الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم بخلافها فإنه ينقض. وقد ذهب جمهور العلماء (1) - رحمهم الله تعالى - على أن القاضي العدل إذا اجتهد فحكم أنه لا ينقض حكمه، ولا ينقض من قبل قاض آخر إذا لم يكن حكمه جورا، ولم يخالف نصا صريحا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماعا. يقول ابن قدامة:[ولنا على نقضه إذا خالف نصا أو إجماعا: أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو خالف الإجماع، وبيان مخالفته للشرط: أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ؛ ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الإجماع](2).
(1) المغني جـ 9 ص56، والمقنع بحاشيته جـ 3 ص 613.
(2)
المغني جـ9 ص56.
8 -
عدالة المسلم:
قال عمر في رسالته لأبي موسى: " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا حدا أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء قرابة ".
وقال: " إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة (1).
لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة وجعلها وسطا لتكون شاهدة على الناس بما استحفظها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (2).
والوسط الخيار العدل، فإذا كان المسلمون عدولا بمقتضى إسلامهم فشهادتهم على بعضهم أولى من شهادتهم على الأمم، إلا من نهي عن اعتبار
(1) رواه البخاري في كتاب الشهادات باب الشهداء العدول فتح الباري جـ5 ص251.
(2)
سورة البقرة الآية 143
عدالته، وأمر برد شهادته كمن جرب عليه شهادة الزور، أو جلد في حد القذف. قال الله تعالى:{وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (1){حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} (2).
وفي الصحيحين «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، - وكان متكئا فجلس فقال - ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت (3)» وفي القذف يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (4).
وقد طلب الله تعالى في الشهود العدالة فقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (5) وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (6).
وهذه الآيات لم تبين مفهوم العدالة، وما تحقق به، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وهي الإسلام. فالإسلام وحده كاف لتحقق العدالة في الشخص. فقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الهلال - يعني هلال رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (7)» .
فالرسول عليه الصلاة والسلام اعتبر العدالة متحققة في هذا الشاهد بالإسلام لا غير.
وعمر - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى أخذ بهذا وجعله مناط
(1) سورة الحج الآية 30
(2)
سورة الحج الآية 31
(3)
صحيح البخاري كتاب الأدب. باب عقوق الوالدين من الكبائر. فتح الباري جـ 10ص 405.، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها - صحيح مسلم بشرح النووي جـ2 ص81 - 82.
(4)
سورة النور الآية 4
(5)
سورة الطلاق الآية 2
(6)
سورة البقرة الآية 282
(7)
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه والحاكم - سنن الترمذي، جـ 3 ص 74، وسنن النسائي ج4 ص 132 وسنن أبي داود جـ ص 547، وسنن ابن ماجه جـ 1 ص 529، والمستدرك جـ1 ص 424 وقال:[وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه] أ. هـ.
العدالة في رأيه، وقد وافقه على ذلك الحسن البصري والليث بن سعد رضي الله عنهما (1).
ولكن بعض الفقهاء لما كثر الكذب والتزوير، وذهبت خير القرون أضافوا إلى اشتراط الإسلام في العدالة شروطا أخرى. قال ابن قدامة:[معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق، وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وعن أحمد رواية أخرى: يحكم بشهادتهما إذا عرف إسلامهما بظاهر الحال، إلا أن يقول الخصم هما فاسقان، وهذا قول الحسن، والمال والحد في هذا سواء لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: " المسلمون عدول بعضهم على بعض "](2).
وعرف ابن حزم العدل - بالإضافة إلى الإسلام - بقوله: [والعدل هو من لم تعرف له كبيرة، ولا مجاهرة بصغيرة، والكبيرة هي: ما سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرة، أو ما جاء فيه الوعيد. والصغيرة: ما لم يأت فيه وعيد. برهان ذلك: قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (3).
وليس إلا فاسق أو غير فاسق. فالفاسق هو الذي يكون منه الفسق، والكبائر كلها فسوق، فسقط قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا العدل، وهو من ليس بفاسق] (4).
وقد فهم بعض العلماء أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رجع عن رأيه في الاكتفاء بالإسلام لاعتبار العدالة فقال ابن فرحون: [قال ابن سهل: وقول عمر رضي الله عنه في هذه الرسالة: " المؤمنون عدول بعضهم على بعض "
(1) تبصرة الحكام جـ 1 ص 28.
(2)
المغني جـ9 ص 63 - 64.
(3)
سورة الحجرات الآية 6
(4)
المحلى جـ10 ص564.
رجع عمر رحمه الله عن ذلك بما رواه مالك في الموطأ (1). قال ربيعة قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: قد جئتك بأمر لا رأس له ولا ذنب، فقال له عمر: وما هو؟ فقال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال عمر رضي الله عنه:" والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة، (2).
وروى ابن القيم قال: [روى أبو عبيد: ثنا الحجاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: " لا يؤسر أحد في الإسلام بشهداء السوء فإنا لا نقبل إلا العدول "(3).
والذي يظهر لي أن ليس في هذا رجوع من عمر. إذ في رسالته ذكر أن المسلم عدل بإسلامه إلا المحدود في القذف، ومن جرب عليه شهادة الزور، أو اتهم في تزوير نسبه. ولا نبحث فيه غير ذلك، أما إذا قدح فيه الخصم ولم يرض شهادته نظر فإن كان قدحه لتعوده التزوير ردت الشهادة لأنها هي المعنية. أما إن ذكر عنه بعض المعاصي، فلا يلتفت إلى قدحه لأنه لا يسلم منها أحد، إذ الله عز وجل لم يرد من عباده أن يكونوا ملائكة لا يعصون الله، بل ركب فيهم قابلية المعصية، روى مسلم رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم (4)» وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون (5)» .
وقد جعل الله تعالى من صفات المؤمنين التوبة من الذنوب والفواحش، فقال بعد
(1) موطأ الإمام مالك - كتاب الأقضية، باب ما جاء في الشهادات - شرح الزرقاني على الموطأ جـ3 ص 387 - 388.
(2)
تبصرة الحكام جـ 1 ص28.
(3)
إعلام الموقعين جـ 1 ص 139.
(4)
صحيح مسلم - كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستعفار توبة - صحيح مسلم بشرح النووي جـ17ص65.
(5)
رواه الترمذي وقال: حديث غريب. سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع رقم الباب 49 جـ4، ص 659.