الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منصور، والجهاد لابن المبارك، وكتاب الخراج لأبي يوسف، والأموال لأبي عبيد، والسنن الكبرى للنسائي، وغيرها
المطلب الثامن: الوفاء لأهل الذمة:
من سماحة الإسلام وعدله رعايته لأهل الذمة، وقد حفظ الإسلام لكل الناس حقوقهم، وفي مقدمتها الأمن والأمان لهم. وحرم الإسلام الاعتداء على غير المسلمين المقيمين في ديار الإسلام وأوصى بهم المصالح العامة، وفي مقدمتها مصلحة الإسلام لأنه بالعدل قد يدخل الناس في الإسلام، وقد أوصى عمر رضي الله عنه من سيخلفه بقوله:«أوصيكم بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفون إلا طاقتهم (1)» وفي رواية: «ورزق عيالكم (2)»
قال الحافظ: ويستفاد من الحديث ألا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر طاقتهم.
قال المهلب: وفيه الحض على الوفاء بالعهد، وحسن النظر في عواقب الأمور، والإصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب (3) ومن مظاهر سماحة الإسلام وعدله بالإضافة إلى ترك غير المسلمين على أديانهم
(1) صحيح البخاري الجهاد والسير (3052).
(2)
البخاري، 6/ 169 (3052) و 267 (3162).
(3)
الفتح، 6/ 267.
مقابل مقدار من المال، نهي الإسلام عن الاعتداء عليهم بأي صورة من الصور حتى في الحق الذي شرعه الله تعالى، يؤخذ منهم مقدار حسب الاستطاعة، ويعفي الضعفاء ومن في حكمهم. فكيف بالأمور الأخرى التي هي من متطلبات الحياة ومن أسباب العيش في أمن ورخاء حسيا ومعنويا.
وجاء في السنة الوعيد لمن قتل معاهدا ظلما وجرما وبغير حق شرعي كما في حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري وغيره، وأنه لا يجد رائحة الجنة (1)
لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا عظيما في الوفاء بالعهد والحرص على الإسلام من أي عمل قد يستغله الأعداء والحاقدون، وينشرون حوله الدعاية السيئة عن الإسلام.
كما ورد في عزمه لإخراج اليهود، لم يفاجئهم، ولم يضيق عليهم. كما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:«بينما نحن في المسجد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (انطلقوا إلى يهود) فخرجنا حتى جئنا بيت المدارس فقال: (أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله (2)»
وقوله: (فمن يجد منكم
…
) من الوجدان، أي يجد مشتريا، أو من الوجد أي المحبة أي يحبه، والغرض أن منهم من يشق عليه فراق شيء من ماله مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه (3) وذكر البخاري باب الموادعة
(1) البخاري، 6/ 269 (ح3166)، السنن الكبرى للنسائي، 8/ 78 (8689 - 8691).
(2)
البخاري، 6/ 270 (3167، 6944، 7248).
(3)
الفتح، 6/ 271.
والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يف بالعهد. وأورد فيه قوله تعالى:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (1). ومعنى جنحوا: أي طلبوا السلم ومالوا إليه (2) وهذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين، ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر، ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا؛ لأن المقصود من الصلح هو دفع الشر والخطر، فيجوز بأي وسيلة، وهذا باتفاق العلماء (3)
وفي هذا الباب ذكر البخاري حديث سهل بن أبي حثمة في قصة قتل عبد الله بن سهل في خيبر، وكانت يومئذ صلحا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عقله ووداه من عنده (4)
وإنما وداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده استئلافا لليهود وطمعا في دخولهم الإسلام، مع كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دم المسلم المقتول، وتطييبا لقلوب أهله (5) وتعليما لأمته على الآداب التي من الأولى أن يتخلقوا بها من استئلاف واستئناس جميع الناس، أما المسلم فتوثيقا للأخوة الإسلامية، وأما غير المسلم فمن أجل جلبه للإسلام وتحبيبه إليه، فما كان الرفق في شيء إلا زانه وأصلحه، وما كانت القسوة والغلظة في شيء إلا شانته وأفسدته.
(1) سورة الأنفال الآية 61
(2)
تفسير ابن كثير، 2/ 322.
(3)
الفقه الإسلامي وأدلته، 6/ 438.
(4)
البخاري، 6/ 275 (3173).
(5)
الفتح، 6/ 276.
واختلف العلماء في أصل المسألة وهي مصالحة وموادعة المسلمين أهل الحرب على مال. وخلاصة الأقوال أنه لا بأس بالمصالحة على غير شيء. أما على مال فلا يستحسن إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لقوة وكثرة العدو وعدته؛ لأن ذلك من معاني الضرورات، وكذلك إذا أسر المسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز (1)
ولا شك أن هذا يدل على سماحة الإسلام وتيسيره على المسلمين بأن أجاز لهم عند الضرورة القصوى الأخذ بالرخص، وخاصة في موضوع المواجهة مع الأعداء.
وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فالأولى بالإنسان أن يكون رحيما بأخيه، كما أن هذه السماحة هي من مقاصد الشريعة التي تميزها عن الشرائع الأخرى. ومن ذلك الموادعة في الجهاد فإنه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين (2) وهذه الآية {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (3) مرتبطة بالآية التي بعدها {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} (4).
فإن في هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعة لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه (5)
(1) الفتح، 6/ 276.
(2)
الفتح، 6/ 282.
(3)
سورة الأنفال الآية 61
(4)
سورة الأنفال الآية 62
(5)
الفتح، 6/ 277.