الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
التربية الإسلامية تربية مثالية واقعية:
تستمد التربية الإسلامية خاصيتها المثالية من الشريعة الإسلامية نفسها. فقد استخلف الله الإنسان في الأرض وجعله خليفته فيها. وفي أصل خلقه فقع فيه من روحه وكرمه على كثير من خلقه. وجعله أشرف مخلوق على الأرض. ومن هنا تنشد التربية الإسلامية السمو بهذا الإنسان وبلوغه درجة الكمال والرفعة بالتدريج. وقد أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن أهداف التربية الإسلامية.
والتربية الإسلامية تربية واقعية، وهي تستمد هذه الخاصية أيضا من واقعية الشريعة الإسلامية. فالتربية الإسلامية. فالتربية الإسلامية تراعي جانب الواقعية في التطبيق تمشيا مع قوله عز وجل {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . ولذلك قامت التكاليف الإسلامية والعبادات على أساس اليسر والسهولة في أدائها والقيام بها. كما قامت على أساس تجنيب الإنسان المشقة والضيق والحرج. قال تعالى في سورة الحج {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} . وقال صلى الله عليه وسلم:"بعثت بالحنيفة السمحاء" إشارة إلى قوله تعالى {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} . كما ورد عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشددوا على أنفسكم يشدد الله عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. فتلك بقاياهم في الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". فلا رهبنة في الإسلام. ومن قبيل المقارنة نشير إلى أن أحد القوانين المنظمة للرهبنة المسيحية وهو قانون "بنيديكت" قد حدد ثلاثة التزامات على المرء أن يخضع لها في ترهبه وهي: العفة والفقر والطاعة. ويتضمن التزام العفة نبذ العلاقة الزوجية والأسرية واستبدالها بروابط
دينية وروحية ويتضمن التزام الفقر التخلي عن كل ثروته وأملاكه للدير ويتضمن التزام الطاعة التخلي عن كل قوة أو جاه أو سلطان والخضوع التام لنظام الدير.
إن حق النفس على الإنسان في الإسلام أن يروح عنها وأن يعطيها من الراحة والأمن والطمأنينة والغذاء والتسلية والهدوء في حدود ما أباحه الله. لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن فهم أن الدين ليس إلا تعبدا وتهجدا وصياما وابتعادا عن النساء: "إني أخشاكم لله، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء". إن إرهاق النفس ولو في طلب العبادة لا يطلبه الإسلام لا يرضاه. لأن فيه مشقة فوق المعتاد لا يمكن المداومة عليه. وقد ينقطع به الجهد عنه. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى". ومن واقعية التربية الإسلامية المبدأ التشريعي الذي يقول بأن الضرورات تبيح المحظورات، وعدم محاسبة المرء على الأمور التي تكون خارج نطاق إرادته. قال صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والتربية الإسلامية في وقعيتها تتمشى مع فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. ومن واقعية التربية الإسلامية أيضا وسطيتها واعتدالها في كل الأمور شأنها شأن الشريعة الإسلامية نفسها. فلا إفراط ولا تفريط. قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} . ومن واقعية التربية الإسلامية التوسط بين أمور الدينا والآخرة. وقد ورد في الأثر "أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". وقال تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} . إن الإسلام يتطلب المحافظة على خمسة أمور هي أساس الحياة الدنيوية ولا تستقيم الحياة الإنسانية الكريمة إلا بها. هذه الأمور الخمسة هي: الدين والنفس والمال والعقل والنسل "محمد أبو زهرة: ص86".
ومن واقعية التربية الإسلامية الاستمتاع بما أحله الله لنا. وقد عاب الإسلام من حرم على نفسه طيبات ما أحل الله. قال تعالى في سورة المائدة {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} وأمرنا بأكل الحلال من رزقه والاستمتاع به. قال تعالى في نفس السورة {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا
طَيِّبًا} . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم بأن نفرا من أصحابه حرم على نفسه أكل اللحم والنوم على فراش وعدم الزواج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا المسلمين من ذلك:"ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". وهو ما أشرنا إليه من قبل.
إن رسالة الإنسان في الدنيا في نظر الإسلام ليست للتكفير عن خطيئة آدم كما تذهب المسيحية وإنما للقيام بمسئولية استخلافة في الأرض بتعميرها والتنعم بخيراتها. قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} . وورد عن النبي قوله: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعلمون". ويقول الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين" تحت عنوان: الأخذ من الدنيا بنصيب: "إن الله تعالى جعل الدنيا دار تكليف وعمل. كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء. فلزم ذلك أن يصرف الإنسان إلى الدنيا حظا من عنايته. لأنه لا غنى له عن التزود منها لآخرته، ولا بد فيها من سد حاجته وليس في ذلك القول نقص". وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم {فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} . ومعنى هذا أنه إذا فرفت من أمور دنياك واقصد عبادة ربك وقال سفيان الثوري رحمة الله: كتب في التوراة: وإذا كان في البيت بر فتعبد. وإذا لم يكن فاطلب. يابن آدم حرك يدك يسبب رزقك". وقال محمود الوراق:
لا تتبع الدنيا وأيامها
…
ذما وإن دارت بك الدائرة
من شرف الدنيا ومن فضلها
…
أن بها تستدرك الآخرة
بيد أن استمتاع الإنسان بالدنيا مرتبط أيضا باستمتاعه في الدار الآخرة لأن صلاح الدنيا من صلاح الآخرة. وينبغي أن نشير إلى أنه قد ورد ذكر كلمة الدنيا والآخرة في القرآن الكريم بعدد متساوٍ وهو 115 مرة "انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص21، ص262" ومن واقعية التربية الإسلامية ثلاثية الجزاء وهو من جنس العمل. وهناك الثواب والعقاب والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والجنة والنار. وهناك أيضا باب التوبة والاستغفار.