الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أُمَّةً وَسَطًا} وفي هذا الإطار ينبغي ألا نجعل يبدنا مغلولة إلى عنقنا وألا نبسطها كل البسط. فعلينا أن نجعل لتدريس العلوم الدينية مغزى وظيفيا في حياة التلميذ يرتبط بحياته التي يحياها كما يرتبط بمعاملاته الفردية والاجتماعية. ويجب أن تستهدف هذه العلوم الدينية مساعدة الإنسان المسلم على معرفة أصول دينه وأحوال دنياه وأن تنمي فيه الانتماءات الإسلامية الصحيحة.
إن تجديد التعليم الإسلامي مطلوب بمقدار حرصنا على أصالته. والأصالة لا تتعارض مع التجديد. ذلك أن التعليم الإسلامي في حركته إلى الإمام ينبغي أن يكون أصيلا متجددا في نفس الوقت. لأنه رسالة أصيلة متجددة صالحة لكل زمان ومكان ومناسبة لكل الناس على اختلاف دوران أمورهم وأحوالهم. ولكن قد تبدو المعادلة صعبة ومع ذلك فإن التجديد ينبغي أن يأخذ بأسباب الأصالة، وبهذه الروح فقط يصبح للتجديد معناه الحقيقي.
حول توصيات المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي:
عقد المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة في الفترة من 21-20 ربيع الثاني سنة 1397هـ "31 مارس-8 إبريل 1977م" وقد دعت إلى هذا المؤتمر جامعة الملك عبد العزيز تحت رعاية جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود. ويمثل عقد هذا المؤتمر أهمية خاصة لعدة اعتبارات رئيسية من أبرزها أنه أول مؤتمر من نوعه. فلم يشهد التعليم الإسلامي من قبل هذا الاهتمام الكبير الذي تمثل في هذا المؤتمر الضخم الذي ضم 313 عضوا يمثلون أربعين بلدا، وقدم فيه من البحوث حوالي 150 بحثا إلى جانب الدراسات المسحية عن حالة التعليم في البلاد الإسلامية.
يضاف إلى ذلك التنظيم الرشيد الذي وضع لهذا المؤتمر والضمانات المختلفة التي تضافرت على إنجاحه وتوفيقه، فقد عقد هذا المؤتمر في مكان أحسن اختياره، إنه مكان محبب إلى قلب كل مسلم ونعني بذلك مكة المكرمة مهبط الإسلام وحصنه الحصين. وتعتبر توصيات المؤتمر على جانب كبير من الأهمية باعتبارها خلاصة جهد المؤتمر وعمله، ولما يرتجي منها من إثارة الوعي والاهتمام بالتعليم الإسلامي من ناحية وتوجيه مساره في الطريق الصحيح من ناحية أخرى.
وقد انتهى المؤتمر إلى 38 توصية تدور كلها حول ما فيه خير التعليم الإسلامي وترسم له اتجاهات تطويره وإصلاحه.
وقد وضع المؤتمر التربية والتعليم في مكانها الصحيح من الأهمية البالغة في حياة الأمم، وعبر عن إحساسه بعظم المسئولية الملقاة على كاهل علماء المسلمين وقادة الفكر والعاملين في ميدان التربية والتعليم في دعم التضامن الإسلامي وخدمة قضايا المسلمين. كما عبر المؤتمر في توصياته عن إحساسه بعدم الرضا عن الأوضاع التعليمية الحالية السائدة في معظم البلاد الإسلامية لأنها لا تمثل الصورة الصحيحة للإسلام.
وأكد المؤتمر أن العلوم المختلفة من طبيعية ورياضية وإنسانية نظرية كانت أو تجريبية أو تطبيقية كلها علوم إسلامية، ما دامت متفقة مع الإطار الإسلامي الصحيح وما دامت لا تنحرف إلى استخدامها في الفساد والشر والعدوان. وبهذا التأكيد وضع المؤتمر حدا لما يثار عادة من تقسيم العلوم في الإسلام إلى علوم إسلامية وغير إسلامية أو علوم عقلية ونقلية، وأن الأولى ليست مرغوبة بنفس درجة الثانية.
وقد أبرز المؤتمر التربية الإسلامية ودورها في تنشئة الإنسان المسلم الذي يعبد الله ويعمر أرضه ويستثمرها ويسخر ما أودعه الله فيها من ثروات، وأكد المؤتمر أيضا على دور التربية الإسلامية في تقوية الروابط الإسلامية بين المسلمين ودعم قضاياهم وتضامنهم الإسلامي. وهذه ولا شك عناصر رئيسية في أهداف التربية الإسلامية. وكنا نود أن يولي المؤتمر اهتمامه للعناصر الرئيسية الأخرى التي تكون المفهوم الحضاري الشامل للتربية الإسلامية ومنها على سبيل المثال أن التربية الإسلامية تربية إسلامية عالمية تقوم على الأخوة في الإسلام فالمسلم أخو المسلم. والرسالة الإسلامية رسالة إنسانية موجهة إلى الخير وما فيه الخير وهي رسالة عالمية للناس قاطبة. ومنها أيضا أن التربية الإسلامية تربية متجددة فهي تمتد من المهد إلى اللحد وتتجدد مطالبها بتجدد أحوال الناس لأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
وفي توصيات المؤتمر عن مصادر المعرفة في التصور الإسلامي يرد تقسيمها
إلى نوعين:
أ- الوحي وذلك في الجوانب التي يعلم الله سبحانه وتعالى أن الإنسان لا يهتدي فيها إلى الحق من تلقاء نفسه.
ب- العقل البشري وأدواته في تفاعله مع الكون المادي نظرا وتأملا وتجربة وتطبيقا في الأمور التي تركها الله سبحانه وتعالى لاجتهاد هذا العقل.
وهناك بالطبع مصادر أخرى للمعرفة غير هذين النوعين كنا نحب ألا يغفلها المؤتمر ما دام قد تعرض لهذه القضية، ومنها حواس الإنسان من سمع وبصر وحس، فقد خلق الله هذه الحواس ليهتدي بها الإنسان وجعله مسئولا عنها:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} .
وهناك أيضا النقل عن السلف وهو مصدر هام للمعرفة في الإسلام فقد كان للسلف فضل اجتهادهم وتجاربهم، ويعتبر ذلك مصدرا هاما لمعرفتنا المعاصرة، وهناك أيضا القياس والاجتهاد، وهناك تحفظ على اعتبار الوحي مصدرا للمعرفة ذلك الوحي خاص بطبقة محدودة من الناس هم طبقة الأنبياء ومن في مرتبتهم. ولا يمكن أن نتصور المسلم العادي يعتمد على الوحي في الحصول على المعرفة التي تأتي من عند الله سبحانه وتعالى، ويتصل بذلك أيضا الكلام عن "الحدس" أو الإلهام الإلهي وهو بالطبع شيء مختلف عن الوحي. ويمكن الرجوع في هذا الكتاب إلى الكلام عن مصادر المعرفة في الإسلام.
وقد أشارت التوصيات إلى ضرورة الأخذ بمفهوم متكامل للتربية الإسلامية يقوم على تربية الجسم والعقل والنفس وهو ما يؤكد تكامل النظرة إلى الطبيعة الإنسانية في التربية الإسلامية وهي ناحية على جانب كبير من الأهمية تتحرر بها التربية الإسلامية من النظرة الثنائية أو الجزئية للطبيعة الإنسانية والتي سادت على تفكير المربين في الغرب قرونا طويلة.
وكنا نود أن تشير التوصيات إلى بلوغ الكمال كهدف رئيسي للتربية الإسلامية. ومع أن الكمال لله وحده إلا أن الإنسان خليفته على الأرض وعليه
أن يشد الكمال وأن يسعى إليه وله في هذا السعي لذة والكمال الإنساني أمر يفرضه أيضا كمال الدين الإسلامي نفسه باعتباره الدين الذي أتم به الله علينا ديننا وأكمل به نعمته علينا. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} وهو أمر أيضا تفرضه طبيعة الرسالة الإسلامية "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وقد أكد المؤتمر تأكيدا كبيرا على تدريس العلوم الإسلامية والاهتمام به في كل المراحل ولا سيما مرحلة التعليم العام. وهي نقطة في غاية الأهمية نظرا لتفاوت الدول الإسلامية في درجة الاهتمام بتدريس هذه العلوم في مراحل تعليمها المختلفة. ويجب أن نتذكر أن الإسلام دين ودولة وهو أسلوب متكامل للحياة ويجب أن تأخذ العلوم الدينية نصيبها من الاهتمام في المناهج المدرسية بل وفي الحياة المدرسية بصفة عامة.
كما أكد المؤتمر على ضرورة تبني فكر إسلامي أصيل في مختلف العلوم يبتعد بهذه العلوم عن كل ما هو دخيل أو غريب على الإسلام وهي أيضا نقطة هامة لأن الثقافة الإسلامية بالرغم من أن أصولها واحدة إلا أنها لم تسلم من الشوائب التي علقت بها.
وقد وضع المؤتمر اللغة العربية في البلاد الإسلامية في مكانها الصحيح فنادى بضرورة العناية بتعليمها لأنها مفتاح فهم القرآن والدين، وأوصى المؤتمر باعتبار اللغة العربية مادة إجبارية في كل العالم الإسلامي. وهذا في الواقع هو المسار الصحيح للوحدة الإسلامية. وعروبة القرآن بمعنى نزوله بلسان عربي مبين تحتم على كل مسلم أن يعرف اللغة العربية. وبدون أي خلط بين تفضيل عربي على عجمي تقول بأن اللغة العربية هي تمام كمال المسلم بل ومن تمام دينه.
وهناك تخوف من إرسال البعثات العلمية الدراسية إلى الخارج فأشارت التوصيات إلى قصر هذه البعثات على التخصصات النادرة بعد مرحلة الليسانس نظرا لما يتعرض له الشباب في الخارج من فتنة جارفة في عقيدته. وهذه التوصية تستحق في الواقع وقفة طويلة بعض الشيء لعدة أمور منها:
أولا: أرجو ألا يفهم من هذه التوصية أنها دعوة ضد الدراسة في الخارج
أو أنها ضد الانفتاح الفكري والثقافي للعالم الإسلامي على تجارب وعلوم المجتمعات الأخرى، لأن العالم الإسلامي كما هو معروف بلغ قمة ازدهاره بانفتاحه على الثقافات الأخرى.
ثانيا: أن الرحلة في طلب العلم كانت دائما سمة مميزة لسلفنا الصالح من علماء المسلمين، والأمثلة على ذلك لا يعيها الحصر، فقد كان العلماء يرتحلون في طلب العلم سنين طويلة يتلقونه على أهله وثقاته. قد يقال إن سلفنا كان يتلقى العلم عن أيدي علماء المسلمين فالمسلمون يتعلمون عن المسلمين وهذا صحيح إلا أن تراثنا الإسلامي لم ينكر تلقي العلم وأخذه على يد غير المسلمين من العلماء أو أن يرتحل في طلبه إلى أقاصي البلاد "اطلبوا العلم ولو في الصين" بل إن الرسول عليه السلام قبل أن يعلم الكفار واليهود أبناء المسلمين، وكان يفك أسر من يعلم منهم عشرة من صبيان المسلمين كما هو معروف. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجد غضاضة أو حرجا في الاستعانة بخبرة دليل مشرك هو عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق أثناء هجرته هو وأبي بكر من مكة إلى المدينة.
ثالثا: أن العلم لا وطن له وحيثما يزدهر نوع من العلوم التي يحتاج إليها المسلمون لتضيف إلى قوتهم فإنه ينبغي أن يحرصوا على تحصيلها، وإذا كان من يتعلم لغة قوم يأمن شرهم فإن تحصيل علومهم من باب أولى إذا كان فيها ما يخدم مصالح المسلمين في إطار الإسلام الصحيح. قال صلى الله عليه وسلم:"الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها".
رابعا: أن التخوف من فتنة طلاب البعثات الدراسية أو فرض القيود عليها إنما تكون بوضع الضمانات التي تكفل تحقيق الأهداف التي تنشدها منها. وفي مقدمة هذه الضمانات حسن اختيار العناصر الصالحة من الطلاب وتوفير الرعاية المالية والاجتماعية لهم أثناء دراستهم وتوفير المكان المناسب والمرتب المناسب لهم بعد عودتهم. هو ما أشارت إليه التوصيات فيما بعد. وأعتقد أن هذه هو الطريق الصحيح لحسن توجه بعثاتنا الدراسية إلى الخارج.
وهذه الملاحظات لا تقلل بالطبع من أهمية التوصيات التي تعتبر بحق نقطة
تحول هامة في الانتقال بالتعليم الإسلامي والتربية الإسلامية من مرحلة الدراسات التاريخية التي تقوم على دراسة تطور التربية الإسلامية عبر العصور إلى مرحلة تطوير التعليم الإسلامي المعاصر ليكتسب صورته الإسلامية الصحيحة. وهناك توصيات أخرى كثيرة لم نشر إليها ولها أهميتها الكبرى تتعلق بتعليم المرأة بما يتناسب مع طبيعتها ورسالتها في الحياة ومنها ما يتعلق بتعليم أبناء المسلمين في فلسطين المحتلة وتعليم الأقليات الإسلامية في الدول المختلفة وضرورة العمل على مساندة كل الجهود التي تبذل من أجل العناية بتعليم هذه الأقليات ودراسة أحوالهم وغيرها من الجوانب الأخرى الهامة التي ينبغي قراءتها والرجوع إليها في تقرير المؤتمر وتوصياته.
وإني أعتقد أن الحل العملي لتنفيذ هذه التوصيات كان من صنع المؤتمر عندما حالفه التوفيق بإنشاء مركز عالمي للتعليم يسمى المركز العالمي للتعليم الإسلامي بمكة المكرمة ليقوم بتنفيذ هذه التوصيات. وإنني أدعو الله مخلصا أن أرى هذه التوصيات وقد أخذت طريقها إلى حيز التنفيذ لتعيد للإسلام مجده الذي فقدناه عندما فرطنا في أمرنا وقد آن الآوان لينهض العالم الإسلامي ويحتل مكانته {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} .