الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وفيها يقول الراوي: فأخرج لنا كتبا فيها كتاب عمر إلى أبي موسى (1).
وبهذا يتضح أن الكتاب لم ينقل من عمر إلى أبي موسى شفاها كما يدعي مرجو ليوث، وعلى هذا فلا مدعاة لعجبه، ولا أساس هناك يعتمد عليه في إنكاره له.
(1) انظر أخبار القضاة لوكيع جـ 1 ص 70، وإعلام الموقعين جـ 1 ص 91.
الطعن فيها من الناحية التأريخية
لقد شكك المنكرون لرسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري فيها من الناحية التأريخية حيث قالوا:
1 -
إن الرسالة ورد فيها بعث عمر بن الخطاب إلى قاضيه على الكوفة أبي موسى الأشعري، حيث روى ابن خلدون قال:[وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة، وهي مستوفاة فيه](1).
وأبو موسى الأشعري لم تتحدث عنه كتب التأريخ أنه ولي الكوفة لعمر بن الخطاب، وإنما ولي له البصرة، ولم يل الكوفة إلا في عهد عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه -. يقول حسن إبراهيم حسن:[ومن الثابت أن شريح بن الحارث الكندي كان قاضي الكوفة في عهد عمر، وأن أبا موسى الأشعري تولى قضاء البصرة من قبل عمر أيضا، وهذا يخالف ما ذكره بعض المؤرخين من أن عمر أرسل هذا الكتاب إلى أبي موسى الأشعري، وهو على قضاء الكوفة؛ لأنه لم يتقلد ولاية الكوفة إلا في خلافة عثمان بن عفان](2).
وقال الشيخ محمود بن محمد بن عرنوس: [من هذا البيان المختصر
(1) مقدمة ابن خلدون ص 220 ـ 221.
(2)
تأريخ الإسلام جـ 1 ص 486 مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، الطبعة السابعة سنة 1964م.
يظهر أن أبا موسى لم يل الكوفة في زمن عمر، وإنما وليها في زمن عثمان، وإنما كان قاضي الكوفة شريح، فمن هذه الوجهة يمكننا أن نرجح ما يقوله ابن حزم في هذه الرسالة] (1).
2 -
كما أن أبا موسى الأشعري لم يل لعمر بن الخطاب القضاء، وإنما ولي له الإمارة على البصرة، وقضى لعمر في أثناء ولاية أبي موسى للإمارة كعب بن سور (2).
3 -
لم ترد هذه الرسالة في كتب الأقدمين، وإنما وردت فيمن كتب بعد القرن الثالث الهجري: قال ظافر القاسمي نقلا عن إميل تيان: [وكما لاحظ ذلك مرجليوث، فإن المؤلفين الذين ذكروا كتاب عمر للمرة الأولى هم: الجاحظ، وابن عبد ربه، وابن قتيبة، وما من أحد منهم كان قبل القرن الثالث الهجري - التاسع والعاشر الميلادي - وفي أي نوع كان: التأريخ القضاء، الحديث، سابق على هذا العصر، لا نجد ذكرا لهذا النص الشهير.
وإذا أخذنا على سبيل الإيضاح بين هذه المؤلفات أشهرها التي تناولت تحت عناوين مختلفة القضاء نجد فيها صمتا يدعو إلى الاضطراب حول هذا الموضوع، فمالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي الذي عاش في أول القرن الثاني للهجرة (97 - 179 هـ 715 - 795م) لا يشير في موضع من مؤلفه الشهير (الموطأ) إلى كتاب عمر، والموطأ يؤلف مع ذلك مجموعة من الأحاديث والأحكام، والحكم منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه، وإلى الشخصيات الهامة لصدر الإسلام، وكذلك الحال بالنسبة إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل - رئيس المذهب الحنبلي - والشافعي (المتوفى 204/ 819) لا يشير أية إشارة إلى هذه الوثيقة. وفي مسند زيد بن علي لا نجد أية إحالة على هذا الكتاب] (3).
(1) تأريخ القضاة في الإسلام ص 15 المطبعة المصرية الأهلية الحديثة بالقاهرة سنة 1352هـ، 1934م.
(2)
نظرة عامة في تأريخ الفقه الإسلامي ص74.
(3)
نظام الحكم في الشريعة والتأريخ الإسلامي ـ السلطة القضائية ـ ص 453.
ويتابع الحديث والنقل إلى أن يقول: فمن الممكن إذن أن يبدو غريبا جدا أنه حتى نهاية القرن الثاني للهجرة، أي أكثر من مائة وخمسين سنة بعد وفاة الخليفة عمر، لا نرى نصا يذكر الكتاب الذي تسنده الروايات المتأخرة إلى عمر. إن المؤلفين الذين لاحظنا عندهم هذا الصمت كان يمكن أن يكون لهم أكبر الاهتمام في أن يذكروا في كتاباتهم المتعلقة بالسلطة القضائية هذه الوثيقة المزعومة لو وجدت حقيقة] (1).
وأجيب عن هذا بما يأتي:
أولا: قولهم لم يل الكوفة:
إن أكثر الذين رووا الرسالة لم ينصوا على أن عمر أرسلها إلى قاضيه على الكوفة، وإنما قالوا: أرسلها إلى أبي موسى الأشعري. وابن خلدون رحمه الله وحده وهو الذي ذكر أن عمر أرسلها إلى أبي موسى وهو على الكوفة (2).
ومن الممكن الإجابة على رواية ابن خلدون بما يأتي:
أ - لعلها سبقة قلم من ابن خلدون، أو سجلها من حفظه، فكتب الكوفة بدلا من البصرة لتقاربها في الموقع وتأريخ التأسيس، فتسبق إحداهما على الأخرى في الذهن، فيكاد المرء لا يفرق بينهما.
وخطأ بعض المؤرخين في تحديد الجهة التي كان فيها أبو موسى وقت إرسال الكتاب ليس معناه كذب الكتاب، أو مدعاة للطعن في صحته، وكذلك اختلاف التأريخ في الكوفة والبصرة ليس كافيا لرد الرسالة.
ب - يحتمل أن قولهم: قاضيه على الكوفة، إنما ذكرت في الرواية أيام كون أبي موسى قاضيا عليها - أيام عثمان بن عفان - فهو باعتبار الحال والزمان، ولكنه ليس قاضيا لعمر على الكوفة.
ج - ذكر الطبري (3) رحمه الله وابن الأثير (4) أن أهل الكوفة طلبوا من عمر بن
(1) نظام الحكم في الشريعة والتأريخ الإسلامي ـ السلطة القضائية ـ ص 455.
(2)
مقدمة ابن خلدون ص 220.
(3)
تأريخ الأمم والملوك جـ4 ص262 دار الفكر بيروت سنة 1399هـ.
(4)
الكامل في التأريخ جـ 3 ص 16 الناشر دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الثالثة 1400هـ - 1980 م.
الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن يعزل عنهم واليهم عمار بن ياسر؛ لأنه لا يحسن السياسة، ولا يعلم ما استعمل عليه، ففعل واستشارهم فيمن يوليه عليهم، فطلبوا أبا موسى الأشعري فولاه عليهم، ثم إنهم طلبوا عزله عن الكوفة؛ لأن غلامه يتجر في بعض أرزاقهم، وذلك بعد قرابة سنة من توليته، فعزله عمر عن الكوفة وصرفه إلى البصرة، وبعث إليهم المغيرة بن شعبة.
وبهذا يحتمل أن عمر رضي الله عنه أرسل رسالته في القضاء لأبي موسى في هذه السنة التي تولى فيها أبو موسى على الكوفة ليذكره بأمور القضاء وسياسته، وخاصة عند أناس تكثر لديهم المشاغبة.
ثانيا: قولهم لم يل القضاء، وإنما ولي إمارة البصرة:
من الثابت في كتب التأريخ أن ولاية أبي موسى الأشعري في زمن عمر بن الخطاب للبصرة كانت ولاية عامة، تشتمل الإمارة والقضاء، وفي آخر سنة من خلافة عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين يذكر ابن جرير الطبري بصيغة التمريض أنه ولى على قضاء البصرة كعب بن سور، فيقول: [وقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفى فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه شريح وعلى البصرة كعب بن سور، وأما مصعب بن عبد الله، فإنه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكن لهما قاض (1).
ثم إنه حتى لو كان مع أبي موسى من يتولى القضاء لما كان هذا مانعا من أن يرسل عمر إلى واليه هذه النصائح في شئون القضاء ليستعين بها في الحكم بين الناس ليرى تطبيقها من قبل القاضي كعب بن سور، وإن عدل عنها رده لما فيها.
ثم في هذا تناقض من الدكتور علي حسن عبد القادر، فهو ينكر أن يكون عمر قد فصل القضاء عن الولاية العامة حيث يقول: [وحقيقة الأمر أنه لم يكن
(1) تأريخ الأمم والملوك جـ5 ص 42 دار الكفر بيروت سنة 1399هـ.
هناك قاض مستقل في العصر الأول يقوم بالقضاء على أنه وظيفة مستقلة، وقد جاء عن مالك أنه قال:" إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض، حتى كانت الفتنة فاستقضى معاوية "(1).
وهنا يذكر أن أبا موسى لم يكن قاضيا، وإنما كان واليا، والقاضي كعب بن سور.
يقول الدكتور محمد بلتاجي: [وبعد هذه كله نستطيع أن نقول: - ونحن مطمئنون - أننا لو أخذنا بالرواية التي ذكرها الطبري عن مالك من أن عمر لم يكن له - كما لم يكن لأبي بكر - قاض مستقل، أو أخذنا بالرواية الأخرى التي ذكرت أن كعب بن سور كان قاضي عمر على البصرة عند مقتل عمر سنة 23هـ، أو أخذنا باحتمال أن يكون كعب بن سور أبرز الذين كان يستشيرهم أبو موسى عند القضاء بين الناس في البصرة، فليس هناك ما يمنع عقلا أو تأريخا من أن يكون عمر بن الخطاب قد أرسل إلى واليه أبي موسى الأشعري هذه الرسالة الشهيرة](2).
ثالثا: قولهم لم تذكرها كتب الأقدمين:
إن عدم ذكر حديث وأثر في كتاب معين لا يعني عدم صحته، إذ كثير من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصحيحة لم ترد في كتاب الموطأ، ولا في كتاب صحيح البخاري، قال ظافر القاسمي بعد أن ذكر الشبهة: [هذا صحيح، ولكنه لا يمكن وفقا لعلم مصطلح الحديث أن يكون سببا في رد الكتاب، أو في اعتبار نسبته إلى عمر غير صحيحة؛ لأن البخاري جمع في صحيحه أقل من عشرة آلاف حديث من أصل ثلاثمائة ألف وقع عليها، ولا ريب في أن تعدد كتب الحديث النبوي قد أتاح لنا الفرصة لمعرفة الكثير مما هو من أصول الشريعة وفروعها، فعدم ورود كتاب عمر في المصادر التي أشار إليها تيان، ووروده مثلا عن الدارقطني والبيهقي، على الرغم من أنهما متأخران حتى عن
(1) نظرة عامة في تأريخ الفقه الإسلامي ص 75 الناشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة.
(2)
منهج عمر بن الخطاب في التشريع ص 58 - 59 طبع دار الفكر العربي.