الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد اشترط بعض العلماء للصلح أن يلتبس الحكم على القاضي، أما إذا بان له فلا يصلح بينهما بل يحكم بينهما. قال ابن قدامة:[وإذا اتصلت به الحادثة، واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم، وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما إلى البيان، فإن عجلها قبل البيان لم يصلح حكمه. وممن رأى الإصلاح بين الخصمين شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبي والعنبري، وروي عن عمر أنه قال: " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن " قال أبو عبيد: إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح، ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر، وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة](1).
(1) المغني جـ9 ص52 - 53.
16 -
الإخلاص لله في القضاء:
قال الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى رضي الله عنه: " ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شأنه الله ".
يجب إخلاص النية لله تعالى لأنها مدار الأعمال قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (1) وقال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (2)» . وقال الله
(1) سورة البينة الآية 5
(2)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب صحيح البخاري، كتاب الحيل باب في ترك الحيل وأن لكل امرئ ما نوى فتح الباري جـ12 ص 327، وصحيح مسلم كتاب الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية - صحيح مسلم بشرح النووي جـ13، ص 53، وسنن أبي داود كتاب الطلاق باب فيما عنى به الطلاق والنيات جـ1، ص 510. وسنن الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا جـ4 ص179. وسنن النسائي، كتاب الطهارة باب النية في الوضوء جـ1 ص 58 - 60، وسنن ابن ماجه كتاب الزهد باب النية جـ2 ص 1413.
تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (1)» .
وتوعد الله المرائين بعذاب جهنم فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} (2){الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (3){الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (4){وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (5).
وجعل الحياة من أجل الابتلاء والامتحان في إخلاص العمل والسير به على منهج الله فقال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (6).
قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه، فسئل عن معنى ذلك فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (7).
قال ابن القيم في شرح قول عمر: [" فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شأنه الله " هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع، فأما الكلمة الأولى: فهي منبع الخير وأصله، والثانية: أصل الشر وفصله، فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى، وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه، كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون،
(1) رواه مسلم - في كتاب الزهد، باب تحريم الرياء - صحيح مسلم بشرح النووي جـ 18 ص 115.
(2)
سورة الماعون الآية 4
(3)
سورة الماعون الآية 5
(4)
سورة الماعون الآية 6
(5)
سورة الماعون الآية 7
(6)
سورة الملك الآية 2
(7)
إعلام الموقعين ج 2 ص 161.
ورأس التقوى والإحسان: خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه، فمن ذا الذي يغلبه، أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره، وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا] (1)
(1) إعلام الموقعين جـ 2 ص 156 - 157.