الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعظمهم عبودية لله، أما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره. " فالرب سبحانه: أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم، لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة لمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟! فإنهم لا يقدرون عليها ولا يريدون من جهة أنفسهم فلا علم ولا قدرة ولا إرادة، والرب يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلا وذلك صفته من جهة نفسه لا شيء آخر جعله مريدا راحما، بل رحمته من لوازم نفسه فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون لا يفعلون شيئا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحة التي هي مصلحة لا لما يظنه مصلحته وليس كذلك " (1) ومصلحته التي هي مصلحته هي التوحيد وإخلاص الوجه لله، فعليه أن يهتم به علما وعملا أعظم الاهتمام.
(1) الفتاوى 1/ 39 – 40.
المبحث الثالث: شدة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد
لمسلمون اليوم أشد ما يكونون حاجة إلى دراسة التوحيد لتحقيق صحة فهمه واستقامة السلوك عليه، فإن الجهل بمفهوم التوحيد يضرب
أطنابه في واقع المسلمين اليوم حتى أطل على انحرافات عظيمة تفارق التوحيد وتقدح في أصله وتقطع الصلة بين التوحيد وبين تطبيق المسلمين له، وقد حلت بالمسلمين مشكلات عمتهم تطال قاصيهم ودانيهم، سببها ما قلناه من الجهل بالتوحيد، ولا حل لها إلا بالعودة إلى التوحيد الصحيح الحق، والعصر اليوم بجميع أهله في أمس الحاجة إلى دلالته على التوحيد لله وقيادته به لحل معضلاته، وليس هناك من يؤدي هذه المهمة إلا أهل التوحيد فهم الذين يدعون إليه ويدلون عليه ويحسنون القياد به. فهذه ثلاثة أمور تبرز بها شدة حاجة المسلمين لدراسة التوحيد بل وضرورة حياتهم وجماعتهم وبيضتهم إليه نفصلها في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الجهل الواقع بالتوحيد علما وعملا
لقد ركن كثير من عامة المسلمين في نواحي بلاد المسلمين في الانتساب إلى التوحيد إلى الإقرار بربوبية الله وأن يقولوا بألسنتهم " لا إله إلا الله " وأن يؤدوا الشعائر الظاهرة من صلاة وصيام وحج، ثم توجهوا بأخص خصائص العبودية لغير الله، فشائع فيهم التوجه للصالحين يدعونهم ويستغيثون بهم ويتوسلون بجاههم، فيقول أحدهم: يا سيدنا فلانا، ومولاي فلانا خذ بيدي، وكن لي كذا وادع الله لي بكذا، وأنا في حماك، وأنا بك وبالله، وأنا دخيلك، وينذرون لهم النذور فيقول أحدهم: يا سيدي فلانا إن رزقني الله كذا أجعل لك كذا، وإن تحقق كذا أو تحصلت على كذا أجعل لك كذا وأقدم لك كذا، ويذبحون لهم في مواسم يجعلونها بأسمائهم من وقت إلى وقت إذا جاء وقت موسم الولي فلان ساقوا
الذبائح من بقر وغنم إلى ضريحه أو مشهده أو قبته يذبحونها له عنده، ويعكفون حول قبور الصالحين، ويبيتون عندها ويقيمون الحفلات والحضرات وينقلون المرضى إليها يستشفعون بالأضرحة وينادون أصحابها ويستغيثون بهم، ويتبركون بها وبالإقامة عندها الليلة والليلتين ويشدون الرحال إليها لدفع النذور وإقامة الحفلات ونحو ذلك
وهذا كله من صريح الشرك الناقض لأصل التوحيد، وإن لم يكن شركا فليس في الدنيا شرك ولا معنى للتوحيد يعرف به!! وهم يعضدون هذه الأفعال الشركية بشرك علمي قبيح فيقولون:" نحن إنما نعتقد في الصالحين الأخيار أن الله جعل لهم النفع والضر في هذه الدار وتلك الدار (1) فهم يعطون أو يمنعون وبأيديهم مفاتح غيبه، وتحت قبضتهم خزائن فضله، ينزلون الأمطار متى شاؤوا ويعافون من أحبوا ويبتلون من أبغضوا، ويهبون لمن أرادوا ذكورا أو إناثا أو يزوجونهم ذكرانا وإناثا ويجعلون من غضبوا عليه عقيما "(2) ويحلف أحدهم بالله العظيم مائة يمين كاذبا عالما وتأخذه الرعدة وأشد الخوف والهلع من الحلف بسيده فلان على كذبة فلا يحلف به إلا صادقا بارا بيمينه، وإذا انقطعوا في المغاور أو ماج بهم البحر أو حل بهم ضر نادوا: يا سيدي فلانا أنقذنا أو أدركنا أو أغثنا أو ادفع عنا.
(1) أي في حال حياتهم في الدنيا وبعد موتهم في قبورهم.
(2)
الشرك ومظاهره ص 107.
وكل هذا هو صريح الشرك الأكبر المضاد للتوحيد، وهو الذي بعثت الرسل لردع أممهم عنه، إذ كان هو حال أهل الجاهلية الجهلاء، بل إن حال هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام والتوحيد أردى، فإنهم لا يخلصون العبادة لله بحال أبدا لا في رخاء ولا شدة، أما أهل الجاهلية فكانوا كما شهد الله لهم يخلصون العبادة لله وحده إخلاصا تاما في حال الشدة فلا يتوجهون إلا إليه قال الله:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (1)، وقال سبحانه:{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (2) ومع كون حال هؤلاء المنتسبين إلى التوحيد على حال أهل الجاهلية سواء بسواء بل وأسوأ إلا أنهم يتبرؤون بألسنتهم من الشرك وأهله، ويدعون التوحيد جازمين جزما عنيدا، ويزعمون أنهم لم يعبدوا إلا الله، ولم يتخذوا معه آلهة كأولئك المشركين، فإنهم يقولون: لا إله إلا الله، وأولئك لا يقولونها، وأولئك يعتقدون في الجمادات ويتخذون الأصنام، ونحن لا نتوجه إلى صنم ولم نتخذ أصناما، ونحن نوحد الله في خلقه وإيجاده، وأولئك
(1) سورة العنكبوت الآية 65
(2)
سورة يونس الآية 22
يجعلون غير الله يماثله في الخلق في الإيجاد، فهؤلاء إنما أغرقهم في الشرك جهلهم بحقيقة التوحيد ومعناه فهم أحوج ما يكونون لدراسة التوحيد والعلم بحقيقته، أحوج ما يكونون لأن يعلموا أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة وأن إفراده بالربوبية ليس هو التوحيد الذي أرسل الله رسله به ولم يقبله من المشركين حتى يضموا إليه لازمه من إفراده بالعبادة، فهو غير كاف في حصول الإسلام وتحقق التوحيد، وهم أحوج ما يكونون إلى العلم بأن قول لا إله إلا الله باللسان ليس هو كل القول المطلوب من العبد، فإن القول المطلوب من العبد هو قول اللسان والقلب والجوارح، وهكذا القول إذا أطلق فإن المراد به قول القلب واللسان والجوارح، فإذا أريد قول اللسان فقط قيد ولم يطلق كما قال الله:{يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (1) فلما كان قولهم قول لسان فقط قيده به ونفى عنه ما يدخل فيه لو أطلق، وأن يعلموا أن لـ لا إله إلا الله حقوقا واجبة مشروطة لصحتها، مقررة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا تقبل إلا بها وليس لقول لا إله إلا الله معنى بدونها، وأن يعلموا أنه لهذا أبى المشركون أن يقولوا لا إله إلا الله لأنهم علموا أن قولها ينقض عليهم ما هم فيه ويوجب في رقابهم البراءة منه والإقلاع عنه والتوجه بأجمع قلوبهم وأركانهم إلى الله وحده، والخلوص من الشرك، وهم أحوج ما
(1) سورة الفتح الآية 11
يكونون لأن يعلموا أنه لا فرق بين حجر ولا شجر ولا بشر في وقوع الشرك بصرف العبادة إليه من دون الله، فالجهة المستحقة للعبادة هي الله وحده بلا جنس شركة مع غيره قليلة كانت أو كثيرة، فالعبادة حقه لا يستحقها إلا هو، ويتساوى كل شيء غيره في عدم استحقاق العبادة أو شيء منها وإن تفاوتت أجناسه وأنواعه وصفاته، وأن يعلموا أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأحجار والأشجار والجن والإنس والملائكة والشمس والقمر فلم يصحح الله ورسوله عبادة نوع دون نوع، وهم أحوج ما يكونون لأن يعلموا أنه لا فرق بين العبادات في وجوب إخلاصها لله فلا تصرف لغيره فكما أنه لا تكون الصلاة إلا إليه ولا يكون الصيام إلا له ولا يكون الحج إلا له فكذلك لا يكون الدعاء إلا له ولا الذبح إلا له ولا النذر إلا له، وأن يعلموا أن أهل الجاهلية كانوا يؤدون من الشعائر الظاهرة ما يخلصونه لله، فقد كانوا يؤدون الحج لله، يشدون له الرحال ويؤدون مناسكه التي بقيت من شرعة إبراهيم عليه السلام لله، ويعظمون البيت لله، ومع هذا لم يقبل الله منهم ذلك مع شركهم به في العبادات الباقيات، بل وأرسل إليهم الرسول، وأنزل فيهم كلامه يعلن براءته منهم ويسجل عليهم اسم الشرك ووصفه وجنسه.
والذين يعتقدون التوحيد على الوجه الذي وصفنا وبينا الحاجة معه إلى دراسة التوحيد تصحيح العلم به فريقان، فريق متدين بذلك يسلكه ويؤديه، وفريق يعتقده ويظنه هو التوحيد والديانة ولكنه معرض عنه يأنف
منه يراه طقوسا بالية تليق بالعوام والبسطاء ولا تليق به، وهؤلاء هم الموسومون بالمثقفين، وهؤلاء لما كانت نظرتهم إلى الأمر على هذا النحو ألحقوا حتى الفرائض الظاهرة بالترك، فهم لا يصلون ولا يصومون ملحقين الصلاة والصوم بالأعمال الشركية التي يؤديها الناس جاعلين الباب واحدا فالجميع طقوس دينية يقبل عليها العامة والبسطاء، وهؤلاء في حاجة أيضا إلى معرفة التوحيد ودراسته لتصحيح علمهم وعملهم.
وإذا تركت هذا الجانب المظلم من الجهل المطبق بالتوحيد، والتفت إلى ما عليه المسلمون في تطبيقهم للتوحيد في سلوكهم العام، ظهرت لك جوانب عديدة يبدو فيها الجهل بمفهوم التوحيد بينا ظاهرا يعلن الحاجة الماسة لدراسة التوحيد، يبدو لك التطير ضاربا أوتاده يخيم على سلوك الناس، فهذا ينسب ضيق رزق يومه لتصبحه بكذا وكذا، والآخر ينسب سعة رزق يومه لتصبحه بكذا وكذا، وهذا يمضيه في شأنه رؤيته لكذا، والآخر يرده عن شأنه رؤيته لكذا، وهذا يتفاءل باللون الفلاني والعدد الفلاني واليوم الفلاني والشهر الفلاني، والآخر يتشاءم من اللون الفلاني والعدد الفلاني واليوم الفلاني والشهر الفلاني، ويبدو لك التعلق بالتمائم والأحراز، والاعتقاد في القلائد والأساور والخواتم على أشكالها المعينة، وألوانها المعينة، ومواضع تقلدها، ونحو ذلك من التفاصيل المدعاة لإشاعة التعلق بهذه العقائد واصطناع الهيبة لها.
ويبدو لك نسبة الأحداث إلى النجوم والطوالع والأبراج وقراءة المستقبل والمتوقعات عليها، ويبدو لك الإقبال على السحرة والمشعوذين والتطبب بطبهم واللجوء إلى تدابيرهم لصيانة من مكروه أو دفعه أو طلبه لخصم أو نحو ذلك.
كل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الطيرة شرك (1)»
ويقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك (2)»
ويقول ": «من تعلق شيئا وكل إليه (3)»
ويقول: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد (4)» ومعلوم أن السحر كفر كما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وروى صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال:«من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (5)» ويقول صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (6)» والتفت إلى جانب آخر في سلوك
(1) أخرجه أبو داود 4/ 17 رقم 3910، وابن ماجه 2/ 1170 رقم 3538، والترمذي 4/ 138 رقم 1614 وأحمد 6/ 213 رقم 3687.
(2)
أخرجه أبو داود 4/ 9 رقم 3883، وابن ماجه 2/ 1167 رقم 3531، وأحمد 6/ 110 رقم 3615، والحاكم 2/ 216، 217 و 4/ 417.
(3)
أخرجه الترمذي 4/ 352 رقم 2072، وأحمد 31/ 78 رقم 18781، والحاكم 216.
(4)
أخرجه أبو داود 4/ 16 رقم 3905، وابن ماجه 2/ 1228 رقم 3726، وأحمد 3/ 454 رقم 2000 و 5/ 41 رقم 2840.
(5)
متفق عليه، البخاري مع الفتح 2/ 333 رقم 846، ومسلم 1/ 83 رقم 71.
(6)
أخرجه أحمد 15/ 331 رقم 9536، والحاكم 1/ 8.
الناس مما يعلن بوجوب دراسة التوحيد وإشاعة تعلمه وتعليمه للجهل الحاصل به، وهو الجهل الواقع في التوكل على الله الذي هو الاستعانة التي جعلها الله قسيمة التعبد في قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (1) وكما يقول ابن القيم: " فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة "(2) وفي سلوك كثير من الناس جهل ظاهر بمقتضى توحيد الله في التوكل عليه سبحانه، فمن الناس من يتعلق قلبه بالأسباب، ويستفرغ لها توجهه، ويقيم عليها مقاصده، حتى إذا حصل على مطلوبه أحال ذلك إلى الأسباب، وإذا لم يحصل على المطلوب تسخط من قدر الله أو أحال ذلك إلى الحظ والبخت، وهو في هذا كله مبتدئه ومنتهاه غافل عن الله وقدرته سبحانه وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته منصرف عن التعبد له والتوجه إليه سبحانه، فهذا متوكل على غير الله، ومن الناس من يتبع هواه وإخلاد نفسه إلى البطالة والكسل، ويجمع قلبه ويستفرغ توجهه إلى حصول مطلوبه بلا سعي ولا سبب فيفرط في أمر الله له بالسعي والأخذ بالأسباب ويجعل
(1) سورة الفاتحة الآية 5
(2)
مدارج السالكين 2/ 120.