الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عصره:
عاش ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري والنصف الأول من القرن الثامن الهجري. وكانت هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية التي عاشها ابن تيمية فترة تفكك وانقسام للدولة الإسلامية إلى ممالك ودويلات صغيرة يحكمها أمراء من العجم لا يخضعون لسلطان الخليفة في بغداد.
ويقول المقريزي في "تاريخ السلاطين": كانت تربية الأمراء "الأتراك والمماليك" عسكرية بحته وكان إلمامهم باللغة العربية ضئيلا وعلمهم بالإسلام ضحلا وكانت لغتهم هي اللغة التركية واقتصرت معلوماتهم عن الإسلام عن المبادئ الأولية التي لقنهم إياها فقهاء معينون لهذا الغرض.
والسلاطين الذين عاصرهم ابن تيمية هم: بيبرس 658-676هـ وبركة خان "676-678هـ" وشلامش 678هـ وقلاون "678-689هـ" وخليل بن قلاون "689-693هـ" ومحمد بن قلاون "693-694هـ" وكنيفا "694-696هـ" ولاجين "696-698" ومحمد بن قلاون "698-708هـ" وبيبرس الثاني "708-709هـ" ومحمد بن قلاون "709-741هـ" ومن الخلفاء عاصر ابن تيمية خليفتين هما الحاكم "661-701هـ" والمستكفي الثاني "701-740هـ".
ومن المعروف أن الخلافة قد سقطت في بغداد عام 656 بعد غزو التتار لها واستيلائهم عليها وتدميرها وتخريبها. وانتقلت الخلافة إلى مصر واستولى التتار على دمشق سنة 658هـ وهدوا مصر. ولكن الله سبحانه وتعالى قد
مكن مصر من صد التتار واستطاع رجالها أن يوقفوا زحفهم بل وأجلوهم عن دمشق وغيرها من المدن السورية تحت قيادة الظاهر بيبرس وقبله قطز من حكام المماليك. ويقول الشيخ محمد أبو زهرة إن مصر أنقذت العالم من شر التتار بدمها ومالها فكانت حقا كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصم الله ظهره "محمد أبو زهرة: ابن تيمية 137".
وخلال هذه الفترة خيم الضعف على المسلمين وعجزوا عن مقاومة أعدائهم الصلبيين والتتار. كما خيم على الحياة الثقافية الركود والجمود نضوب معين الفكر فقفل باب الاجتهاد وشاعت الخرافات والبدع والشعوذة والغش في المعاملات وانتشرت الفاقة وعم الفقر وأهملت الفرائض والعبادات كالصلاة وحل محلها الأوراد والأذكار "هنري لاوست: 202".
ومن المعروف أن ابن تيمية عاش في دمشق والقاهرة في ظل حكم المماليك الذي تميز نظام حكمهم بالسيطرة والاستقلال والتخلف. ولذلك تعتبر آراء وأفكار ابن تيمية الدينية والسياسية بمثابة رد فعل واحتجاج على هذه الأوضاع فقد حرص على أن يستبدل نظام الحكم الذي يقوم على الاستقلال الاجتماعي من جانب أقلية عسكرية بمبدأ أسمى للتعاون الجماعي الذي يحقق للإسلام مجده الغابر "المرجع السابق ص203".
يقول الشيخ محمد أبو زهرة "1977: 208" كان عصر ابن تيمية يموج بالاضطراب السياسي والمنازعات الحربية. كما كان يسوده التقليد والاتباع في عامة أبواب العلم. وكان الحنابلة الذين انتمى إليهم يخالفون الجمهور في استمساكه بآراء الأشاعرة فكان لذلك نزاع. وكان التصوف يسيطر على العامة في مصر والشام. فجرد ابن تيمية عليه سيف الدليل وناقشه الحساب. وكان الشيعة يتغلغلون في الربوع الإسلامية يبثون فيها أقوالا مخالفة لما تقرر لدى السلف. وقد تصدى ابن تيمية لهم وبين ما في آرائهم من فساد.
لم يكن تلقي العلم في عصر ابن تيمية من أفواه الرجال فقط كما كان الحال في عصر أبي حنيفة ومالك. بل كان تلقيه كما هو في عصر تدوين العلم الكتب يدرسها طالب العلم ويفحصها وينقب فيها ويمعن النظر فما حوته إلى
جانب الرجال أيضا يوجهون ويلقنون ويتخرج العالم عليهم. "محمد أبو زهرة: 111".
وكان ابن تيمية إلى جانب تلقيه العلم عن أبيه وعمه قد تتلمذ على يد شيوخ وفقهاء كثيرين يزيد عددهم في تقدير بعض المؤرخين عن مائتين. منهم الجبائي وأبو القاسم الإسكافي وإسحاق الإسقراييني وابن الجوزي خطيب بغداد وواعظها.
وقد تابع تعليمه في مدارس القرآن والحديث والفقه بدمشق. وتخرج في المدارس الحنبلية فقد كان للحنابلة مدارس خاصة بهم مثل المدرسة الجوزية والمدرسة السكرية والمدرسة العمرية "محمد أبو زهرة: ابن تيمية 26". ويقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي في مقدمته لتفسير سورة الإخلاص لابن تيمية، إن ابن تيمية درس في المدرسة السكرية بدمشق وتخرج منها كما تخرج والده من قبل. "ابن تيمية: ص4".
وقد ربى ابن تيمية نفسه تربية عالية فتعلم العلوم الرائجة في عصره ولم يترك بابا من أبواب العلم إلا اتقنه. وقد قال فيه أحد معاصريه "قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد". "المرجع السابق: 28".
وقد بلغ من سعة اطلاع ابن تيمية في التفسير أنه كما يقول هو عن نفسه ربما طالعت على الآية الواحدة مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم، وأقول يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأفرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني "المرجع السابق: ص6". ودرس الفقه والحديث على أكبر شيوخه ودرس علوم اللغة كلها على يد شيوخها حتى وصل إلى درجة مكنته من نقد سيبويه إمام النحاة القدماء أمام أبي حيان كبير النحاة في عصره. وكان اهتمامه بدراسة فقه اللغة العربية لأهميته في تفسير نصوص القرآن الكريم والحديث تفسيرا صحيحا. كما درس العلوم العقلية على يد ذوي المهارة فيها. فدرس المنطق وعلم الكلام دراسة فاحصة.
ولقد درس ابن تيمية المؤلفات الرئيسية التي صنفها علماء العقيدة
السنيون منها "المقالات" للأشعري وكتاب "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم وكتاب الشهرستاني عن الملل والنحل أيضا. وقد استأثرت نظريات الأشاعرة باهتمام ابن تيمية لأنها كانت سائدة ويعتنقها الغالبية. وكان موقفة من أبي الحسين الأشعري يتسم بالاحترام والتقدير وذلك لموافقته مذهب السنة والحديث في صفات الله تعالى والقدر والإمامة وفضائل والصحابة والشفاعة والصراط والميزان ولما له من ردود على المعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية وبيان تناقضهم "هنري لاوست: 216".
كما درس ابن تيمية الأصول الفلسفية التي بنت عليها الفرق الإسلامية المنحرفة مذاهبها ومناهجها أو حاولت أن تستعين بها لتأييد انحرافها. درس ذلك كله. ثم تقدم للميدان مناظرا بالقول. فأرهفت المناظرة قواه وزادته إيمانا بقضاياه فإن المناظرة تنير السبيل في فكر المناظر. وقد تهديه إلى حقائق لما كان ليهتدي إليها وهو في هدأة التفكير والتجرد النفسي. فإن احتكاك الأفكار المتضاربة يؤلق بينها برقا منيرا "محمد أبو زهرة: 121" وفي هذا درس مستفاد لنا ولأبنائنا مفاده أنه لكي نحمي عقيدتنا من أعدائها ينبغي عليها أن ندرس فكرهم وثقافتهم حتى نستطيع أن نرد عليها. وإذا كان قد ورد في الأثر "من تعلم لغة قوم أمن شرهم" فإن اللغة هي الوعاء الثقافي لأي أمة أو جماعة ومن هنا فإن دراسة ثقافة هذه الجماعة إذا كانت مغرضة ضد الإسلام تكون واجبة لحماية عقيدتنا والدفاع عنها.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن ابن تيمية كان على معرفة باللغة العبرية وفي ذلك يقول ابن تيمية، والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب حتى صرت أفهم كثيرا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة العربية "مجموع الفتاوى ج4 ص110. الرياض 1381هـ".
ونجد في مؤلفات ابن تيمية إشارات إلى الغزالي وكان يقدر عاليا أهمية إنتاجه الضخم ومقدار فضله عليه. وكان يشير كثيرا إلى ما ورد في كتب
الغزالي ومنها "الإحياء" و"كيمياء السعادة" و"المستظهر" و"المقاصد" و"المستصفى" و"الرد على الباطنية". ومع ذلك فقد وجه ابن تيمية انتقادات عديدة للغزالي رغم أنه يسميه بحق أستاذنا ويبدي إعجابه بما جاء في نظرياته من الأمور الحسنة والكثير من القيم السامية والقيم الأخلاقية منقطعة النظير.
يدين ابن تيمية بكثير للإمام الشافعي أيضا وهو يشير إلى كتاب "الأم" وأحيانا إلى سنته وإلى كتاباته الجدلية
…
وكان يمجده بوصفه مؤسسا لعلم أصول الفقه "هنري لاوست: 256-257".
لقد كان ابن تيمية مضرب المثل في غزارة العلم وسعة الاطلاع. وكان أول ثلاثة قال فيهم الشاعر:
ثلاثة ليس لهم رابع
…
في العلم والتحقيق والنسك
وهم إذا شئت ابن تيمية
…
وابن دقيق العيد والسبكي
"محمد خليل هراس: 185".
الفتوى الحموية الكبرى.
حقق ابن تيمية شهرة مدوية في الحياة السياسية من خلال قضية تتعلق بالعقيدة. فقد طلب إليه أهل حماة سنة 698هـ 1298م إبان إقامته في سوريا فتوى شرعية يبين لهم فيها صفات الله وطبيعتها وأوفق طريقة لفهم العلاقة بين الذات والصفات
…
وفي ربيع الأول من عام 698هـ عكف ابن تيمية في عصر يوم واحد كما يقول كتاب سيرته على كتابه إجابة مطولة في ست ورقات من الحجم المتوسط خلدت بعد ذلك في التاريخ باسم "العقيدة الحموية الكبرى"
…
وكانت كتابة مثل هذه المؤلفات التعليمية بواسطة الأفراد عادة قديمة في الإسلام استلزم ظهورها عدم وجود سلطة مختصة بتحديد العقيدة الرسمية في الدولة مما
حدا بكل عالم أن يحدد جوهر عقيدته. "هنري لاوست: 270" وكان لهذا الفتوى دوي هائل وأثارت موجة من الاحتجاجات من معارضيه واضطهد بسببها.
اختصام الناس فيه:
اختصم الناس في ابن تيمية واشتد اختلافهم حوله. بل لعل تاريخ الإسلام في عصوره الوسطى والأخيرة لم يشهد شخصية اختلف الناس اختلافهم في ابن تيمية أو كان لها من كثرة الخصوم والأنصار ما كان له. فهو -كما يقول محمد خليل هراس "ص7"- في نظر فريق من الناس شيخ الإسلام وقدوة الأنام وأحد المجددين للدين وزعيم النهضة الإسلامية الحديثة. قمع البدعة وأظهر السنة ورجع بالناس إلى طريقة السلف الأول من الصحابة والتابعين
…
وهو في نظر فريق آخر من المسلمين ضال مضل وكافر ملحد يشبه الله بخلقه ويصفه بأنه مستوٍ على عرشه وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يتكلم بحرف وصوت. كما اختصموا في كونه فقيها حنبليا وهو ما أشرنا إليه في مكان آخر. ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة هذا المعنى الخلافي حول شخصيته فيقول: "إن ابن تيمية في محاولته إعادة الإسلام إلى مجده الأول وإزالة ما علق به من غبار وما شابه من أفكار غريبة عنه أثار إعجاب كثيرين كما أثار غضب وعداوة كثيرين أيضا. وقد انقسم الناس إزاءه إلى ثلاثة أقسام. فريق شايعه وناصره ورفعوه إلى أعلى مراتب الاجتهاد وفريق قاومه ونازله ومنهم من كفره وفريق خالفه. "محمد أبو زهرة: 31".
تأثره بالصوفية:
يقول هنري لاوست المستشرق الفرنسي إن للصوفية تأثيرا كبيرا على فكر وآراء ابن تيمية لكن مع اجتهاد منه. فقد أدمج جميع العوامل الوجدانية التي جاء بها الصوفية في مذهبه وهي المحبة والذوق والمعرفة الحدسية والإلهام والمكاشفة الداخلية. ويقول أيضا نقلا عن ابن تيمية أن الصوفية أسسوا مذهبهم على "الإرادة" كما بنى أهل الحديث مذهبهم على السنة وعلماء الكلام على العقل. وهو يرى أن المبدأ الصوفي الوحيد الذي سن عليه ابن تيمية حربا لا هوادة
فيها كان وحده الوجود عند ابن عربي "هنري لاوست:233". كما أنه يرى أن ابن تيمية كان متأثرا بالصوفية لا على طريقة ابن عربي وإنما على طريقة الصوفية الأخلاقية التي تتجلى في الحاجة إلى الحياة الوجدانية المنظمة والتي تسمح بأن تضم إلى الشجاعة الناقذة المستقلة معنى التفاني الجارف من أجل الجماعة "المرجع السابق 264".
معادات لمنطق أرسطو:
كان ابن تيمية معاديا للفلسفة اليونانية ولمنطق أرسطو وخصه بمؤلفات لبيان خطئه منها: "الرد على المنطقيين" و"نقض المنطق" ومنها ما بثه في ثنايا مؤلفاته. وهي جميعا تنطق بمعارضة ابن تيمية للمنطق الأرسطاليسي وانتقاده للفقهاء والأصوليين الآخذين به "هنري لاوست: ص158 - هامش".
لقد قام ابن تيمية بنقد الفلسفة اليونانية ونقد أرسطو مؤيدا حججه بالأدلة والبراهين. وكان في موقفه من النقد متزنا معتدلا. فهو يفرق بين الطبيعيات والرياضيات والإلهيات. وهو يعترف بصحة معظم مسائل الطبيعيات والرياضيات. وفي ذلك يقول: " نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد". كما يقول "لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية. وهذا بحر علمهم وله تفرغوا وفيه ضيعوا زمانهم.
والجانب الهام الذي يعارض فيه ابن تيمية فلاسفة اليونان هو جانب "الإلهيات" فهو يؤكد عجز فلسفة اليونان عن إدراك سر الإلهيات وفقرها وقلة بضاعتها وفي ذلك يقول: للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم أجمل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها. وكلام أرسطو معلمهم فيه كثير الخطأ "أبو الحسن الندوي: ص169. نقلا عن معارج الوصول لابن تيمية ص186".
وفي مكان آخر يقول ابن تيمية "تفسير سورة الإخلاص ص57": "وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدا وأما ملائكته وكتبه ورسله فلا يعرفون ذلك البتة ولم يتكلموا فيه ولا ينفي ولا بإثبات. وإنما تكلم في ذلك المتأخرون الداخلون في الملل". ويقول في مكان آخر الرد على المنطقين
ص394، وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء التبة وليسوا قريبين منه. بل كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بالأمور الإلهية.
وهو يفرق بين المتقدمين من فلاسفة اليونان مثل فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وبين المتأخرين منهم أمثال أرسطو فيقول: إن الأساطين الأوائل من فلاسفة اليونان ويقصد بهم الثلاثة الذين سبق ذكرهم كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشام ويتلقون عن لقمان الحكيم ومن بعده من أصحاب داود وسليمان عليهما السلام. ولذلك كانوا أقرب إلى فهم الحقائق الغيبية ومعرفة المفاهيم الدينية. أما أرسطو فلم يسافر إلى أرض الأنبياء ولم يكن عنده من العلم بالأنبياء ما عند سلفة. وكان عنده قدر يسير من الصابئية الصحيحة فابتدع لهم هذه التعاليم القياسية وصارت قانونا مشي عليه اتباعه. "أبو الحسن الندوي: 1987: ص173: نقلا عن نقض المنطق لابن تيمية: ص113".
اختلافه عن الغزالي:
إن ابن تيمية في دراسته للفلسفة يختلف عن الغزالي. فقد درس ابن تيمية الفلسفة وما عند الفلاسفة لا ليطلب الحقائق من ورائها بل ليبين بطلان ما يعارض الدين منها
…
أما الغزالي فقد درس الفلسفة ليطلب الحقيقة من روائها. وخلص نفسه من كل شيء ليصل إلى الحق المستقيم واعتبر الشك هو الطريق للوصول إلى الحق. ولكن تبين له بطلان ما يقوله الفلاسفة. فعاد إلى الدين وأشرق في نفسه نور الحقائق في خلوات صوفية عرف فيها نفسه ثم حمل حملته على الفلاسفة وبين تهافتهم "محمد أبو زهرة 1977: 237".
ابن تيمية والتربية والتعليم:
لم يتناول ابن تيمية الكلام عن التربية بمعناها المدروس المعروف الضيق وإنما اتجه إلى معالجة القضايا الكبرى للعقيدة الإسلامية ودرسها دراسة متسفيضة في ضوء القرآن الكريم والسنة والنبوية الشريفة وما ورد عن الصحابة والسلف والصالح. كما قام بالتعليم والتدريس داخل السجن وخارجه. وهو بهذا يكون أكبر مرب للأمة الإسلامية كلها. ففي فكره وعلمه واجتهاده وآرائه نور
وهداية للمسلمين جميعا. كما أن شخصيتة وما تتمتع به من صفات تعتبر قدوة ونبراس لأبناء المسلمين. قد تبين من عرضنا السابق مكانة الرجل العلمية والثقافية التي أهلته لأن يكون باعث النهضة الإسلامية في عصره.
ومن هنا فإننا سنتناول في السطور التالية الكلام عن قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه وعن صفات ابن تيمية ومضاميتها التربوية ثم نعرض لبعض الموضوعات الهامة التي طرقها وتناولها ورأيه فيها. وهو ما يعتبر في حد ذاته مؤشرات تربوية للعمل التربوي.
أولا: قيامه بالتدريس داخل السجن وخارجه:
يذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية ص73 نقلا عن الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي صاحب "الكواكب الورية" فيما يرويه الشيخ علم الدين البرزالي معاصرا ابن تيمية وزميله إذ يقول: "ولما دخل ابن تيمية الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه كالشطرنج والنرد مع تضييع الصلوات. فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء. وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه. ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده". كما اشتغل ابن تيمية قبل وبعد خروجه من السجن بالتدريس واستفاد من دروسه ومجالسه الكثيرون وأعجب الناس بعلمه الفياض وإخلاصه في خدمة العقيدة الإسلامية.
ثانيا: صفات ابن تيمية ومضامينها التربوية:
كان ابن تيمية يتمتع بصفات طيبة حباه بها الله. وفي مقدمتها الذاكرة أو الحافظة القوية الواعية التي كانت موضع حديث عصره. وهذا يعني أن تحصيل العلم والنبوغ فيه إنما يعتمد على حافظة واعية قوية. وبهذا يتكون لدى المتعلم بالتدريج مخزون علمي وثقافي يساعده على النمو والنضج وبلورة فكره والوصول إلى استنتاجه الخاصة. وقد يؤدي به ذلك في النهاية إلى أن
تتكون لديه شخصية علمية متميزة مستقلة. وهذا ما نحتاج إليه في تربية أبنائنا إذا كان لهم أن يتفوقوا علميا وثقافيا وتربويا وتكون لهم شخصياتهم المتميزة.
ومن صفاته أيضا الشجاعة الأدبية فقد كان يجابه العلماء بما يوحيه فكره وما يعتقد أنه حق وصواب يعلنه بين الناس بعد طول الفحص والدراسة خصوصا ما يكون مخالفا كما جرى عليه الناس.
ومن صفات ابن تيمية أيضا العمق والتأمل في دراسة المسائل الفقهية والدينية. بل ربما قضى الليالي متفكرا في مسألة واحدة حتى يحل مغلقها وينتهي إلى الأمر الحازم فيها. وكان يتأمل الآيات والأحاديث وقضايا العقل. ويوازن ويقايس بفكر مستقيم حتى ينبلج له الحق واضحا. ولذلك كان من أدق العلماء وأقدرهم على استنباط المعاني من الأحاديث وآيات القرآن الكريم "محمد أبو زهرة: 97". وهذه صفة العالم الحق وينبغي على المعلمين والمربين والآباء وكل المعنيين بتربية النشء أن يحثوا شبابنا على الاقتداء بهذه القدوة الجليلة وأن يشجعوهم في مجال الدراسة وتلقي العلم على إعمال الفكر والتعمق والتأمل في دراسة الأمور حتى تنمو لديهم هذه السمة العقلية الهامة التي لا غنى عنها لكل إنسان في عالمنا المعاصر. وليس الهدف أن يصبح كل متعلم على مستوى ابن تيمية في هذه الناحية ولكل نسعى إلى حثه على أن يصل فيها إلى أقصى ما تسمح به استعداداته وتكوينه العقلي. وبهذا تنفتح أمام المتعلم أسرار العلوم ودقائقها. ذلك أن العلم لا ينفتح لمتعلم عابر ولا يكشف عن مكنوناته وجواهره لمتعجل سطحي.
ومن صفات ابن تيمية الاستقلال الفكري وهي أبرز صفاته في تكوين علمه وشخصيته. وهو في كل ما يصل إليه من علم وفكر ورأي لا هادي له إلا كتاب الله وسنة رسوله وآثار السلف الصالح من الصحابة وكبار التابعين "محمد أبو زهرة: 19" وما أحوجنا نحن المربين إلى تنمية هذه الصفة الحميدة في نفوس أبنائنا وشبابنا في مدارسنا وجامعاتنا.
وشتان بين الإمعة الذي يقول أنا مع الناس أي أنه فرد في القطيع وبين
صاحب الفكر المستقل. ولا يعني الفكر المستقل مخالفة الآخرين كهدف وإنما يكون الفكر مستقلا عندما يتسم بالعقلانية والموضوعية والبعد عن التعصب والتوصل إلى الآراء أو النتائج أو الأحكام التي تستند إلى الأدلة والحقائق والبراهين وليس على العواطف أو الأهواء. ومن صفات ابن تيمية أيضا الإخلاص في طلب الحق. فقد كان إدراكه للأمور مستقيما لا عوج فيه. ولا شيء يضلل العقل ويجعله يحيد عن طريق الهداية أكثر من الغرض والهوى والتواء المقاصد.
وقد أخلص ابن تيمية في طلب الحقيقة فأدركها وأخلص في نصرة الحق في هذا الدين. وقد وصل إخلاصه وتفانيه في طلب الحق إلى حد الجهاد في سبيله وتحمل هوان السجن والصمود على الضر وتحمل ألوان شتى من الكيد والإيذاء من خصومه وأعدائه. ونخرج من ذلك نحن المربين بنتيجة مفادها أنه ينبغي توجيه شبابنا سواء في دور العلم أو العبادة إلى الإخلاص في طلب العلم والحق وألا يتكاسلوا ويقنعوا من الغنيمة بالإياب. ولكل مجتهد نصيب.
ومن الصفات الأخرى لابن تيمية حضور البديهة وقوة فراسته وفصاحة لسانه وقدرة بيانه والشجاعة والصبر وقوة الاحتمال. وهي كلها صفات حميدة ينبغي أن يتحلى بها المسلم عملا بتعاليم دينه. وهي صفات ينبغي على المعلمين في تربيتهم للنشء أن يلفتوا أنظارهم إليها وأن يحثوهم على التحلي بها اقتداء بسلفنا الصالح. "لتفصيل الكلام عن هذه الصفات انظر محمد أبو زهرة 1977: 96-110".
ثالثا: بعض القضايا التربوية الهامة:
نعرض هنا لبعض القضايا الهامة التي تعرض لها ابن تيمية وهي قضايا لها مضامينها التربوية:
1-
المثل الأعلى:
لقد سعى ابن تيمية إلى إيجاد الدعائم الصحيحة للسلوك الإنساني المتفق مع أحكام الشريعة. لقد نظر في دوافع الإنسان ومراميه ووضع مثلا أعلى له يتجه إلى عبوديته لله سبحانه وتعالى وحده وفسر كل أمر بالتزكية في القرآن
بأنها تزكية الأخلاق وكانت اتجاهاته الأخلاقية والوجدانية قرآنية بحتة لا أثر فيها لاتجاهات الصوفية "هنري لاوست: 265".
كما كان ابن تيمية يشعر طوال حياته بالحاجة الملحة إلى تنظيم سلوك الفرد داخل الجماعة. وقد عمق معنى التفاني من أجل الجماعة وطوره إلى درجة تحريم الدعوة إلى الثورة حتى على الحكام الفجرة "المرجع السابق ص232".
2-
العلم والعمل متلازمان:
يرى ابن تيمية أن العلم يقتضي العمل. فلا يكفي علم بلا عمل ولا عمل بلا علم. وهذه نظرة صحيحة إلى قيمة العلم في ارتباطه بالعمل وقيمة العمل في توجهه بالعلم. بل إن الكلمتين تتكونان من نفس الحروف. وقديما قالوا علم بلا عمل وبال وعمل بلا علم ضلال وعلم وعمل كمال. ولا خير في علم لا يعمل به صاحبه وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
يا أيها الرجل المعلم غيره
…
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الغنى
…
كيما يصحوا به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا
…
أبدا وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
…
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
3-
النفس الإنسانية:
إن حديث ابن تيمية عن النفس الإنسانية مستمد من الشرع فهو يرى أن الروح مدبرة للبدن وهي التي تفارق بالموت بعد أن نفخت فيه عند بدء الحياة. وهو يستخدم الآيات والأحاديث التي تشير إلى الروح والنفس بمعنى واحد كمترادفين.. "هنري لاوست: ص110".
ويقال إن النفوس ثلاثة أنواع: وهي النفس الأمارة بالسوء التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي والنفس اللوامة وهي التي تذنب وتتوب لأنها تلوم صاحبها على الذنوب لأنها تلوم أي تردد بين الخير والشر. والنفس المطمئنة وهي التي تحب الخير والحسنات وتبغض الشر والسيئات "المرجع السابق: ص110".
وهذه الصفات للنفس وأحوالها وليست أنواعا مستقلة عن بعضها أو منفصلة قائمة بذاتها.
أما عن علاقة النفس بالبدن ومكانها فيه فإننا لا نعلم مسكنها من الجسد إذ لا اختصاص للروح بشيء منه بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع البدن. فإن الحياة مشروطة بالروح في الجسد. فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة وإذا فارقته الروح فارقته الحياة "المرجع السابق ص111".
4-
حرية إرادة الإنسان:
يرى ابن تيمية أن للإنسان مشيئة وإرادة كاملة تجعله مسئولا عما يفعل. وفي الوقت الذي يقرر فيه ابن تيمية أن عموم الإرادة الإلهية والقدرة الكونية وشمولها لكل شيء ثابت بالنصوص يقرر أيضا أن القدرة الإنسانية ثابتة بالحس والشعور. ولا سبيل لإنكار ما ثبت بالنص ولا مجابهة الحس. وأن الناس بالحس والشعور يتحملون مسئوليات أعمالهم في الدنيا. ولا يحتج بقدره وقضائه وأن القدر لازم لا مناص منه إلا عندما يغالط حسه ويكابر نفسه. فليس لأحد أن يحتج في الذنوب بقدر الله تعالى وعليه ألا يفعلها. وإذا فعلها فعليه أن يتوب منها كما فعل آدم. ولهذا قال بعض الشيوخ اثنان إذنبا ذنبي إبليس وآدم. فآدم تاب فتاب الله عليه واختاره وهداه. وإبليس أصر واحتج بالقدر. فمن تاب من ذنبه أشبه آباه آدم ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس.
5-
الثقة في العقل ليست مطلقة:
كان ابن تيمية يرى أن الثقة في العقل ليست مطلقة لأن العقل قد يخطئ صواب السبيل وقد يغالط في الأحكام والاستنتاجات. لا سيما في مقدمات الحكم على العقائد من حيث سلامتها أو عدم صحتها وخصوصا في متشابه الأمور. ولذلك يأخذ على الفلاسفة والمتكلمين طريقتهم في التفكير والمقدمات التي يبنون عليها النتائج. ويعزو خلافه معهم في النتائج إلى اختلاف الطريقة واختلاف المنهاج "محمد أبو زهرة 1977: 213". وهو لا يهمل العقل وإنما
يجعله تابعا لا متبوعا ومحكوما بالقرآن ومقدماته في الاستدلال لا حاكما على أدلة القرآن ومنهاج القرآن. وبالتالي لا يكون متأولا للقرآن إن خالفه بل عليه أن يتجه إلى القرآن يتفهمه بالفكر وبموازنة القرآن بعضه ببعض. فتأويل القرآن يكون من القرآن لا من أقوال المتفلسفين والمتكلمين وأمثالهم. وهو يلوم الذين يجعلون العقل حاكما على النصوص ويعرض بالغزالي لأنه في بعض أرائه الفكرية نهج ذلك المنهاج "المرجع السابق: 215".
6-
لا تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل:
يذكر أبو الحسن الندوي في كتابه عن ابن تيمية "ص249" أنه أي ابن تيمية كان لا يرى أي تعارض بين صريح العقل وصحيح النقل وأنه لم يعثر على أي تعارض بين العقل والنقل خلال دراسته الطويلة الواسعة بشرط أن يكون العقل سليما والنقل صحيحا ومحفوظا. وقد ألف ابن تيمية في هذا الموضوع كتابا ضخما باسم "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" أثبت فيه بالدلائل وبكل التفاصيل ألا تعارض بين المعقول والمنقول. وتوصل إلى أن الأمور التي ثبتت صحتها بالكتاب والسنة والوحي والنبوة يصدقها العقل الكامل الصحيح.
7-
تقديره لغيره من العلماء وإن خالفهم:
كان ابن تيمية يقدر في غيره العلم وإن كان مخالفا له فهو لا يلعن المخالف ولا يكذبه ولا يرميه بالبهتان ولكنه يعتذر له ويقدره في خلافه ووفاقه. ويرى أن العالم مجتهد والمجتهد يخطئ ويصيب وله أجره في كلا الحالين. وهذه سمة العالم الحق. بل إنه كتب رسالة العنوان: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، يعتذر فيها عنهم إذا جاءت أفواههم مخالفة للسنة الصحيحة بأعذار قوية ترفع عنهم الملام. ويدعو إلى تقديرهم وإكبارهم فيقول:
"يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن وخصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بها في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين. فإن علماءهم
خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنتة. بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه. جميع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها عدم اعتقاده بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. والثاني عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. "محمد أبو زهرة: 1977: 219".
8-
طاعة ولي الأمر في غير معصية:
يرى ابن تيمية أن طاعة ولي الأمر واجبة ما دامت في غير معصية تمشيا مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". ولقوله عز وجل: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . وروى البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". وفي صحيح مسلم عن أم الحصين أنها سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: "وإن استعمل عليكم أسود مجدع يقودكم كتاب الله فاسمعوا وأطيعوا" ويتساءل ابن تيمية هل تجوز الثورة على الظالم أو من يكره الناس على الطاعة في المعاصي؟ ويجيب ابن تيمية على ذلك بالنفي. فهو لا يسوغ الثورة لأنها تؤدي إلى الفتن والفوضى والهدم. ويأمر بالاحتمال مع الصبر. واستقراء التاريخ يبين أن الفتنة لا تقيم عدلا ولا ترفع ظلما. ويرا أن الطريق الصحيح يكون بالإرشاد والموعظة الحسنة والكلمة الحق تقل للظالمين من الحكام أو أولى الأمر مهما يكن ما يترتب عليها من قتل أو سجن أو تعذيب. وهو يرى أن من واجب العلماء إرشاد الحكام الظالمين بكلمات الحق والعدل. وذلك في نظره أخص أعمالهم وألزمها تمشيا مع قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة حق لسلطان جائر". وهو لا يرى مطلقا الدعوة إلى الفتنة أو الثورة لأنها لا تغير من الظلم شيئا فضلا عن أنت نتائجها وخيمة. وهو يورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ولي
عليه وال قرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره مما يأتي من معصية ولا ينزعن يدا عن طاعة".
9-
منع التقرب إلى الله بالموتى وزيارة قبور الصالحين:
لا يسوغ ابن تيمية التقرب إلى الله بالموتى من الأنبياء والصالحين. لأن التقرب إلى الله بالاقتداء بهم والنهج على منهاجهم وليس لأجل أن يستغاث بهم أو يطلب الدعاء منهم؛ يؤدي إلى الشرك بالله
…
وإذا كان الطلب من الموتى ولو كانوا أنبياء ممنوعا خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكانها والعاكفين عليها نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان وفي ذلك يقول: "ومن اعتقد أن في النذر للقبور نفعا أو أجرا فهو ضال جاهل
…
ومن يعتقد أنها باب الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله". ويعلق الشيخ محمد أبو زهرة على هذا الرأي لابن تيمية والحكم بالكفر بأنه مغالاة دفعته إليها حدة الجدال ولو أنه اقتصر على أنه ضلال لا كفر لما كان في ذلك تطرف ولا مغالاة "محمد أبو زهرة 1977: 323".
أما بالنسب لزيار قبور الصالحين فهو يرى أن زيارتها للاتعاظ جائز بل مندوب إليه لأنها عبرة واعتبار وتذكرة واستبصار. أم القصد إلى زيارة قبر رجل صالح بعينه أو نبي بعينه فإن ذلك لا يجوز
…
والأساس الذي بنى عليه المنع هو الأساس الذي بنى عليه عدم دعاء الميت لأنه يرى أن ذلك يؤدي إلى الوثنية والشرك. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يتخذ قبره مسجدا حتى لا يزار ولذلك دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها. فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقد خالف أبو حامد الغزالي وأبو محمد بن قدامة. ابن تيمية في رأيه بمنع زيادة القبور لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "زوروا القبور". "محمد أبو زهرة 1977: 322-324". ويتفق الشيخ محمد أبو زهرة مع ابن تيمية في عدم زيار قبور الصالحين ولكنه يختلف معه بالنسبة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم اختلافا تاما لأن زيارة قبر نبي الوحدانية استشعار لحقيقتها وتقديس لمعناها
…
كما أن الناس يزورون قبر الرسول على مر العصور إلى يومنا هذا. ومع ذلك لا ينظر إليه أحد نظرة عبادة أو وثنية "المرجع السابق: 326".