الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليهم والفصل في خلافاتهم، فيكون عمر المسئول عنها يوم القيامة، لم لم يتفقد رعيته ويشرف على عمله، «وكل راع مسئول عن رعيته (1)» .
(1) صحيح البخاري الجمعة (893)، صحيح مسلم الإمارة (1829)، سنن الترمذي الجهاد (1705)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2928)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 108).
أهمية رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري:
تتحدث رسالة القضاء التي كتبها عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قاضيه وواليه على البصرة، عن القواعد الأساسية التي يبنى عليها القضاء، ومن عدل بين الخصوم ورجوع إلى الحق، وطرق إجراءات التداعي وسير المحاكمة، والرجوع إلى نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله في كل ما يصدر عن القاضي، فهي رسالة عظيمة الفائدة تحوي ما تشتت من أحكام القضاء، وتجمع ما تفرق من أسس التنظيم والإدارة للقضاء، وهي دستور قويم في نظام القضاء والتقاضي، وسجل حافل جامع لكثير من شئون القضاء ومسائله، تجمعها في كلمات قليلة موزونة تكاد أن تكون قطعة أدبية تحمل عناصر البلاغة والإيضاح.
لذا اهتم بها كثير من الدارسين والمؤلفين، فرواها أجلة من العلماء المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والفقهاء، والمؤرخين والأدباء، وتناولوها بالبحث والاستنباط والثناء في كتب السنة والفقه والتأريخ والسير والأدب وغيرها.
فالفقيه بحاجة إليها يستنبط منها الأحكام والتوجيهات، والأدباء يذكرونها في كتبهم، ويسوقونها في عيون أخبارهم، ليسترشدوا بها في نثرهم، وفصاحتهم، والمؤرخ يحقق نصوصها وروايتها، واللغوي يشرح كلماتها ومفرداتها، ويستنبط القواعد البلاغية في تركيباتها، يقول ابن تيمية رحمه الله:[ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه](1).
ويقول ابن فرحون: [ونبدأ بذكر رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروفة برسالة القضاء، قال ابن سهل: وهذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول القضاء ومعاني الأحكام، وعليها احتذى قضاة الإسلام، وقد ذكرها كثير من العلماء وصدروا بها كتبهم، منهم: عبد الملك بن حبيب، وهي:](2).
ويقول سيدي محمد المرير: [ومن العجيب أن هذه الرسالة يرويها
(1) منهاج السنة ج3 ص146 الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(2)
تبصرة الحكام ج1 ص27 - 28.
المحدث في جامعه، ويعتمد عليها الفقيه في أحكامه ومسائله، ويستدل بها الأصولي لتأسيس حججه ودلائله، ويجعلها الأديب أنموذجا لنسج خطبه ورسائله، فرحم الله زعيم الأمة وفاتح أقطارها، ومؤسس برامج سياستها الحربية ونظم قضائها] (1).
ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: [إنها عهد اعتبره جمهور قضاة الإسلام دستورا لهم، وهو حري بهذا التقدير منهم، ومن رجال القضاء جميعا في كل عصر، ففيه من أصول القضاء ونظمه، ومن قواعد المرافعات، ومن الآداب التي ينبغي أن يأخذ القاضي بها نفسه ما يجعله بحق دستورا يجب اتباعه](2).
ويقول الأستاذ ظافر القاسمي: [وفي حدود علمي أنه ترجم إلى أكثر لغات العالم، وقد تعب كثير من العلماء في نقله إلى اللغات الأخرى؛ لأنه مصدر أصلي من مصادر أصول المحاكمات، وكان إميل تيان ممن ترجمه إلى الفرنسية في كتابه:" تأريخ التنظيم القضائي في بلاد الإسلام "، وممن ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ هنري كتن.
وقد اعتبره مؤرخو الآداب العربية من جملة النصوص الهامة التي تدل على صفات أسلوب صدر الإسلام، وترسل الخلفاء، وعلى ما تحلى به الفاروق عمر بن الخطاب من بلاغة في التعبير مع إحكام الفكرة] (3).
وفي هذه الرسالة يضع عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - القواعد الأساسية للقضاء، وكيفيته وطرقه والهدف منه. وسأورد بإذن الله تعالى هذه الرسالة، وطرق ورودها، وآراء العلماء والباحثين في هذه الطرق، وأشرح مفرداتها، ثم أستخلص القواعد القضائية التي تشتمل عليها هذه الرسالة.
(1) كتاب الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية ج1 ص118 طبع تطوان سنة 1951م.
(2)
تأريخ الفقه الإسلامي ص104 ـ 105.
(3)
نظام الحكم في الشريعة والتأريخ الإسلامي - السلطة القضائية - ص 439.
وقد اعتمدت النص الذي أورده القاضي وكيع بن محمد بن خلف بن حيان المتوفى سنة 306 هجرية الذي رواه بسنده قال:
(حدثني علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إلي كتبا، فرأيت في كتاب منها (1) ثم ساق نص الرسالة.
واعتمدت هذا النص للاعتبارات التالية:
أ - لأن القاضي وكيعا متقدم على غيره إذ توفي سنة 306 هـ.
ب - لأن رواية وكيع - كما يظهر من إسناده - تدل على أنها لم تكن من الحفظ، وإنما كانت مكتوبة. وهذا ما يسمى وجادة وهي على
(1) أخبار القضاة ج1 ص70 - 71 الطبعة الأولى.