الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهمية المعلم ومكانته:
يحتل المعلم مكانة رئيسية في التربية الإسلامية اقتداء بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم معلم هذه الأمة فيما رود عنه قوله: "إنما بعثت معلما". فالمعلم عنصر رئيسي وهو أحد الأركان الرئيسية للعملية التعليمية. ولذلك أوجب المربون المسلمون أن يؤخذ العلم من شيخ لا من كتاب وسموا من يأخذ من صفحات الكتب فقط صحفيا.
ولم يعولوا عليه وكرهوا "تمشيخ" الصحيفة، أي أن يحتل الكتاب مكانة الشيخ والأستاذ. وقد سبق أن أشرنا إلى كلام ابن خلدون في هذا الصدد والذي يقول فيه:"إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما يتحلون به من المذاهب والفضائل تارة عملا وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا. فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون تكوُّن الملكات ورسوخها". وهكذا يؤكد ابن خلدون على أهمية تلقي العلم من المعلم مباشرة.
وروي عن سلمان الفارسي أنه كتب إلى أبي الدرداء "إنما مثل المعلم كمثل رجل عمل سراجا في طريق مظلم ليستضيء به من مر به وكل يدعو إلى الخير" وهناك كثير من الأمثلة التي تعلي من شأن المعلمين وتضعهم في مكانة محترمة لائقة بالمهنة الشريفة التي ينتمون إليها. ويروي الثعالبي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون". ويؤكد الغزالي أهمية الاشتغال بالتعليم، ويعلي من قدر أصحابها ويعظم من شأن وخطر المسئولية الملقاة عليهم، وفي ذلك يقول الغزالي:
"فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يدعي عظيما في ملكوت السماوات فإنه كالشمس تضيء لغيرها، ومن اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما". والمعلم في نظره "متصرف في قلوب البشر ونفوسهم" وهو "يمارس أشرف الصناعات بعد النبوة". ويقول الغزالي: "إن أشرف مخلوق على الأرض هو الإنسان وإن أشرف شيء في الإنسان قلبه والمعلم مشتغل بتكميله وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل".
وقد دافع الجاحظ عما يتهم به معلمو الكتاب من الحمق حتى ضرب بهم
المثل "أحمق من معلم كتاب" فقال: "وكيف نظن الظنون بمعلمي الكتاب جميعا وفيه الفقهاء والشعراء والخطباء مثل الكميت بن زيد وعبد الحميد الكاتب وقيس بن سعد، وحسين المعلم وأبي سعيد المعلم. وما كان عندنا بالبصرة رجل أدرى بصنوف العلم ولا أحسن بيانا من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين".
وقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي معلم كتاب وهو الخطيب المفوه والسياسي المحنك صاحب الفضل في إرساء قواعد الدولة الأموية. ولا ينكر الجاحظ وجود عناصر سيئة بين المعلمين وهو يبرر ذلك بقوله: "ففي كل طائفة أشرافها وسفلتها فلا يدفعنا ذلك إلى إطلاق الحكم على الطائفة بأسرها بسوء الخلق وصغار النفس والحمق".
ويجب أن نميز بين معلمي الكتاب ومعلمي المساجد والمدارس والمؤدبين الذين كانوا يؤدبون أبناء الحكام والأمراء. ومن المؤدبين المشهورين المفضل الضبي الذي كان مؤدبا للمهدي العباسي والكسائي مؤدب الأمين والفراء مؤدب ابن المعتز. وكان هؤلاء المؤدبون يحصلون على أجور مرتفعة ويغدق عليهم الهبات والعطايا من جانب الخلفاء والأمراء، ولهذا كان يحيون حياة رخاء. في حين أن أجور معلمي الكتاب كانت بسيطة متواضعة. ويمكن القول بصفة عامة أن أجور المعلمين بصفة عامة كانت متفاوتة وتتوقف على قيمتهم ومكانتهم العلمية.
ويستمد المعلم مكانته وأهميته من تأثيره على تلاميذه، ذلك أن للعلم تأثيرا كبيرا في نفوس الصبيان، فهو قدوة لهم يتأثرون به وبشخصيته. وقد روى الجاحظ من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قوله:
"يكون أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك فإن أعينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت".
ويستمد المعلم أهميته من دوره في العملية التعليمية، وإذا كان الناس قد اختلفوا حول إمكانية حصول العلم بدون المعلم فإن الواقع في مجاري العادات أن لا بد من المعلم كما يقول الشاطبي في "الموافقات" وقد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتيحه بأيدي الرجال، وهذا يقضي
بأن لا بد في تحصيله من الرجال". "إن أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين منه على الكمال والتمام". ويقول الشاطبي:
"وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقتان: أحدهما المشافهة وهي أنفع الطريقتين وأسلمهما لأن كثيرا من مسائل العلم يقرؤها المتعلم في كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضيرة، وبه من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم.. ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم وتأدبهم معه واقتدائهم به. فهذا الطريق نافع على كل تقدير.
ثانيهما: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين. هو أيضا نافع في بابه لأن المتعلم يحصل له فهم مقاصد العلم ومعرفة اصطلاحات أهله وما يتم له به النظر في الكتب. وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه. وهذا معنى قول من قال: "كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب ومفاتيحه بأيدي الرجال". والكتب وحدها لا تفيد الطالب كثيرا دون فتح العلماء لأسرارها بالشرح والتعليق. وعلى المعلم أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتاخرين "أبو إسحاق الشاطبي: ج1 ص51".
وبالنسبة للعوامل التي تؤثر على مكانة المعلمين فمن المعروف أن المكانة الاجتماعية للمعلمين تتحدد بكثير من العوامل، منها مقدار ما يأخذه من أجر ومنها سن التلاميذ الذين يعلمهم. فكلما زادت سن التلميذ زادت مكانة الأستاذ فمعلم الصبية أقل من معلم الفتيان. ومنها أيضا الطبقة الاجتماعية للتلاميذ. فإذا كان التلاميذ الذين يعلمهم المعلم من طبقة أعلى زادت قيمته، فمعلم أولاد العامة أقل من معلم أولاد الخاصة. وفي ذلك يقول الجاحظ في البيان والتبيين "ج1 ص140-141" "والمعلمون عندي على ضربين، فمنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة فإلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة فما هم في ذلك إلا كغيرهم
…
".