الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نسيا منسيا
…
ولما كان هذا ثلما في الدين معما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب، إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وأيضا لمناحي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين".
وقد قسم كتاب الإحياء إلى أربعة أجزاء أو أقسام: الربع الأول خاص بالعبادات وقد ذكر فيه آدابها وسننها وأسرار معالجتها. والربع الثاني خصصه للعادات، وقد احتوى على أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها. والربع الثالث خاص بالمهلكات وعرض فيها إلى الأخلاق المذمومة من حيث حدها وحقيقتها والأسباب التي تتولد عنها الآفات التي تترتب عليها والعلاقات التي تعرف بها وطرق معالجتها وتزكية النفس عنها وتطير القلب منها. وخصص الربع الأخير للمنجيات وفيه عرض للأخلاق الحميدة والخصال المرغوبة.
الغزالي ناقل عن ابن مسكويه وغيره من المسلمين والإغريق:
اعترف الغزالي صراحة بأنه نقل عن ابن مسكويه في كتاب تهذيب الأخلاق ويقول زكي مبارك "ص58": إنه نقل حرفيا عن أبي طالب المكي المحاسبي وغيره من رجال الصوفية. كما أنه تأثر بفلاسفة الإغريق ولا سيما أفلاطون ونقل عنهم. والواقع أن الغزالي استقى آراءه الفكرية والثقافية من روافد شتى وقع تحت تأثيرها. وإلى جانب ما أشرنا إليه للتو نورد هنا ما يذكره ابن تيمية عنه. يقول ابن تيمية: "إن من أساتذة الغزالي أبو المعالي مؤلف "الإرشاد" "والشامل" وأن الغزالي احتفظ بكثير من الشبه بينه وبين الباقلاني. أما في أصول الفقه فلم يكن ابن تيميه يوقره في شيء لأنه كان يرى أنه -لفرط وفائه لتعاليم الباقلاني- كان متأثرا بأبي زيد الدبوسي في فهمه لنظرية القياس المنطقي. وكان الغزالي في الفلسفة تلميذا لابن سينا ولإخوان الصفا كما كان تلميذا لأبي حيان التوحيدي في التصوف. وقد ضلع منه الغزالي وذاعت شهرته إلا أن أصالته كانت مقتبسة في بعضها من الحارسي المحاسبي وفق أبي طالب المكي الذي أثر بكتابه "قوت القلوب" في الإحياء تأثيرا شاملا "هنري لاودست: 219". كما استفاد الغزالي أيضا من رسالة القشيري "المرجع السابق: 81".
وينبغي أن نشير إلى أنه بالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهها ابن تيمية إلى الغزالي فإنه كان يقدر تماما أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير في كثير من الأحيان إلى ما ورد في "الإحياء"، و"كيمياء السعادة"، و"التفرقة" و"المستظهر"، و"المقاصد"، و"المستصفى"، و"الرد على الباطنية" ويستخدم ذلك في كتاباته. وكان الغزالي أول من تلقى منه ابن تيمية تاريخ الفرق الإسلامية والفلسفة وكان حجته في الجدل الكلامي في مناسبات عديدة
…
كما اقتبس منه كل مصطلحات المنطق التي استخدمها
…
وتمييزه بين التصديق والقصور ومنطقة في المفهوم وفي الحكم وفي الاستنباط الفقهي "المرجع السابق: 220".
الغزالي والتربية:
جاءت آراء الغزالي في التربية انعكاسا لآرائه الفلسفية الصوفية. من ذلك أنه رأى أن الهدف من التربية هو مساعدة الفرد على التقرب إلى الله والعمل للحياة الآخرة. كما دعا إلى الأخذ بأساليب الخشونة والتقشف والبعد عن ملذات الحياة حتى تلك التي أحلها الله من جميل اللباس وطيب الطعام ومتعة الحياة. وقد تناول الغزالي موضوع التربية بفكر واضح يبدو فيه تأثره بأفلاطون وأرسطو ففي كلامه عن الفضيلة مثلا يقول: إنها الاعتدال والتوسط بين أركان النفس الأربعة وقواها، وهي:
- قوة الغضب واعتدالها الشجاعة.
- قوة الشهوة واعتدالها العفة.
- قوة الحكمة والإفراط فيها مضر.
- قوة العدل والإفراط فيها أيضا مضر.
وفي كلامه عن القلب يخلط بينه وبين النفس والعقل ويقول عنه: "إنه لطيفة ربانية روحانية لها تعلق القلب وهذه اللطيفة هي حقيقة الإنسان لأنه الجزء المدرك فيه". وفي كلامه عن العقل يقول عنه: "إنه القلب نفسه أو تلك اللطيفة الربانية" ويقول عنه أيضا: إنه صفة القلب لأنه جاء من النفس الناطقة، التي
تنقسم إلى عقل علمي يرتبط بالدوافع والانفعالات والقوى المحركة للجسم وعقل نظري هو آلة الإدراك. وتأثر من ناحية أخرى بابن مسكويه في كتاب "تهذيب الأخلاق" الذي تأثر فيه بدوره بالفلاسفة الإغريق. ولكن الغزالي حاول المزاوجة والتوفيق بين من نقل عنهم وبين الإسلام ويشير في قوله عن الحكمة إلى قول الله عز وجل: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} .
الغاية من التربية:
يعتبر الغزالي أن الغاية من التربية هي التقرب إلى الله عز وجل، والدليل على ذلك طلب العلوم ومحاسن الأخلاق، وفي ذلك يقول: على المعلم أن ينبه المتعلم على أن الغرض من طلب العلوم هو التقرب إلى الله دون الرياسة والمباهاة.
وغاية الأخلاق عنده حب الله وحب لقائه والبعد عن الدنيا، وهو يقول:"مهما كان الأب يصون ولده من نار الدنيا فليصنه عن نار الآخرة أولى وصيانته أن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق".
ولم يرفض الغزالي الهدف التربوي التثقيفي من التعلم، ففي كلامه عن قيمة دراسة العلوم يذكر من بين ما يذكر مدى منفعتها للإنسان في تثقيفه واستمتاعه وتدخلها في حياته الاجتماعية، ومثل لها بالشعر والتاريخ والسياسة وقد جعل العلم طريقا للإيمان ففي كلامه عن الإيمان يقسمه إلى ثلاث مراتب:
1-
إيمان العوام الذين يصدقون ما يسمعون مثل من قيل لهم فلان بالدار فصدقوا.
2-
إيمان العلماء وهو مبني على استنباط ومثاله أنهم سمعوا أو رأوا ما يدل على أن فلانا بالدار فصدقوا.
3-
يقين العارفين الذين يشهدون الحق دون حجاب ومثاله هم الذين دخلوا الدار ورأوا بأعينهم وهم الأنبياء والرسل ومن في مراتبهم.
تقسيم العلوم والمنهج التعليمي:
قسم الغزالي العلوم إلى أربعة أنواع:
- الأصول وتشمل القرآن الحدث.
- الفروع وتشمل الفقه.
- المقدمات وتشمل ما لا غنى عنه في دراسة الأصول مثل النحو واللغة.
- المتممات وتشمل القراءات والتفسير.
ومن حيث قيمتها يقسمها الغزالي إلى:
- علوم مذموم قليلها وكثيرها مثل علوم السحر والطالع والتنجيم لأنه لا يرجى نفع منها في الدنيا والآخرة.
- علوم محمود قليلها وكثيرها وهي العلوم الدينية لأنها تطهر النفس وتقرب الإنسان من ربه.
- علوم قليلها وكثيرها مذموم لأنها تشكك الإنسان مثل الفلسفة قد تؤدي إلى الإلحاد وهو هنا يحمل على الفلسفة التي ألف لها "تهافت الفلاسفة".
ومن حيث أهمية العلوم يقرر الغزالي أنها تقسم إلى نوعين:
- ما هو فرض عين على كل فرد وهي العلوم الدينية لأنها الأساس إلى معرفة الله وهي فرض على كل واحد.
- ما هو فرض كفاية وهي التي ليست مفروضة على كل فرد مثل علوم الحساب والطب والصناعات.
ويعتمد تقسيم علوم المنهج على نظرة الغزالي إلى أهمية العلوم. ويعتبر أن أساس معرفة العلوم يعتمد على عدة معايير أهمها:
1-
مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدينية وتقربه من الله.
2-
مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من حيث خدمتها لعلوم الدين وهي علوم النحو واللغة.
3-
مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدنيا مثل علم الطب والحساب والطبيعة.
4-
مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من تثقيفة واستمتاعه وتدخلها في حياته
الاجتماعية مثل الشعر والتاريخ والسياسة.
وهكذا يقسم المنهج عند الغزالي إلى:
- العلوم النقلية وهي العلوم المنقولة من السلف وهي علوم القرآن والحديث.
- العلوم اللسانية وهي العلوم التي تخدم أمور الدين.
- العلوم العقلية بما فيها الفلسفة والتي قسمها إلى خمسة فروع هي الرياضيات والعلوم المنطقية والطبيعيات والسياسيات والخلقيات.
العقل عند الغزالي:
يرى الغزالي أن العقل يعجز عن الوصول إلى أحكام جازمة في الدين. لأن العقل في جوهره متناه ومن ثم لا يقدر على إدراك غير المتناهي. وقد أثر هذا التشكك الفلسفي الذي اصطنعه الغزالي في قدرة العقل على المذهب العقلي في الفلسفة. ويقول محمد إقبال في تجديد الفكر الديني في الإسلام "ص10" بأن هذه الدعوة التي نهض بها الغزالي تكون دعوة للتبشير بمبدأ جديد مثلها في ذلك مثل الدعوة التي قام بها الفيلسوف الألماني "كانط" في القرن الثامن عشر. وهي الدعوة التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره. إلا أن هناك فارقا هاما بين الغزالي وكانط. ذلك أن كانط تمشى مع مبادئه تمشيا لم يستطع معه أن يثبت أن معرفة الله ممكنة. أما الغزالي فعندما خاب رجاؤه في الفكر التحليلي ولي وجهه شطر الرياضة الصوفية ووجد فيها مكانا للدين مستقلا عن العلم وعن الفلسفة الميتافييزيقية. وهذا يذكرنا بما قاله "برتراند راسل" أستاذ الفلسفة كما أفهمها شيء وسط بين اللاهوت أي الدين والعلم. فهي كاللاهوت تتكون من تكهنات حول أمور تكون المعرفة فيها غير يقينية. وهي في نفس الوقت كالعلم تخاطب العقل الإنساني.. فالمعرفة المحددة تنتمي إلى العلم والعقيدة تنتمي إلى الكهنوت والدين
…
وبين العلم والدين والكهنوت جزيرة لا تنتمي إلى أيهما، لكنها تهاجم من كليهما.. هذه الجزيرة هي الفلسفة". "محمد منير مرسي: فلسفة التربية، ص14".
الغزالي وديكارت وكانط:
الغزالي سابق لديكارت الفيلسوف الفرنسي المعروف بما يزيد عن خمسة قرون وسابق لكانط الفيلسوف الألماني المعروف الذي أشرنا إليه بما يقرب من سبعة قرون. ومن المعروف عن ديكارت أسلوبه الفلسفي الذي يقوم على الشك المنهجي للوصول إلى اليقين. وأثر عنه عبارته المشهورة في ذلك "أنا أفكر.. إذن أنا موجود" CAGITO ERGO SUM وهو الأسلوب الذي حاول الدكتور طه حسين استخدامه في دراسته المثيرة للجدل عن الأدب الجاهلي.
وهناك رأي يقول بأن ديكارت تأثر في شكله المنهجي بالغزالي. كما أن كانط في دعوته التي تقوم على نقد العقل وبيان عجزه وقصوره عن إدراك الحقيقة الإلهية متأثر أيضا بالغزالي. ولهذا الرأي ما يبرره فقد كانت علوم المسلمين هي الغذاء العقلي لأوربا ومفكريها وعلمائها وجامعاتها آنذاك.
وقد أشرنا في مكان آخر من هذا الكتاب إلى ما يقوله محمد إقبال في كتابه عن التجديد الديني في الإسلام إلى أن الفكر الأوربي أتى عليه حين من الدهر تلقى فيه وحي النهضة من العالم الإسلامي وأن الثقافة الأوربية في جانبها الفعلي ليست إلا إزدهارا لبعض الجوانب الهامة في ثقافة الإسلام. ومن الثابت المعروف أن كثيرين من علماء الغرب من أمثال "روجر بيكون" مدينون فيما حصلوه من العلوم للعلماء المسلمين وللجامعات الإسلامية في الأندلس. ويقول محمد إقبال إن القسم الخامس من كتاب "روجر بيكون" cepus maius الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب "المناظر" لابن الهيثم "965م-1039م" وكتاب بيكون في جملته شاهد ناطق على تأثره بابن حزم. وقد سبق أن أشرنا في هذا الكتاب إلى تأثير كثير من علماء الغرب بأفكار علماء المسلمين ومنهجهم التجريبي.
المعرفة عند الغزالي:
تناول الغزالي الكلام عن المعرفة ولها في نظره صفتان رئيسيتان:
أ- أنها نسبية:
فقد ذهب الغزالي إلى القول بأن المعرفة نسبية وهي تستند إلى الأمثلة المألوفة الملموسة فيقول: هب أن نفرا من العميان لم يروا الفيل قط بل ولم يعرفوا له وصفا وفي يوم علموا بمجيء هذا الحيوان ويودون تكوين فكرة عنه، فيتحسسون هذا الحيوان. ويقع أحدهم على رجل الفيل، والآخر على نابيه، والثالث على أذنه. ثم يطلب منهم أن يصفوه فيقول أحدهم إن الفيل شبيه بالعامود ويرفض الثاني هذا الرأي ويقول مؤكدا: إن الفيل كالوتد ويذهب ثالث إلى أن الفيل كالخيمة الكبيرة.
وهكذا يصف كل منهم الفيل حسب العضو أو المكان الذي لمسه، والحق بجانب كل واحد منهم لأن كلا منهم صدق في قوله ولكن غاب الكل عن علمهم وهذا صحيح بالنسبة إلى معظم المسائل التي نبحثها.
ب- قال الغزالي بأنه ليس من الضروري أن تكون كل الحقائق بما يؤديها العقل فهناك من الحقائق ما يعجز عن الوصول إليها. وليس مما يخالف الصواب في نظره وجود افتراض قائل بوجود دائرة أخرى فوق دائرة العقل، وإن شئت فقل دائرة التجلي الرباني. ونحن وإن كنا نجهل سنن تلك الدائرة ونواميسها جهلا تاما فإننا نجد الكفاءة في قدرة العقل على الاعتراف بإمكاناتها.
الإدراك عند الغزالي:
وفي كلام الغزالي عن الإدراك يقسمه إلى إدراك حسي وإدراك معنوي أو نفسي. والإدراك الحسي يتعلق بالعالم المادي ويدرك بالحواس أما الإدراك النفسي فيتعلق بالعالم الخفي عالم الملك والملكوت. إلا أن الإدراك النفسي محدد بقيود الجسم ولذا يجب أن يتحرر منها بالتطهر الجسمي والمادي. وواضح مدى تغلب النزعة الصوفية على فكر الغزالي في هذا التفسير.
الأخلاق عند الغزالي:
دون الغزالي علم الأخلاق وفلسفته في كتابه إحياء علوم الدين والكتب
المشابهة له مثل كتاب "كيمياء السعادة" الذي ألفه باللغة الفارسية وهو لا يختلف عن كتاب "الإحياء" شكلا أو موضوعا غير أنه يختصر فيه الموضوعات التي يفصلها في الإحياء.
ويقوم علم الأخلاق عند الغزالي على روح إسلامية صوفية. وقد أطلق عليه أسماء متعددة مثل علم طريق الآخرة وعلم صفات الأخلاق وأسرار معاملات الدين وأخلاق الأبرار. ويقصد به تكييف النفس إلى ما رسمته البشرية وخططه رجال المكاشفة من علماء الإسلام ومن سبقهم من الأنبياء والصديقين "زكي مبارك: ص113".
وعلم الأخلاق عند الغزالي علم معاملة لا مكاشفة، بمعنى أنه يبحث في الأعمال وفيما ينبغي على المرء أن يفعله ليكون سلوكه موافقا لروح الشريعة.
وأمارات حسن الخلق في نظر الغزالي هي التي تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم. وعلى الإنسان الذي يريد أن يعرف محاسن أخلاقه أن يقيس صفاته بما ورد في القرآن الكريم. وقد نظر الغزالي إلى الفضيلة على أنها حالة التوسط والاعتدال بين رذيلتين وحدين متقابلين تطبيقا للمبدأ القرآني خير الأمور الوسط فاعتدال الغضب "الشجاعة" توسطا بين التهور والجبن واعتدال الشهوة "العفة" توسطا بين الشره والجمود واعتدال العقل "الحكمة" توسطا بين الخبث والبلاهة. ومعيار الاعتدال في نظره يقوم على العقل والشرع.
أمهات الفضائل:
إن أمهات الفضائل عند الغزالي أربعة:
- الحكمة وهي حالة للنفس يمكن بها تمييز الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.
- الشجاعة وتكون بانقياد شهوة الغضب للعقل في إقدامها وإحجامها.
- العدل وهي حالة للنفس أن تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة.
- العفة وتكون بتأديب قوة الشهوة بتأديب الشرع والعقل.
وهذا التقسيم هو نفس تقسم ابن مسكويه الذي سبق أن أشرنا إليه. وقد نقله الغزالي عنه.
الوسيلة إلى الأخلاق الحسنة:
إن الوسيلة إلى الأخلاق الحسنة في نظر الغزالي هي التخلق أي بتعويد النفس على الخلق الحسن وقد قسم الناس إلى أربعة أقسام:
قسم يمثله الإنسان الطفل الذي لا يعرف الحق من الباطل والقبيح من الحسن وهو أكثر الأقسام قبولا للرياضة والتوجيه. ولا يحتاج إلا إلى مرشد وإلى باعث يحمله على الاتباع.
- قسم يمثله الإنسان الذي يعرف القبيح من الحسن لكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فيقدم عليه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه.
- قسم يمثله الإنسان الذي يرى القبيح حسنا وجميلا. ويرى الغزالي أن هذا النوع لا يرجى صلاحه إلا على الندرة.
- قسم يمثله الإنسان الذي يتباهى بفساد خلقه وفساد أمره وكثرة شره. وهذا الصنف هو أصعب المراتب في مجاهدة النفس وتعويدها على الأخلاق الكريمة.
ويقول الغزالي: إن كل ذي بصيرة نافذة يرى عيوبه ويسهل عليه علاجها يصلحها إذا رأى فيها اعوجاجا ويكون علاج عيوب النفس بمجاهدتها وتعويدها على فعل الضد. أي أن الرذائل تعالج بضدها، فالبخل مثلا يعالج بالسخاء والجهل والتعليم والتكبر بالتواضع وهكذا.
الأخلاق قابلة للتغيير:
يرى الغزالي أن الأخلاق قابلة للتغيير عن طريق رياضة النفس وتزكيتها وتهذيبها. وهو يورد رأي من قال بأن الأخلاق غير قابلة للتغيير. وحجتهم في ذلك أن الخلق صورة الباطن والخلق يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى.. وكذلك حسن الخلق.. من مقتضى المزاج والطبع. وهو يرد على هذا