الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكمال الإنساني:
يرى ابن مسكويه أن الكمال الإنساني يعتمد على قوتين في نفسه. قوة عالمة تدفع الإنسان إلى الاشتياق إلى تحصيل المعارف والعلوم وقوة عاملة يحتاج إليها الإنسان في تنظيم أموره وتسييرها. وهذه القوة هي التي تتعلق بالكمال الأخلاقي. وإذا كانت القوة العالمة تتعلق بالنظر والفكر والعقل وتحصيل المعارف فإن القوة الثانية تتعلق بأسلوب عمل الإنسان وسلوكه. ولا يتم الكمال الإنساني إلا بتمامهما معا. لأن العلم مبدأ والعمل أو السلوك تمام له. والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والتمام بدون مبدأ يكون مستحيلا. والواقع أن علماء المسلمين قد أكدوا على ضرورة ارتباط العلم بالعمل واعتبروهما وجهين لعملة واحدة. فلا علم بدون عمل ولا عمل بدون علم وهو ما سبق أن فصلنا الكلام عنه.
ويرى ابن مسكويه أن كمال المرء في تميزه عن غيره في أفعال خاصة به لا يشاركه فيها غيره. فكمال الفرس أو الحصان على سبيل المثال هو في هيئته المميزة له وفي قوته وسرعة عدوه. فإذا فقد كمال هيئته وقوته وسرعته فإنه يكون قد فقد كماله كحصان. وكذلك النجار كما له في إتقان صنعته فإذا فقد إتقانه فإنه يفقد كماله كنجار ويصبح إنسانا عاديا.
وهو يرى أن الناس يتفاوتون في الرفعة والوضاعة والشرف والخسة بمقدار اتباعهم للعقل وتحقيقهم لخيرهم وسعادتهم. وأعلى مراتب النفوس تلك التي تخلصت من شهوات البدن وأهوائه وأخذت في تجلية مرآتها حتى تستطيع أن ترى فيها تجلي إشراقات النور الإلهي. وأدنى مراتب النفوس النفوس الضالة التي لا هم لها إلا إشباع الجسم ونزواته. ولهذا صدأت مرآتها فعجزت عن رؤية تجلي النور الإلهي. والفاضل أو الكامل من الناس من يحرص على إعلاء سلطة العقل فوق شهوة الحس.
ويرى ابن مسكويه أن السعادة والفضيلة لا تتحقق عن طريق الزهد والعزلة وابتعاد الفرد عن مخالطة الناس وهو ما يفعله الرهبان المسيحيون والصوفية من
المسلمين. ولا بد من العيش مع الناس ومعاشرتهم والتعامل معهم حتى يظهر المرء ما لديه من فضائل. وبدون ذلك تصبح الفضائل لا قيمة لها. فكيف يطبق الإنسان العدل بدون التعامل مع البشر؟ وكيف يظهر عفته وهو بمعزل عن الناس والبشر؟ وكيف يمارس أي نوع من الفضائل ما لم يحتك بالناس ويتعامل معهم؟ فالفضيلة تتكشف بالممارسة والتعامل مع البشر. ويعرض ابن مسكويه للفضيلة الزائفة التي لا تصدر عن طبع وسجية ونفس خالصة بعيدة عن الرياء والمداهنة. فقد يعمل بعض الناس على الظهور بمظهر العدل وليسوا بعادلين، أو الظهور بمظهر العفة وليسوا بعفيفين. وقد يتظاهرون بالكرم أو السخاء وليسوا بكرماء أو أسخياء، وبالجود أو البر وليسوا من أهله. وهكذا في كل الفضائل والأخلاق الحميدة. ومن هنا كان من الضروري أن يتطابق مظهر الفضيلة مع مخبرها حتى تكون صادقة وإلا اعتبرت زائفة غير حقيقية. وكثير من الناس في واقع حياتهم يتظاهرون بما ليس من حقيقة نفوسهم الداخلية. وهم يتدرجون تحت صفات الغش والخداع والرياء والنفاق حتى لو اكتسوا بثوب الفضيلة. وقد صدق الشاعر حين قال:
ثوب الرياء يشف عما تحته
…
فإذا التحفت به فإنك عار
وقال شاعر آخر:
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة
…
فلا خير في ود يجيء تكلفا