الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعروضة وعدم التريث إلا إذا كان هناك ما يدعو إلى ذلك لئلا تتعطل مصالح الناس الأخرى، فالتردد على مجلس القضاء طلبا للحكم قد يفوت بعض الوقت الذي يجب أن يصرف إلى مصلحة أخرى. وقد ضرب عمر المثل بالأعرابي الذي ليس له شغل في البلد ووراءه الأشغال الكثيرة في مقر إقامته، قد يدفعه هذا إلى ترك حقه والذهاب دون إنهاء الدعوى والسبب في ترك الحق هو مماطلة القاضي وعدم شعوره وتحسسه لمشاعر الناس.
كما أن الحق الذي يحكم به إذا لم تكن له سلطة تنفذه، سواء أكانت السلطة من داخل أنفس المتخاصمين، كما في المحكم، أو سلطة تنفيذية بيد القاضي، أو يأمرهما بالتنفيذ يصبح الحكم عديم الفائدة، إذ قيمة الحكم في الإلزام به. يقول ابن القيم رحمه الله: [ومراد عمر بذلك: التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلمه به إن لم يكن له قوة تنفذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد مدح الله سبحانه أولي القوة في أمره والبصائر في دينه، فقال:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} (1).
فالأيدي: القوي على تنفيذ أمر الله، والأبصار: البصائر في دينه] (2).
(1) سورة ص الآية 45
(2)
إعلام الموقعين جـ 1 ص 95.
4 -
المساواة بين المتخاصمين:
قال عمر في رسالته: " واس بين الاثنين في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولاييأس وضيع من عدلك ".
وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان: " أدن الضعيف حتى يجترئ قلبه وينبسط لسانه (1) كما طبق عمر - رضي الله تعالى عنه - المساواة على نفسه عندما تداعى مع أبي بن كعب عند زيد بن ثابت، فأتى مع خصمه زيدا في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا وفي بيته يؤتى الحكم، فتنحى
(1) أخبار القضاة جـ1 ص 75.
زيد عن صدر فراشه وألقى بوسادة إلى عمر، وقال هاهنا يا أمير المؤمنين، فقال عمر: جرت يا زيد في أول قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي فجلسا بين يديه.
وعمر بأقواله وأفعاله ينفذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده (1)» .
فالإسلام هو دين العدل والمساواة ورفع الظلم عن الجميع، ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئة بالحض على العدل والإنصاف وعظم أجر العادلين، وقد ذكر الفقهاء - رحمهم الله تعالى - أنواعا من الأشياء التي يجب على القاضي أن يعدل فيها، كالدخول عليه، ومجلسهما منه، وطريقة مخاطبته لهما، والسماع منهما، إذ في تخصيص أحد الخصمين بشيء من البشاشة أو الإقبال ما يدفعه إلى الطمع في الحكم له ضد خصمه فيقوى قلبه وينطلق لسانه، ويجعل الخصم الآخر ييأس من العدل والإنصاف فيضعف قلبه وتنقبض نفسه، ولا ينطلق لسانه فيعجز عن إبداء حجته وعرض قضيته، وفي هذا مفسدة عظيمة وهي عدم الوصول إلى الحق الذي أمر الله به أنبياءه {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (2).
هذا ولقد انبهر بعض أبناء المسلمين بما لدى الغرب الديمقراطيين من العدل والمساواة بين أفراد الشعب والموطنين، فراحوا يتغنون بالديمقراطية وينادون بها، ناسين أن قضاة الإسلام وحكامه ضربوا أروع المثل في العدل والمساواة بين الناس حكاما ومحكومين، أغنياء وفقراء، شرفاء وسوقة. إذ نظام
(1) رواه الدارقطني والبيهقي - سنن الدارقطني، كتاب الأقضية والأحكام جـ 3 ص 205 والسنن الكبرى، كتاب آداب القاضي، باب إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما جـ 10 ص 135.
(2)
سورة ص الآية 26