الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أخلاق العلماء:
يقول الماوردي فيما يجب أن تكون عليه أخلاق العلماء أن يتحلوا بكل ما هو خلق حميد يليق بهم. وفي مقدمة ذلك التواضع ومجانبة العجب. ويورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". ويذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة، والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون ليتواضع لكم من تعلمونه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم". فالعلم أكثر من أن يحيط به بشر. وكل متناه في العلم سجد من هو أعلم منه. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} . ويورد قول الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين" قوله: "اللهم إننا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن. كما نعوذ بك من العجب بما نحسن. ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر "أي حدة اللسان وإكثار الكلام بدون فائدة". كما نعوذ بك من شر العي والحقد""أي عدم القدرة على البيان حياء أو خوفا أو ضعفا".
ومن أخلاق العلماء عدم التكلف فيما لا يحسن. ومن قال لا أدري فقد أفتى، لأن ليس إلى الإحاطة بكل العلم سبيل. وليس من العار أو العيب أن يجهل الإنسان بعضه وقد قال بعض الحكماء:"من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم. فحسبك جهلا من عقلك أن تنطق ما لا تفهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سئل فأفتى بغير علم فقد ضل وأضل".
ومن أخلاق العلماء ألا يحقر شيئا من العلم وأن يعمل بما علم. وقد روي عن عبد الله بن وهب وهو من كبار المحدثين توفي عام 197هـ عن سفيان أن الخضر عليه السلام قال لموسى عليه السلام: يابن عمران تعلم العلم لتعمل به ولا تتعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره "إثمه وفساده" ولغيرك نوره. وقال علي بن أبي طالب إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم. وقيل في منثور الحكم لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به وثمر العمل أن يؤجر عليه. وقال بعض الأدباء: ثمرة العلوم العمل بالمعلوم.
ومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يبذلوا العلم لطالبه وألا يبخلوا بتعليم ما يحسنون ولا يمتنعون عن إفادة ما يعلمون. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كتم علما يحسنه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار". ويقول الماوردي إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل التعليم صدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: "تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده". وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعلموا وعلموا فإن أجر العالم والمتعلم سواء. قيل: وما أجرهما؟ قال: مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة".
ومن أخلاق العلماء الصلاح والهداية وحسن الخلق والسلوك وحسن المعاملة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد". فقيل: يا رسول الله أي الناس أشر؟ فقال: "العلماء إذا أفسدوا".
ومن أخلاق العلماء وآدابهم أن يكون لهم فراسة يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته وقدر استحقاقه ليعطيه ما يتحمله بذكائه أو يضعف عنه ببلادته.
ومن أخلاق العلماء التأدب مع رجال الحكم والسلاطين. فبعضهم تكون له رغبة في العلم لفضيلة نفسه وكرم طبعه فلا يجعل ذلك كما يقول الماوردي ذريعة في الانبساط عند الإدلال عليه بل يعطيه ما يستحقه بسلطانه وعلو يده. فإن للسلطان حق الطاعة والإعظام وللعالم حق القبول والإكرام. ثم لا ينبغي أن يبتدئه إلا بعد الاستدعاء ولا يزيد على قدر الاكتفاء. فربما أحب بعض العلماء إظهار علمه للسلطان فأكثره. فصار ذلك ذريعة إلى ملله ومفضيا إلى بعده فإن السلطان منقسم الأفكار مستوعب الزمان فليس له في العلم فراغ المنقطعين إليه ولا صبر المنفردين به. وقد حكى الأصمعي رحمه الله قال: قال لي الرشيد: يا عبد الملك. أنت أعلم منا ونحن أعقل منك. فلا تعلمنا في ملا ولا تسرع في تذكيرنا في خلا. واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال. فإذا بلغت من الجواب قدر الاستحقاق فلا تزد إلا أن نستدعي ذلك منك. وانظر إلى ما هو ألطف في التأديب، وأنصف في التعليم وأبلغ بأوجز لفظ غاية التقويم. لكن على العالم أن يحذر اتباع أولي السلطان فيما يجانب الدين ويضاد الحق موافقة لرأيهم ومتابعة لهواهم. فربما زلت أقدام العلماء في ذلك رغبة أو رهبة فضلوا وأضلوا مع سوء العاقبة وقبح الآثار.
ويذكر الماوردي من آداب العلماء أيضا تنزيه أنفسهم عن شبهة المكاسب والقناعة بالميسور عن كد المطالب فإن شبهة المكتسب إثم وكد الطالب ذل. والأجر أجدر به من الإثم والعز أليق به من الذل. ذلك أن لذة العلم فوق كل لذة. وقد قال بعض البلغاء من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة ومن تسلى بالكتب لم تفته سلوة ومن أنسه قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان.
ويذكر الماوردي من آداب العلماء رأيا هو موضع جدل بل ومخالف لما