الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حفظت العرب أنسابها لما امتنعت عن سلطان يقهرها ويكف الأذى عنها لتكون به متظافرة على من ناواها متناصرة على من شاقها وعادها حتى بلغت بألفة الأنساب تناصرها على القوى الأيد. والمصاهرة كأحد أسباب الألفة هي استحداث مواصلة وتمازج مناسبة صدرا عن رغبة واختيار وانعقدا عن خير وإيثار. قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} . أما المؤاخاة بالمودة كسبب للألفة فلأنها تولد المصافاة والإخلاص والوفاء، وهذا أعلى مراتب الألفة. ولذلك آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحاب من المهاجرين والأنصار. وأما البر كسبب للألفة فلأنه يوصل للقلوب ألطافا ويثنيها محبة وانعطافا. قال تعالى:{تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} . وروي عن ابن مسعود أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها".
وأما الأمر الثالث فهو المادة الكافية لأن حاجة الإنسان لازمة لا يعرى منها بشر. قال تعالى {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} . فإذا عدم المادة التي هي قوام نفسه لم تدم له حياة ولم يستقم له دين. وإذا تعذر شيء منها عليه لحقه من الوهن في نفسه والاختلال في دينه بقدر ما تعذر من المادة عليه. لأن الشيء القائم بغيره يكمل بكماله ويختل باختلاله. "الماوردي: 208".
العبادة غاية الوجود الإنسان وأساس السلوك الأخلاقي
…
العبادة غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي:
يرى الأصفهاني أن الإنسان تحصل له الإنسانية بقدر ما تحصل له العبادة التي خلق من أجلها. فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ عن الإنسانية فصار حيوانا ودون الحيوان كما قال تعالى في صفة الكفار {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} "الأصفهاني: تفصيل النشأتين ص150".
وهكذا يضع الأصفهاني العبادة أساس الإنسانية والسلوك الأخلاقي عند الإنسان. وهو يقول إن كل شيء يمدح بلفظ نوعه فيقال فلان إنسان وهذا السيف سيف. ولهذا قيل الإنسان المطلق هو نبي كل زمان. ويعلق الدكتور عبد المجيد
النجار على هذه الفكرة بقوله إنها مماثلة لفكرة رائجة عند الصوفية وهي فكرة الإنسان الكامل، ويقصدون بها ذروة الكمال في الإنسان وهي المتحققة في الأنبياء والرسل أو في ورثتهم عند انقطاع الرسل "الأصفهاني: تفصيل النشأتين: ص152".
والعبادة كما يعرفها الأصفهاني في كتاب النشأتين "ص157" هي "فعل اختياري مناف للشهوات البدنية يصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله طاعة للشريعة". وهو يعتبر الأفعال المباحة كالأكل والشرب ومجامعة المرأة عبادة إذا تحرى بها حكم الشريعة، أي يكون مقصودا بها تحقيق حكم شرعي مأمور به أو منهي عنه كالأكل للقوة على العمل والعبادة والجماع للنسل والامتناع عن الزنا والزينة لإظهار نعمة الله. والعبادة عنده ضربان: علم وعمل وحقهما أن يتلازما. لأن العلم كالأس والعمل كالبناء. وكما أنه لا يغني أس ما لم يكن بناء ولا يثبت بناء ما لم يكن أس كذلك لا يغني علم بغير عمل. ولا عمل بغير علم. والعلم أشرفهما ولكن لا يغني بغير عمل. ولشرفه قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيما الأعمال أفضل يا رسول الله؟ فقال: "العلم" فأعاد عليه السؤال فقال: "العلم". فقال الرجل في الثالثة: أسألك عن العمل لا عن العلم. فقال عليه السلام: "عمل قليل مع العلم خير من عمل كثير مع الجهل". وقال عليه السلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم""تفصيل النشأتين: ص159".
والغرض من العبادة تطهير النفس واجتلاب صحتها ليحقق للإنسان حياة أبدية وسلامة باقية. وطهارة النفس بإزالة رجسها ونجسها. فللنفس نجاسة كما أن للبدن نجاسة، لكن نجاسة البدن تدرك بالبصر ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة. ومن طهرت نفسه طهر قلبه وفعله لأن السائل من لون الإناء وكل إناء بالذي فيه يرشح، ولهذا قيل: من طابت نفسه طاب عمله ومن خبثت نفسه خبث عمله. وطهارة النفس شرط لخلافة الله وإكمال عبادته وعمارة أرضه "الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة ص36". وهكذا يبين الأصفهاني أن العبادة هي غاية الوجود الإنساني وأساس السلوك الأخلاقي السليم والسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.