الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7-
ابن خلدون وآراؤه التربوية:
722هـ-808هـ 1322م-1406م
يعتبر ابن خلدون من أئمة علماء العرب ومن أشهر علماء المسلمين الذين تعددت شهرتهم حدود بلادهم وطوقت الآفاق. وقد ولد عبد الرحمن بن خلدون 732هـ - 1322م في تونس وتوفي 808هـ - 1046م في القاهرة، ومقبرته لا تزال موجودة حتى الآن. ودرس العلم وحصله على أيدي علماء كثيرين. وإلى جانب اشتغاله بالعلم اشتغل بالسياسة وخاض غمارها وجرب المصائب والمؤامرات والحروب كان لا يستقر في مكان واحد. فقد أمضى ما يقرب من ثلث حياته "24" سنة في تونس وثلث آخر في المغرب والأندلس وثلث ثالث في الشام والحجاز ومصر. وقد وصف مصر بأنها حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم ومدرج الذر من البشر وإيوان الإسلام وكرسي الملك. وتقلد بعض الوظائف بينها خطة المظالم أي القضاء، وصار وزيرا وسفيرا وخطيبا ومدرسا ودرس بالجامع الأزهر أستاذا وشيخا من شيوخ رواق المغاربة فيه. وسافر بعدها لأداء فريضة الحج وعاد إلى القاهرة وتولى منصبه الذي يشغله من قبل وهو القضاء المالكي الذي تولاه في مصر أكثر من مرة.
وقد نشأ ابن خلدون في أسرة جمعت بين العلم والرياسة والسلطان. فقد تولوا في تونس مراتب عليا في الدولة وشاركوا في الكثير من حروبها دون أن تنقطع صلتهم بالعلم والأدب. وفي ظل هذه البيئة العائلية كما يقول ساطع الحصري تولد في نفسه نزعتان قويتان: حب المنصب والجاه من ناحية وحب الدرس والعلم من ناحية أخرى.
وقد كانت حياة ابن خلدون مليئة بالهموم فقد هلك أبواه في الطاعون الجارف الذي اكتسح وطنه وقضى على كثير من العلماء والشيوخ وكان عمر ابن خلدون آنذاك 17 عاما، وهكذا حرم من والديه في ريعان الشباب. لم يعرف
الاستقرار طول حياته فقد كانت مليئة بالقلاقل وكانت أشد صدمة عليه ما حدث لزوجته وولديه وبناته الخمس عندما كانوا في طريقهم إليه من المغرب إلى القاهرة فغرقت بهم السفينة ولم ينج منهم إلا ولداه. حدث ذلك في وقت كان فيه ابن خلدون لا يحسد عليه. وفي ذلك يقول: "ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد. وصلوا من المغرب في السفن "السفينة" فأصابها قاصف من الريح فغرقت وذهب الموجود والسكن والمولود فعظم المصاب والجزع ورجع الزهد".
ولابن خلدون مؤلف معروف بعنوان كبير هو كتاب "العبر وديوان المتبدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" وهو في سبعة أجزاء أشهرها الجزء الأكبر الذي يعرف بالمقدمة وهي مقدمة ضخمة يرتبط بها من سلطان. وكانت هذه المقدمة منهلا لطلاب العلم في كل فن وعرض فيها لكل أنواع العلوم المعروفة في عصره وعرض فيها للعلوم والتعليم في الأمصار الإسلامية وعرض لآرائه في التربية والتعليم.
وقد نقل ابن خلدون في مقدمته عن كثيرين غيره وهو يورد فيها عبارات توضح ذلك مثل
…
ويعبر الحكماء عن كذا أو على ما ذكره الحكماء، وتبين في كتب الحكماء
…
وهكذا.
ويشير ابن خلدون في مقدمته أيضا إلى جالينوس في كتاب منافع الأعضاء وينقل عنه وقوله الذي يقارن فيه بين الإنسان والحيوان: "ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته. وجعل للإنسان عوضا عن ذلك
…
الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر. والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوان للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف عن المخالب الجارحة
…
كما يشير إليه وغيره في كتب التشريح. ويشير إلى بطليموس في كتاب الجغرافيا وينقل عنه تقسيمه للأرض كما يعتمد على المشاهدة والأخبار والمتواترة
الآراء التربوية لابن خلدون:
الواقع أن كثيرا من الآراء التربوية التي عبر عنها ابن خلدون وردت عند من سبقوه في الكلام عن هذا الموضوع من أمثال ابن سحنون القابسي والغزالي وغيرهم. وسنعرض في السطور التالية لأهم آرائه في التربية.
كلمة التربية:
وردت كلمة "التربية" عند ابن خلدون مرة واحدة في كلامة في الفصل "34" عن مراتب الملك والسلطان وألقابها يقول "ص235":
"إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل لما يقع في ذلك من مجانسة خلقهم لخلقه فتتم المشاكلة في الاستعانة". قال تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} وواضح أن المقصود بالتربية هنا معناها اللغوي الذي ينصرف إلى التنشئة وليس إلى معناها الاصطلاحي الذي نقصده عادة.
العلم والتعليم طببيعي في العمران البشري:
يقول ابن خلدون: إن الإنسان مدني بالطبع، وهي عبارة ترددت قبل أكثر من ثلاثة قرون ونصف عند ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق وعند العالم الإسلامي الشافعي الكبير أبي الحسن الماوردي "توفي 450هـ" في كتابه "أدب الدنيا والدين ص:132" وعند الراغب الأصفهاني "توفي 502هـ" في كتابه الذريعة إلى أحكام الشريعة، وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين. وهو ما سبق أن أشرنا إليه.
يقرر ابن خلدون أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري ذلك لأن الإنسان تميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيئ لذلك التعاون وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله
تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمنا من الصنائع. وهو يقرر في فصل آخر أن الصنائع تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته وأن العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة.
الرحلة في طلب العلم:
يقرر ابن خلدون أن الرحلة في طلب العلم مفيدة ولا بد منها لما فيها من اكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومعاشرة الرجال، وقد أشرنا إلى تفصيل كلامه عن ذلك في موضع سابق.
القرآن أصل التعليم:
ذهب ابن خلدون كسابقيه إلى القول بأن القرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي، فالقرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل من الملكات.
اختلاف الأمصار الإسلامية في تعليم القرآن:
يقارن ابن خلدون بين الأمصار الإسلامية في تعليم القرى، واختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات. فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط. وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حمله القرآن فيه، ولا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه، ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة. وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن تجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة. وكذا في الكبير إذا راجع مدرسة القرآن بعد طائفة من عمره. فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم. أما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو1 وهذا
1 أي يعلمونهم الكتابة من حيث هي على الإطلاق لا رسم فقط واختلاف حملة القرآن فيه كما يفعل أهل المغرب.
هو الذي يراعونه في التعليم.
إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك ورأسه، ومنبع الدين والعلوم وجعلوه أصلا في التعليم. فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجود الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى التشبيبة وقد شدا بعض الشيء في العربية والشعر والبصر بهما. وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم. لكنهم ينقطعون عند ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم، ولا يحصل بأيديهم إلا كما حصل من ذلك التعليم الأول، وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد العلم. أما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن، واستظهار الولدان إياه، ووقوفهم على اختلاف رواياته، وقراءاته أكثر مما سواه، وعنايتهم بالخط تبعا لذلك. وبالجملة فطريقتهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس، لأن سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين أجازوا عند تغلب النصارى على شرق الأندلس، واستقروا بتونس، وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك.
وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما بلغنا ولا أدري بم عنايتهم منه. والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن التشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون على انفراده، كما نتعلم سائر الصنائع، يتداولونها في مكاتب الصبيان. وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط قاصر عن الإجادة. ومن أراد تعلم الخط فعلى ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته.
فأما أهل إفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة كما أن البشر
مصروفون عن الإتيان بمثاله، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العرب، وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام. وربما كان أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في فصله.
أما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقتصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبا.
تقديم تعليم العربية وتأخير تعليم القرآن: "طريقة ابن العربي".
يشير ابن خلدون إلى طريقة ابن العربي في تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم وتأخير البدء بتعليم القرآن بعد أن يكون المتعلم قد تعلم العربية وهي وسيلته في فهم القرآن. ويقول ابن خلدون في تفصيل هذه الطريقة "ص507": "ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم، وأعاد في ذلك وابدأ. وقدم اللغة العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس قال: "لأن الشعر ديوان العرب ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة. ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين. ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة". ثم قال: "ويا غفلة أهل بلادنا أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمره غيره أهم عليه" ثم قال:"ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه". ونهى مع ذلك أن
يخلط في التعليم علما إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط ويمتدح ابن خلدون هذه الطريقة ويعتبرها مذهبا حسنا في التعليم لكنه يستدرك فيقول: إن العادات المتبعة في التعليم لا تساعد على اتباع هذه الطريقة والأخذ بها لأن العرف درج على البدء بتعليم القرآن. وفي تفسير ذلك يقول "ص507-508": "ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب. وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح التشبيبة فألقته بساحل البطالة. فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المطلب الذي ذكره القاضي أولى مما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء، لا معقب لحكمه، سبحانه".
تعليم اللغة أساس لتعليم سائر الفنون:
اعتبر ابن خلدون تعليم اللغة أساسا لتعليم سائر الفنون، وهذا صحيح لكنه قال: إن اللغة الدارجة أهون على التعبير ولذا نصح بتعليم اللغات الدارجة إلى جانب اللغة العربية وهو رأي غريب لا يمكن أن نوافقه عليه لما يؤدي ذلك إلى التقليل من شأن اللغة العربية التي تعتبر الربط الثقافي والفكري لكل البلاد العربية.
تعليم اللسان العربي:
يؤكد ابن خلدون في تعليم اللسان العربي على كثرة حفظ كلام العرب وأشعارهم والتمرن على النسخ على منوالهم حتى يصبح اللسان العربي سليقة: يقول ابن خلدون: "المقدمة: ص526""ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة "ملكة اللسان العربي" ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم
الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم. ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عبارتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة. ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب، وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال.
ويشير ابن خلدون إلى أن مجرد معرفة قوانين النحو والإعراب لا تكون ملكة اللسان العربي ويشرح ذلك فيقول:
"فإن العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس هو نفس العمل. ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابه سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامه أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا تجد كثيرا من يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئا من قوانين صناعة العربية "المقدمة ص725".
ويقارن بين أهل الأندلس وأهل المغرب في تعليم اللسان العربي فيقول: "أهل صناعة العربية بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم، لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم، والتفقه في كثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم
فتنقطع النفس لها ويستعد إلى تحصلها وقبولها".
وأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا أن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه. فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان، وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم، لكنهم أجروها على غير ما قصد بها، وأصاروها علما بحتا، وبعدوا عن ثمرتها "المقدمة ص528" وقد امتدح كتاب سيبويه لأنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط بل لأنه مملوء بأمثال العرب وأشعارهم، كما امتدح طريقة أهل الأندلس التي أشرنا إليها لأنها أقرب إلى تعليم هذه الملكة من الاهتمام بكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم.
الفلسفة صناعة باطلة:
اعتبر ابن خلدون الفلسفة صناعة باطلة لأن الفلاسفة يزعمون أنهم يعرفون كل شيء والعالم أوسع من أن يحاط به.
سمو التعليم النظري:
ردد ابن خلدون ما ذهب إليه أفلاطون من سمو تدريب العقل على الجسم فاعتبر ابن خلدون التعليم النظري أرقى من تعلم الفنون العملية لأن التعليم النظري يقوم على العقل. وهو رأي وإن ساد الفكر التربوي ردحا من الزمن إلا أنه بمعايير الفكر التربوي المعاصر لا يمكن قبوله.
التعليم في الصغر أشد رسوخا:
يردد ابن خلدون ما قاله الغزالي وغيرهم من المربين المسلمين أن التعليم في
الصغر أشد رسوخا وأنه أصل لما بعده.
الشدة مضرة بالمتعلمين:
يكرر ابن خلدون ما أكده سابقوه من الرفق بالمتعلم لأن الشدة مضرة به، وقد بين ضرر الشدة على المتعلم وما يترتب عليه من آثار ضارة فتسلمه إلى التبلد والكذب والخبث. ويقول ابن خلدون "المقدمة ص508-519":
"ومن أحسن مذاهب ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: "يا أحمد إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه. فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، واخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجلس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
التدرج في التعليم:
نادى ابن خلدون بما نادى به سابقوه من مراعات التدرج في تعليم الصبيان ومراعاة قدراتهم. إلا أنه يتميز عن سابقيه فيما ذهب إليه بالقول مبدأ التكرارات الثلاثة في عملية التعليم. وتشير هذه التكرارات إلى ثلاث مراحل متدرجة في التعليم.
يكون التعليم في المرحلة الأولى إجمالا وفي الثانية تفصيلا وفي الثالثة تعميقا بدراسة ما استشكل في العلم ووسائل الخلاف فيه. ويقول ابن خلدون في ذلك:
"إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا
فشيئا وقليلا قليلا. يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، يقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية ضعيفة. وغايتها أنها هيأته لفهم الفن، وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر أن له ما هناك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات. وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه".
ويعيب ابن خلدون على المعلمين الذين يجهلون الطريقة الصحيحة للتعليم أنهم يقدمون للمتعلم في أول عهده بالتعليم المسائل الصعبة أو المشكلة مما يعوق تعليمه. يقول ابن خلدون:
"وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه
…
فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا. ويكون المتعلم في أول الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال بالأمثلة الحسية.
عدم إطالة الفواصل الزمنية بين الدروس:
نادى ابن خلدون بعدم إطالة الفواصل الزمنية بين دروس العلم الواحد حتى لا ينسى المتعلم ما سبق أن درسه.
الاختصارات في العلوم مخلة بالتعليم:
من الإشارات التربوية الهامة لدى ابن خلدون أيضا قوله بأن الاختصارات المؤلفة في العلوم تعتبر في نظره مخلة بالتعليم. وهي نظرة سليمة من ابن خلدون لما يترتب على هذه الاختصارات من إخلال بالعلم.
التعليم يكون بالمحاورة ولا الحفظ:
يؤكد ابن خلدون أن الطريقة الصحيحة في التعليم هي التي تهتم بالفهم والوعي والمناقشة لا الحفظ الأعمى عن ظهر قلب، ويشير إلى أن "ملكة العلم" إنما تحصل بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة في مواضع العلم.
وهو يعيب طريقة الحفظ عن ظهر قلب ويعتبرها مسئولة عن تكوين أفراد ضيقي الأفق عقيمي التفكير لا يفقهون شيئا ذا بال في العلم. وهو يشير في ذلك إلى الطريقة التي اتبعت في المغرب، فيقول في المقدمة "ص398".
"وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حس التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم فيهم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم. وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب من شأنها ويحصل مرامها. فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم، وما آتاهم القصور إلا من قبيل "رداءة طريقة" التعليم وانقطاع سنده. وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك. ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين. وهذه المدة بالمدارس على المتعارف هي أقل ما
يأتي فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها. فطال أمدها في المغرب لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك".
وقد تردد هذا القول في القرن العشرين لدى بعض الباحثين الغربيين الذين قاموا بدراسات التعليم الحديث في المغرب وذهبوا إلى القول بأن الطفل المغربي بعد دراسته الأولى في المدارس القرآنية يذهب إلى المدرسة العامة الحديثة وهو يتمتع بقدرة فائقة على التذكر تنطفئ معها قدرتها على التخيل والتصور والتفكير الناقد1.
والواقع أن المربين المسلمين قد اهتموا بأسلوب المناظرة والحوار في التدريس واعتبروه أسلوبا مفضلا مجديا في التعليم. يقول الزرنوجي إن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من قضاء شهر بأكمله في الحفظ والتكرار.
وقد احتاط المربون المسلمون من سوء استخدام المناظرة والحوار بأن له بعض الشروط التي تجعل منه أسلوبا فعالا للتعلم والبحث العلمي من أهمها أن يكون هدف المناظرة الوصول إلى الحقيقة لا التضليل وحب الانتصار بالباطل. كما يشترط في المتناظرين الإلمام بموضوع المناظرة والتحلي بالهدوء وسعة الصدر وعدم التكلف وغيرة الصدر. ومع أن أسلوب المناظرة هو أقرب إلى الدراسات العالية فإننا نجده صورة مبسطة منه في أسلوب الحوار أو النقاش الذي يديره المعلم مع تلاميذه ليحفزهم على التفكير.
1 نقلا عن: D. Wanger في دراسته التي قدمها إلى:
The Annual Meetings Of The Middle East Studies Association: Symposium On Traditional Factors In Modern Morocco.، Ann Arbor، Michigan، Nov. 1978