجرد حق

- ‌الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية

- ‌أولا: الإسلام والكون "مدخل أطولوجي

- ‌خالق الكون

- ‌البرهنة على وجوده:

- ‌الفرق بين التصديق والإيمان:

- ‌خلق السموات والأرض

- ‌حقيقة الكون:

- ‌نظرة الإسلام للكون:

- ‌الأنبياء وكتب الشرائع:

- ‌الكون والتطور:

- ‌رفض علماء المسلمين لنظريات التطور الغربية:

- ‌دورة الحياة:

- ‌ما تصلح به حال الدنيا:

- ‌ثانيا: المعرفة في الإسلام "‌‌مدخلابستمولوجي

- ‌مدخل

- ‌طبيعة المعرفة وأنواعها:

- ‌تعلم الإنسان من غيره من المخلوقات:

- ‌ثالثا: الأخلاق في الإسلام مدخل إكسيولوجي

- ‌الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام

- ‌مقدمة:

- ‌نشاط الطفل دليل صحة:

- ‌مراحل التربية الخلقية:

- ‌آداب المتعلم:

- ‌شروط تحصيل العلم:

- ‌خاتمة:

- ‌الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام

- ‌مقدمة:

- ‌المرأة والحجاب:

- ‌قضية تعليم المرأة وقضية تربيتها:

- ‌المرأة والتعليم:

- ‌آراء علماء المسلمين في تعليم المرأة

- ‌أولا: آراء غريبة عن الإسلام

- ‌ثانيا: آراء معتدلة تتفق مع روح الإسلام:

- ‌التعليم المختلط:

- ‌التربية الزوجية:

- ‌حق الزوجة على زوجها:

- ‌الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية

- ‌مقدمة:

- ‌أهمية المعلم ومكانته:

- ‌واجبات وأدوار المعلم:

- ‌أخلاق المعلمين:

- ‌أجر المعلم:

- ‌الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى

- ‌مراحل تطور التربية الإسلامية

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء

- ‌المرحلة الثانية: مرحلة العصر الذهبي أو الازدهار

- ‌السمات العامة للتربية الإسلامية في العصر الذهبي

- ‌دخول العلوم العقلية

- ‌ نشأة المدارس:

- ‌ ظهور الآراء التربوية المتميزة:

- ‌الفصل الثامن: مركز التعليم الإسلامي

- ‌أولا: المساجد

- ‌ثانيا: الكتاب

- ‌هدف الكتاب

- ‌الدراسة في الكتاب:

- ‌نقد طريقة التعليم بالكتاب:

- ‌معلم الكتاب:

- ‌مكان التعليم:

- ‌ثالثا: المدارس

- ‌مدخل

- ‌أسباب إنشاء المدارس:

- ‌نمط المدرسة الإسلامية الأولى:

- ‌طريقة التعليم:

- ‌مناقب ومثالب:

- ‌رابعا: المكتبات

- ‌خامسا: دور الحكمة

- ‌بيت الحكمة في بغداد

- ‌ بيت الحكمة في رقادة:

- ‌ دار الحكمة بالقاهرة:

- ‌سادسا: حوانيت الوراقين:

- ‌سابعا: الرباطات:

- ‌ثامنا: البيمارستانات والمستشفيات

- ‌تاسعا: منازل العلماء

- ‌الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط

- ‌ابن سحنون وآراؤه التربوية

- ‌ القابسي وآراؤه التربوية:

- ‌ابن مسكويه وآراؤه التربوية

- ‌مدخل

- ‌مؤلفات ابن مسكويه:

- ‌تأثر ابن مسكويه بفلاسفة الإغريق

- ‌آراؤه التربوية:

- ‌النفس الإنسانية:

- ‌الفضيلة وصفاتها الأخلاقية:

- ‌الكمال الإنساني:

- ‌الأخلاق:

- ‌أمراض النفوس وعلاجها:

- ‌تربية النشء:

- ‌الماوردي وآراؤه التربوية

- ‌مقدمة

- ‌الماوردي والأصفهاني وابن خلدون:

- ‌الإنسان مدني بطبعه:

- ‌العقل أس الفضائل:

- ‌ضرورة التأديب:

- ‌شرف العلم وفضله:

- ‌شروط طلب العلم:

- ‌الباعث على طلب العلم:

- ‌التدرج في طلب العلم:

- ‌كبير السن والتعلم:

- ‌أسباب التقصير في طلب العلم:

- ‌أخلاق العلماء:

- ‌آداب رياضة النفس واستصلاحها:

- ‌الغزالي وآراؤه التربوية

- ‌مدخل

- ‌الغزالي ناقل عن ابن مسكويه وغيره من المسلمين والإغريق:

- ‌منهج الغزالي في تربية الطفل:

- ‌ابن تيمية وآراؤه التربوية

- ‌مقدمة

- ‌أسرته:

- ‌عصره:

- ‌وفاته:

- ‌ ابن خلدون وآراؤه التربوية:

- ‌الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة

- ‌مقدمة

- ‌مدخل

- ‌ الحركة الإصلاحية السلفية والتعليم:

- ‌ دعوات التغريب والتشكيك الفكري:

- ‌الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في الشرق العربي الحديث

- ‌محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية

- ‌مقدمة

- ‌تأثير ابن تيمية:

- ‌أراؤه وجهوده التربوية:

- ‌رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية

- ‌مدخل

- ‌آراؤه التربوية:

- ‌أخلاق المعلمين والمتعلمين:

- ‌طريقة التعليم:

- ‌على مبارك وآراؤه التربوية

- ‌مدخل

- ‌جهوده الفكرية والثقافية:

- ‌جهوده في التربية والتعليم:

- ‌الشيخ محمد عبده وآراؤه التربوية

- ‌مدخل

- ‌مدرسة الإمام:

- ‌جهوده العلمية والفكرية:

- ‌آراؤه في التربية:

- ‌مراتب التعليم:

- ‌على الأغنياء بذل المال في إنشاء المدارس:

- ‌تطوير الأزهر:

- ‌تعليم المرأة:

- ‌وفاة الإمام:

- ‌الفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث

- ‌اقتباس النظم التعليمية الحديثة

- ‌ ظهور حركة التربية الحديثة:

- ‌استقدام الخبراء الأجانب

- ‌تقرير كلاباريد

- ‌ تقرير مان:

- ‌ الاهتمام بإعداد المعلمين:

- ‌ إنشاء الجامعات الحديثة:

- ‌ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة

- ‌سياسة الأبعاد الثلاثية "نجيب الهلالي

- ‌اتجاه الكم أو سياسة الماء والهواء: "طه حسين

- ‌اتجاه الكيف أو تعليم الصفوة: "إسماعيل القباني

- ‌ تطوير الأزهر:

- ‌مراجع الكتاب:

- ‌كتب المؤلف

الفصل: ‌المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء

‌المرحلة الأولى للتربية الإسلامية: مرحلة البناء

مقدمة: بين العروبة والإسلام

كان العرب قبل الإسلام يعيشون في المنطقة التي تعرف الآن بشبه الجزيرة العربية، وكانت حياتهم حياة بداوة بسيطة تحكمها الصحراء بجدبها والقبيلة بعصبيتها. ولم تكن هناك وحدة سياسية تشملهم وإنما عاشوا في حالة تفكك اجتماعي وسياسي كبير. ولم يكن يوجد بينهم إلا اللغة والشعر يتطارحونه في أسواقهم الأدبية المعروفة، وهي عكاظ ومجنة وذو المجاز. ولم يكن لهم غير ذلك من نصيب كبير في مجال العلوم والفنون كما أشرنا. وكانوا يعبدون الأصنام ويشربون الخمر ويلعبون الميسر، ويؤمنون بالتطير ويتاجرون في العبيد.

وكانت مكة تحظى بأهمية خاصة لوجود البيت الحرام بها. وهو البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام إلى جانب أنها كانت أهم مركز تجاري. وكانت التجارة أهم الوسائل التي تربط العرب بالمجتمع الخارجي وتمثلت الطبقة الغنية هناك في طبقة التجار الذين كانوا يجلبون التجارة من بلاد فارس والشام واليمن. وكانت تجاور العرب في تلك الفترة دولتان كبيرتان على حظ كبير من الحضارة أولاهما دولة الفرس في الشرق وثانيتهما دولة الروم أو الدولة البيزنطية في الغرب، وكانت هذه الدولة الأخيرة تسيطر على العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا.

وجاء الإسلام، وكان ثورة اجتماعية شاملة ضد التفكك والتخلف وسرعان ما وحد العرب تحت لوائه. ولكن الإسلام لم يكن لأهل الجزيرة العربية فحسب وإنما للناس قاطبة من عرب وعجم. ومن ثم بدأت رسالة الإسلام تأخذ طريقها إلى خارج الجزيرة لتبشر بالدين الجديد. وقد استطاع العرب تحت لواء الدين الجديد أن يهزموا أكبر دولتين في عصرهما "أي أوائل القرن السابع الميلادي". ولم يمض على وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام سوى حوالي ثلاثة أرباع قرن من الزمان إلا وكان الإسلام يرفرف على رقعة هائلة تمتد من المحيط الهندي شرقا حتى المحيط الأطلسي وغربا. فقد فتح العرب دمشق سنة 625م والعراق سنة 637م ومصر وفارس سنة 641م وبرقة سنة 643م وواصلوا فتحهم لشمال إفريقيا سنة 644م ولم تأت سنة 708م إلا وكانت لهم السيطرة عليها تماما. ودخل العرب إسبانيا سنة 711م وقد انتشر الإسلام بسرعة كبيرة في مناطق أخرى من العالم حتى أصبح يضم اليوم ما يقرب من خمسمائة مليون مسلم في جميع أنحاء العالم. وقد صاحب المد العربي انتشار الإسلام، بل وعندما انحسر الامتداد العربي بقي الإسلام كما هو بل واتسعت رقعته. والمهم من كل هذا هو أن نبين أن ما يعرف الآن بالوطن العربي دخل إلى العروبة عن طريق الإسلام. ومع حركة التعريب اللغوي والثقافي التي شملت هذا الوطن انصهر في بوتقة العروبة

ص: 257

على مر الزمان وكون معها وحدة عضوية متجانسة، وقد ساعد على ذلك وحدة الأرض والتاريخ والآمال والانتماء المصيري.

وهكذا يتضح أن كلمة عرب بمعناها الواسع لا يقصد بها أساس عرقي عنصري وإنما مفهوم ثقافي يطلق على الشعوب والأقوام التي دخلت الإسلام وانصهرت في بوتقة الثقافة العربية من خلال الإسلام واتخذوا اللغة العربية ميراثا مشتركا واكتبوا بها مؤلفاتهم في مختلف العلوم والفنون والآداب في عصر ازدهار الإسلام.

إن التمييز الحادث بين العروبة والإسلام لا يمكن أن نفهمه إلا من خلال النظرة الفاحصة المتمهلة للأصول التاريخية التي يكون بها العالم الإسلامي. إن الإسلام في جوهره الأساسي لم يقم على دعوة عنصرية عرقية كاليهودية مثلا التي يدعي أبناؤها أنهم شعب الله المختار وإنما كان الإسلام للناس كافة. ومن هنا كان لا بد أن يمتد الإسلام خارج جزيرة العرب كما قلنا. وكان حملة لوائه هم العرب أنفسهم لأنه جاء قرآنا عربيا بلسانهم وعلى يد نبي عربي من جلدتهم. وهكذا كان المد الديني والإسلامي مقترنا بالمد الثقافي العربي. وكان هذا المد هائلا وشمل مختلف أرجاء المعمورة ولكن النتيجة لم تكن واحد بالنسبة لكل أرجاء العالم الإسلامي. ذلك أنه حيثما تم انصهار الشعوب في بوتقة العروبة والإسلام تكونت الثمرة الناضجة التي تمثل الآن ما يعرف بالعالم العربي، أما حيثما لم يكتمل الانصهار في بوتقة العروبة والإسلام انحسر مد العروبة لكن بقي مد الإسلام وهذه المناطق تعتبر ثمرة لم تنضج بعد. وقد ترتب على هذا الوضع وجود تمييز درج الناس عليه بين العالم العربي والعالم الإسلامي ومثل هذا التمييز أوجد كثيرا من البلبلة في العقول. وإذا أردنا أن نضع الأمور في مكانها الصحيح قلنا العالم الإسلامي الناطق بالعربية والعالم الإسلامي غير الناطق بالعربية. ولو تصورنا أن العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أصبح يتحدث العربية لاختفى هذا التمييز، ومن هنا يمكن أن نفهم الوحدة الإسلامية الحقيقة. إن انضمام الصومال وموريتانيا إلى عضوية الجامعة العربية حدث له معناه وفحواه، وهو يؤكد القضية التي نحن بصددها ونتمنى أن نرى العالم الإسلامي

ص: 258

كله، وقد تحققت وحدته الفكرية على أساس من اللغة العربية. لقد عرف العالم الإسلامي قمة ازدهاره ومجده عندما كانت اللغة العربية أساس هذه الوحدة الفكرية، وكانت اللغة الراقية للعالم والجنس البشري طيلة أربعة قرون من الزمان منذ القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر. وتعلمها كثير من غير أبنائها باعتبارها لغة الثقافة والعلم، وقد كتبوا وألفوا بها. ولم يكن علماء المسلمين من مختلف الأجناس يشعرون بأي غضاضة بالكتابة بالعربية. ولذا نجد جميع علماء الإسلام من عرب وفرس وترك يؤلفون مؤلفاتهم بالعربية، مع أنهم كانوا يعرفون لغاتهم الأصلية. وقد روي عن العالم الإسلامي الكبير البيروني قوله:"والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية". يضاف إلى ذلك أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وتعلمها من كمال تمام الدين. وقد روى عمر بن الخطاب قوله: "تعلموا العربية فإنها من دينكم". ولا شك أن الأمر هنا موجه إلى كل المسلمين. ويقول العلامة ابن تيمية: "إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب. ذلك أنه فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا باللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ويرى الإمام الشافعي أن على كل مسلم أن يتكلم العربية وأن تعلم اللغة العربية فرض على كل مسلم.

وهكذا يصبح من واجب كل مسلم أن يتعلم العربية. وإذا كان غير المسلم يتحتم عليه أن يتعلم اللغة القومية لدولته إلى جانب لغته الأم لدواعي الحياة والمعيشة كما في دول مختلفة في العالم في سويسرا أو الاتحاد السوفيتي أو الهند وغيرها فما بالك بالمسلم الذي يعتبر تعلم اللغة العربية بالنسبة له من تمام دينه؟

إن على العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية أن يسعى حثيثا لا هوادة فيه إلى نشر تعلم اللغة العربية بين أبنائه بنشر مراكز تعليمها على أوسع نطاق. كما يجعل اللغة العربية أجباريا من السنوات الأولى للتعليم في مدارسه ويجب على العالم الإسلامي العربي أن يشجع كل خطوة في هذا الاتجاه، وأن يقدم لها العون المادي والبشري على السواء.

ص: 259

السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء:

تميزت الفترة الأولى من ظهور الإسلام بفترة الحكم الشوري للخلفاء الأربعة الأوائل الذين عاصروا الرسول الكريم وتأثروا به كما أنهم قادوا الفتوحات الأولى للإسلام وعملوا على تثبيت أركان الدين والدولة. وفي العصر الأموي أصبح منصب الخليفة وراثيا، فالخليفة يوصي بمن يخلفه، واستمرت خلافتهم ما يقرب من تسعين عاما بين عام 40-132هـ و661-750. وفي بداية حكمهم نقلوا عاصمة الدولة من المدينة إلى دمشق، وكانت الدولة الأموية دولة عربية على الرغم من أنها نقلت عاصمتها من قلب العروبة إلى منطقة تلتقي فيها الحضارة الرومانية والفارسية. وقد ازدهر الأدب والشعر، وتجلت روائع الفن الإسلامي في مسجد دمشق. كما شهد العصر الأموي بداية حركة الترجمة إلى العربية إلا أنها كانت مقصورة على أفراد وتمثل اهتمامات فردية أو جهودا شخصية. أما في العصر العباسي فكانت تمثل مدرسة كاملة ترعاها الدولة وتباركها. كذلك اهتمت الترجمة في العصر الأموي بالعلوم ترعاها مثل الطب والكيمياء ولم تتعدها إلى العلوم العقلية في الرياضيات والمنطق والفلسفة. ولذا كانت هذه العلوم وليدة الدولة العباسية ذاتها وسيأتي تفصيل الكلام فيما بعد. وقد سبق أن أشرنا إلى أهم السمات العامة للتربية الإسلامية في فترة البناء وسنحاول في السطور التالية أن نفصل الكلام عنها:

1-

كانت عربية إسلامية خالصة:

تميزت هذه الفترة من التربية الإسلامية التي تمتد من ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأموية بأنها كانت إسلامية عربية خالصة، وقد يرجع ذلك إلى غلبة العرب وأن العناصر الإسلامية الجديدة لم تكن قد انصهرت انصهارا ثقافيا كاملا، كما أن العناصر العربية هي التي توجه الحكم والسياسة والدين والثقافة بصورة رئيسية. وفي هذه الفترة ولا سيما في عهد الأمويين نظمت حلقات الدروس في المساجد وقد ساعد على ذلك ظهور المذاهب والفرق الإسلامية والدينية المختلفة

ص: 260

ومنها الخوارج والشيعة والمعتزلة، وقد اعتنق بعض الخلفاء الأمويين مذهب الاعتزال الذي يعتبر من المدارس التقدمية في الإسلام وهو مذهب النزعة العقلية، وقد عمل انتشار المذاهب والفرق الإسلامية على زيادة اهتمام العلماء ببحث المسائل الدينية المختلفة ومنها مسائل القضاء والقدر والجبر والاختيار وارتكاب الكبيرة، وهكذا كان الاهتمام مركزا على الجوانب الدينية في الإسلام كما أن المسلمين لم يشتغلوا بشيء إلا بلغتهم وثقافتهم، وفي ذلك يقول صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم "ص47".

"كانت العرب في صدر الإسلام لا تعني بشيء من العلم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد من العرب غير منكرة عند جماهيرهم لحاجة الناس طرا إليها، ولما كان عندهم من الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث عليها حيث يقول: "يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا داء واحدا وهو الهرم" أي: الكبر والشيخوخة. وينبغي أن نشير هنا إلى أنه بعد فتح الممالك تفرق الصحابة في الأمصار. وكان منهم علماء رحلوا للتعليم فكانوا نواة لمدارسها.

2-

استهدفت إرساء قواعد الدين الإسلامي الجديد:

كان من الطبيعي أن تستهدف التربية الإسلامية في هذه الفترة الأولى من حياة الإسلام العمل على نشر الدين وتعاليمه؛ ولذلك نجد أن هذه الفترة تميزت بالفتوحات الإسلامية لنشر الدين وتثبيت أركانه وإلى جانب إرساء قواعد الدين وتثبيت أركانه شغل خلفاء المسلمين الأوائل بإرساء قواعد الحكم أيضا باعتبار أن الإسلام دين ودولة فالحاكم هو في نفس الوقت خليفة المؤمنين. وفي عهد عمر بن الخطاب كان من الطبيعي أمام اتساع الدولة أن يهتم بالأمور الدينية والشرعية والاصلاحات الإدارية. وفي عهده أنشئت الدواوين ووضعت سجلات لدخل الدولة. وفي صدر الإسلام ظهرت الخطابة كفن هام له دوره في نشر الدعوة الإسلامية وعلا شأنها على الشعر ولا سيما بعد أن هاجم القرآن الشعراء بقوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} وكان الرسول هو أصحابه يبثون الدعوة ويعلمون الناس في

ص: 261

المدينة وكان يرسل أصحابه ودعاته ورسله إلى الجهات النائية من شبه الجزيرة وغيرها ليعلموا الناس ويقرئوهم القرآن الكريم. وتفرق الصحابة في الأمصار الإسلامية يعلمون الناس ويثقفونهم ويرشدونهم إلى أمور دينهم ويفقهونهم فيه.

وكان الخلفاء أيضا يرسلون العلماء إلى الأمصار ومع الجيوش لنشر الدعوة الإسلامية فيها، كما كانوا أيضا يوصون ولاتهم في الأمصار بضرورة الاهتمام بنشر الدين وتعاليمه. وكان عمر على سبيل المثال عندما يرسل صحابيا إلى بلد ما يبعث معه بخطاب يعرف فيه الناس بقدره ومكانته مثلما فعل مع عبد الله بن مسعود وهو من خيرة الصحابة حين أرسله إلى الكوفة فبعث معه برسالة إلى أهلها يقول لهم فيها "إني بعثت لكم بعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وآثرتكم به عن نفسي فخذوا عنه" وكان لكل صحابي مدرسة من مريديه يعرفون بالتابعين، كما كان لهؤلاء المريدين أيضا مريدون يعرفون بتابعي التابعين. وهكذا وضع الأساس لحركة علمية تعليمية ثقافية وفكرية تستند إلى الدين الجديد، وقد ازدهرت هذه الحركة بعد جيلين أو ثلاثة من جيل الصحابة والتابعين. "مصطفى الشكعة: ص21". كما أرسل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى شمال إفريقية عشرة من الفقهاء لتعليم أبناء البربر تعاليم الدين الإسلامي.

3-

اعتمدت أساسا على العلوم النقلية واللسانية:

اعتمدت التربية الإسلامية خلال هذه الفترة على العلوم النقلية وتشمل علوم الدين المختلفة من قراءات وتفسير وحديث وفقه، وما يتصل بها من علوم لسانية وهي النحو واللغة والأدب، وهذه النزعة النقلية واللسانية للجانب الثقافي من التربية الإسلامية تتمشى مع ما سبق أن أشرنا إليه من كون التربية في هذه الفترة عربية إسلامية خالصة واستهدفت إرساء قواعد الدين بصورة رئيسية.

4-

اهتمت بالكلمة المكتوبة كوسيلة هامة للاتصال:

إلى جانب ما أشرنا إليه من استخدام الخطابة كأسلوب هام في التربية الإسلامية في صدر الإسلام برزت أيضا أهمية الكلمة المكتوبة كوسيلة هامة

ص: 262

للاتصال ولم تكن هذه الأهمية موجودة من قبل.

فقد كان مجيء الإسلام عاملا هاما في ظهور أهمية الكتابة. وبرزت أهميتها أول ما برزت عندما أراد النبي صلى الله عليه وسلم كتابة الوحي وما ينزل عليه من آيات القرآن الكريم. وقد استعان بمن كانوا يعرفون الكتابة آنذاك.

وكان أول من كتب له أبي بن كعب الأنصاري وزيد بن ثابت الأنصاري إذ كانا يقومان بكتابة ما يوحى به إليه صلى الله عليه وسلم. ومن كتب له أيضا علي وأبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن الأرقم وعبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي قبل أن يرتد وعثمان بن عفان وشرحبيل بن حسنة وأبا بن سعيد والعلاء بن الحضرمي ومعاوية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع والزبير بن العوام وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن رواحة وغيرهم. ويروى أن هؤلاء الكتبة للوحي لم يكونوا مهرة في الكتابة ولم تكن كتابتهم تسير على نمط واحد أو تخضع لقواعد واحدة من الكتابة أو الإملاء فكانوا لا يميزون بين مواقف الألف يحذفونها في موضع ويضيفونها في موضع آخر ما تساوي الموضعين في الإملاء، وكتبوا التاء المربوطة مفتوحة وغير ذلك. ويقول ابن خلدون في تعليل ذلك: هو ضعفهم في صناعة الخط والكتابة وأنهم لم يبلغوا حد الإجادة فيها.

وكان كتبة الوحي يكتبون على الرقاع والأضلاع وسعف النخل والحجارة الرقائق. كذلك كان نشر الدين الإسلامي عاملا هاما في ظهور أهمية القراءة والكتابة، فالمسلمون الأوائل بدءوا يحسون بالحاجة إلى القراءة والكتابة ليعرفوا أمور دينهم على الوجه الصحيح. وآيات القرآن الكريم كانت تكتب ويتلوها من يعرف القراءة على من لا يعرف وكان من الطبيعي إذن أن يحس المسلمون بحاجتهم إلى تعلم القراءة والكتابة. وقد أقبل الناس على القرآن يقرءونه ويفهمون معانيه ويفسرون آياته ويستنبطون منه الأحكام. كما أن حاجة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نشر الدين تطلبت منه الاتصال بمن جاوره من الملوك والأمراء عن طريق الكتابة إليهم وبعث الرسائل لهم، وفي ذلك يقول ابن هشام:

"فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام. فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك

ص: 263

الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعباد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وخوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن شمر الغساني ملك تخوم الشام

وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن". وهذه الرسائل مكتوبة بالعربية لكنه احتاج إلى من يحسن الرومية والفارسية والحبشية والقبطية لترجمة مضمون هذه الرسائل إلى من وجهت إليهم من غير العرب. ولم تقتصر كتابة الرسائل على الملوك وإنما شملت أيضا كثيرا من رجال العرب وأقوامهم. وقد خصص ابن سعد في طبقاته كلاما مفصلا عن الرسائل العديدة التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أولئك الرجال والأقوام "ابن سعد: الطبقات الكبرى ط1 ص258".

وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم له كثيرا من الكتاب الذين يكتبون القرآن ويحررون الكتب التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسلها إلى الملوك والأمراء وغيرهم من الأقوام. ولذا كان ديوان الإنشاء أي الكتابة أول ديوان وضع في الإسلام يليه ديوان الجيش في عهد عمر. وقد عدد إبراهيم الأبياري في موسوعته القرآنية أربعة وعشرين كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إبراهيم الأبياري ج1: ص291" كما أن هناك من المؤلفين القدماء من عدد 42 كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم "عبد الحي الكتاني: ص116".

ومن ناحية أخرى نجد أن الحاجة إلى كتابة معاهدات الصلح والمواثيق والعهود منذ بداية عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت عاملا آخر في تأكيد أهمية الكتابة، ولم تكن هذه الحاجة موجودة بهذه الدرجة من قبل. كذلك نجد أن القرآن قد أمر بكتابة الدين ضمانا لحقوق الدائن وإثباتا على المدين قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} .

ص: 264

ويورد الكتاني نقلا عن "أبو الوفاء الهوريني المصري" أنه لم تكثر الكتابة العربية في المدينة إلا بعد الهجرة النبوية بأكثر من سنة. وذلك أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة.

جعلوا على كل واحد من الأسرى فداء من المال وعلى كل من عجز عن الاقتداء بالمال أن يعلم الكتابة لغيره من صبيان المدينة فلا يطلقونهم إلا بعد تعليمهم. فبذلك كثرت فيهم الكتابة وصارت تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام في حياته عليه الصلاة والسلام وبعده حتى بلغت عدة كتابه عليه السلام 42 رجلا. ولما تولى أبو بكر الخلافة اتخذ عثمان بن عفان كاتبا له، واتخذ عمر زيدا بن ثابت وعبد الله بن الأرقم واتخذ عثمان مروان بن الحكم.

وروى الجهشياري أن عليا كرم الله وجهه قال لكاتبه عبد الله بن رافع: "يا عبد الله ليق دواتك""أي اجعل لها ليقة أو خرقة توضع في المداد" وأطل شباة قلمك "أي سنة ومقدمته" وفرج بين السطور وقرمط بين الحروف "ويعني بها التقريب بين الحروف مع الدقة". "حسن إبراهيم ج1: ص452".

كما أن الاهتمام بأعمال الخلفاء الأول وتسجيل أعمالهم وفتوحاتهم وما اتصل بها من أحداث هامة قد أوجبت تدوينها في كتب السير والمغازي منها على سبيل المثال ما ألفه عروة بن العوام "23-94هـ" الذي يعتبر أقدم من ألف في سيرة الرسول وأبان بن عثمان بن عفان "222-105هـ" الذي جمع له تلميذه عبد الرحمن بن المغيرة كتابا في السير ووهب بن منبه "34-11هـ" الذي ألف كتابا في المغازي وموسى بن عقبة المتوفى 141هـ الذي جمع كتابا في المغازي. ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية تعدد الكتاب لتعدد مصالح الدولة وأصبح الكتاب خمسة: كاتب الرسائل وكاتب الخراج وكاتب الجند وكاتب الشرطة وكاتب القاضي. وكان كاتب الرسائل أهم هؤلاء الكتاب في الرتبة. وكان الخلفاء لا يلون هذا المنصب إلا أقرباءهم وخاصتهم وظلوا إلى ذلك أيام العباسيين.

وقد ازدادت أهمية الكتابة العربية مع تعريب الدواوين في الأمصار الإسلامية في عهد عبد الملك بن مروان. وقد حذا الوليد حذو أبيه عبد الملك "شوال

ص: 265

86هـ - جمادى الآخرة 96هـ" وحول كتابة الدواوين في مصر إلى العربية بعد أن كانت باليونانية التي كانت اللغة الرسمية في مصر حتى عهده. وهكذا نجد أن إنشاء الدواوين في الإسلام وتعريبها قد تطلب الاهتمام بالكتابة العربية أيضا. ومن المعروف أن عمر بن الخطاب هو أول من أنشأ الدواوين أي الإدارات الحكومية في الإسلام وفي ذلك يقول محمد كرد على المؤرخ المعروف: "وما تعلقت به همة عمر إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح فهو أول من حمل الدرة وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم دونها له عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس" ويستطرد فيقول: "والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية. وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات والأضابير والطوامير" "محمد كرد علي: 1934".

ومن المعروف أن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء كما أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب، وكانت دواوين الشام تكتب بالرومية ودواوين العراق بالفارسية ودواوين مصر بالقبطية يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين. وكذا فرضت الحاجة إلى تعريب هذه الدواوين أهمية خاصة على الكتابة العربية وضرورة قيام نفر من المسلمين بأمرها، وقد تطلب ذلك الاهتمام بها وتعلمها.

ويقول ابن خلدون "المقدمة: ص419-421" لما جاء الملك العرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة. واحتاجت الدولة إلى الكتابة طلبوا صناعتها وتعلموها وبلغت رقبة من إتقان الخط في الكوفة والبصرة إلا أنها كانت دون الغاية ثم انتشر العرب في الأقطار والممالك وفتحوا إفريقية والأندلس، واختلط بنو العباس بقباء، فترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استجرت في العمران

وعم العمران والحضارة كل قطر في الدول الإسلامية وعظم الملك، وازدهرت العلوم ونسخت الكتب وأجيد نسخها وتجليدها وملئت بها القصور

ص: 266

والخزائن الملوكية وتنافس في ذلك أهل الأقطار.. ولما انحل نظام الدولة الإسلامية وضعف شأن بغداد بضعف الخلافة انتقل شأن العلم والكتابة إلى مصر والقاهرة وأصبح للخط والكتابة معلمون يعلمون حسب قوانين متعارفة بينهم.. أما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها

فانتشروا في المغرب وبأفريقية وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع فغلب الأندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الأندلس بها. ولما تراجع أمر الحضارة بتراجع العمران وتقلص الدول، زاد الميل بالخط وفسدت رسومه فصارت الخطوط بأفريقية والمغرب مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل منها لمتصفحها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع منها من الفساد والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة.

5-

أفسحت المجال لتعليم اللغات الأجنبية:

ظهرت الحاجة إلى تعليم اللغات منذ أيام الإسلام الأولى وإن كان ذلك على نظاق ضيق. فقد كانت نتيجة لاتصال المسلمين بالأقطار الأخرى واتساع رقعة الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية أن برزت الحاجة إلى تعلم اللغات الأجنبية وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على أن يتعلموا اللغات الأخرى غير العربية لدواعي الحاجة إليها وفي الحديث الشريف أنه "من تعلم لغة قوم أمن من شرهم".

ويقول ابن سعد في "الطبقات الكبرى": إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من "الحديبية" في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتابا. فقيل: يا رسول الله إن الملوك لا يقرءون كتبا إلا مختومة. فاتخذ رسول الله يومئذ خاتما من فضة فصه منه نقشه ثلاثة أسطر: "محمد رسول الله" وختم به الكتب فخرج ستة منهم في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم" "ابن سعد: ص258". وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لتعلم العبرية والسريانية ليدون بها

ص: 267

رسائله. ويروى عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا فتعلم السريانية" تعلمها في سبع عشر يوما كما يروى عن زيد بن ثابت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يتعلم الكتابة اليهودية "العبرية" ليتولى مراسلات النبي معهم ففعل زيد وكان يقوم بالكتابة لهم على لسان النبي كما كان يقرأ للنبي ما يرسلون له. هكذا كان تعلم اللغات الأجنبية مطلبا للتربية الإسلامية منذ ظهورها للوفاء باحتياجاتها التي فرضت عليها الطبيعة الإنسانية العالمية للدين الإسلامي.

6-

اعتمدت على الكتاب والمسجد:

اعتمدت التربية الإسلامية على الكتاب والمسجد بصورة رئيسية كمراكز للتعليم ولم تكن المدارس قد أنشئت بعد. كما أن المكتبات لم يكن لها شأن كبير في هذه الفترة. فكانت مجالس القضاة في المساجد حافلة بكل أنواع المعرفة والتثقيف. ففي مسجد الرسول كان الإمام جعفر الصادق يجلس ليعلم الناس ويثقفهم ويفقههم في أمور دينهم. وفي مسجد البصرة كان مجلس الحسن البصري، وإلى جانب مجلسه كانت هناك في نفس المسجد حلقات أخرى للدرس. وقد عملت هذه المجالس والحلقات على تنشيط الحركة الفكرية والثقافية الإسلامية ونشطت العقل الإسلامي ودربته على الجدل وتفنيد الحجج والأدلة ومناقشة اليهود والنصارى في محافل عامة أو مجادلة الفرق الكلامية الإسلامية بعضها البعض "مصطفى الشكعة: ص33". ونظرا لأن هذه المراكز قد استمرت تلعب هذا الدور الهام فيما بعد فإننا سنفصل الكلام عنها فيما بعد عند كلامنا عن مراكز التعليم.

ص: 268