الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على قواعده، فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضا، فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصا يشد بعضه بعضا كهيئته أو ل مرة ".
ومع رجحان هذا القول - فإن البحث في المناسبة مزلة قدم ومظنة الخطأ، ولهذا أرى وجوب تقييد القول بها بشرطين أساسيين؛ أولهما: عدم التكلف في إظهار المناسبة، فإن بدت جلية واضحة يدعهما السياق والسباق وتشهد لها القرائن قلنا بها، وإلا وجب التوقف وتفويض الأمر إلى الله. والآخر: عدم القطع بأن هذه المناسبة المذكورة هي مراد الله تعالى من جعل هذه الآية بعد هذه الآية أو جعل هذه السورة بعد هذه السورة، بل نقول إن هذا هو ما أدانا إليه الاجتهاد والنظر وغلبة الظن، والله أعلم بأسرار كتابه.
وإذا تقرر هذا وحاولنا أن نلتمس المناسبة بين آيات الإفك وما قبلها، فإنه يمكن القول أن هذه الآيات ترتبط بما قبلها ارتباطا وثيقا؛ حيث ذكر قبلها قذف المحصنات وحكمه، ثم عقب بذكر نوع من أنواعه وهو قذف الرجل لزوجته، فناسب بعد ذلك أن تذكر حادثة الإفك تنفيرا وتمثيلا على خطورة أمر القذف وعظم الآثار المترتبة عليه في حق المقذوف وأهله والمجتمع ككل.
الوقفة الثالثة:
مع معنى الإفك:
الإفك: بالهمزة والفاء والكاف، قال ابن فارس: أصل واحد يدل
على قلب الشيء وصرفه عن جهته، يقال: أفك الشيء وأفك الرجل إذا كذب، وأفكت الرجل عن الشيء إذا صرفته عنه، قال الله تعالى {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} (1).
وقال الراغب: الإفك كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومنه قيل للرياح العادلة عن المهاب مؤتفكة، وقوله تعالى:{قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (2) أي: يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، ومن الصدق في المقال إلى الكذب، ومن الجميل في الفعل إلى القبيح. ومنه قوله تعالى:{يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} (3). ورجل مأفوك: مصروف عن الحق إلى الباطل - قال الشاعر (4)
فإن تك عن أحسن المروءة
…
مأفوكا ففي آخرين قد أفكوا
يقول: إن لم توفق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك أيضا.
وقال الزمخشري: وائتفكت الأرض بأهلها انقلبت، وإذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض، وهي الرياح المختلفات المهاب. ورجل أفاك: كذاب. ومن المجاز: أرض مأفوكة مجدودة من المطر والنبات، وسنة آفكة.
وقال الدامغاني: الإفك بمعنى الكذب، كقوله تعالى:
(1) سورة الأحقاف الآية 22
(2)
سورة التوبة الآية 30
(3)
سورة الذاريات الآية 9
(4)
هو عمرو بن أذينة كما في اللسان 1/ 166.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (1). والإفك الصرف، كقوله تعالى:{يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} (2). والإفك التقليب، كقوله تعالى:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} (3). وفي اللسان: أفك يأفك وأفك يأفك - إذا كذب. والإفك الكذب، والأفيكة الكذبة العظيمة. والأفك بالفتح مصدر قولك أفكه عن الشيء يأفكه صرفه عنه وقبله، والأفاك: الذي يأفك الناس؛ أي يصدهم عن الحق بباطله. والمؤتفكات: مدائن لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، سميت بذلك لانقلابها بالخسف. (4)
وباستعراض هذه الأقوال لأهل اللغة يتبين أن للإفك ثلاثة معان؛ هي: الكذب، والصرف، والتقليب. ولفظ الإفك في الآيات متضمن لهذه المعاني اللغوية الثلاثة؛ فإنه كذب محض وصرف للكلام عن وجهه وقلب للحقائق. قال الشوكاني: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب. (5)
وتوجيه انقلابه في عدول القائلين به عما يجب لعائشة رضي الله عنها من الثناء والمدح لفضلها ومكانتها وقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وصفها بهذه الفعلة الشنيعة والتهمة العظيمة.
(1) سورة الأحقاف الآية 11
(2)
سورة الذاريات الآية 9
(3)
سورة النجم الآية 53
(4)
لسان العرب 1/ 166.
(5)
فتح القدير 4/ 12.