المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثالث:كون التوحيد قضية الوجود - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٨٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفتاوى

- ‌ إذا لم يأكل ما تركه الخارص زكاه، ويأكل أهل الزروع منها)

- ‌ أخذ الزكاة عينا من الثمار)

- ‌ لا دليل صحيحا صريحا على أخذ القيمة)

- ‌ المسائل التي يجوز إخراج القيمة فيها عند ابن تيمية والبخاري)

- ‌(تخرج من الطيب والمتوسط والرديء)

- ‌ زكاة العسل)

- ‌ لا تتكرر زكاة المعشرات ما لم تكن للتجارة)

- ‌ زكاة النقدين)

- ‌ زكاة مبلغ مودع في البنك)

- ‌ أوراق البنكنوت)

- ‌ أحسن المسالك في الأوراق أن تعتبر نقودا

- ‌ الزري في المشالح)

- ‌ بحث في البلاتين

- ‌ الخناجر الذهبية، وأسنان الذهب)

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌من ترك إخراج الزكاة لزمه إخراجها عما مضى من السنين

- ‌الجهل بفرضية الزكاة لا يسقطها

- ‌حكم زكاة أموال اليتامى

- ‌إخراج الزكاة من مال الطفلة

- ‌ إخراج الزوج زكاة زوجته من ماله

- ‌ نقل الزكاة من بلد إلى بلد

- ‌ شراء مواد غذائية وعينية من الزكاة وصرفها في مصارفها

- ‌ قبول الزكاة وصرفها لمعوقي الفقراء ممن ليس لهم من ينفق عليهم

- ‌ أخذ العروض في الزكاة

- ‌إخراج زكاة العروض منها يجزئ وبالنقود أحسن وأحوط

- ‌ إخراج الزكاة عروضا عن العروض وعن النقود

- ‌دفع الزكاة للجمعيات الخيرية

- ‌يجب على الوكيل في توزيع الزكاة تنفيذ ما قاله موكله

- ‌ إعطاء الوكيل أجرة على توزيع الزكاة

- ‌ الدعاء عند تفريق الصدقة

- ‌ اعتبار ما يدفع لمصلحة الزكاة

- ‌ذكر الأصناف الثمانية في الآية لبيان المصرف لا للترتيب

- ‌الفرق بين المسكين والفقير

- ‌ أخذ الزكاة لمن له دخل

- ‌الفقير يعطى كفايته لسنة كاملة

- ‌ دفع الزكاة للفقير الذي له من ينفق عليه كفايته

- ‌ الزكاة للزوجة الفقيرة تحت الغني الذي لا ينفق عليها

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌ كيف يكون المسلم محققا لشهادة أن لا إله إلا الله

- ‌ الإمام يختم رمضان في صلاة التراويح بالختمة

- ‌ هل يقرأ دعاء الاستفتاح في كل ركعة من ركعات التراويح

- ‌لدرس الذي يلقيه الأئمة والدعاء بعد تسليمة أو تسليمتين من صلاة التراويح

- ‌ هل الجهر في تكبيرة الإحرام واجب أم يجزئ الإسرار بالقلب فيها

- ‌ رفع صوت المأمومين بتكبيرات الإحرام خلف الإمام

- ‌ رفع الرأس قليلا في الصلاة عند تكبيرة الإحرام وعند الدعاء والاستغفار

- ‌ رفع اليدين بعد القيام من الركعة الثالثة

- ‌ صفة تكبيرة القيام من التشهد الأول ورفع اليدين

- ‌البحوث

- ‌المبحث الأول: أهمية التوحيد في ذاته

- ‌المطلب الأولكونه حق الله تعالى:

- ‌المطلب الثاني: كونه علة خلق الخلق

- ‌المطلب الثالث:كون التوحيد قضية الوجود

- ‌المبحث الثاني: ضرورة الخلق إلى التوحيد

- ‌المطلب الأول: فطرية التأله:

- ‌المطلب الثاني: ضرورة الخلق إلى التأله لله وحده

- ‌المبحث الثالث: شدة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد

- ‌المطلب الثاني: المشكلات العامة الحالة بالمسلمين

- ‌المطلب الثالث: حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الحق علما وعملا

- ‌أسباب لرفع البلاء قبل وقوعه وأسباب لرفعة بعد وقوعه

- ‌منهجي في البحث:

- ‌التمهيد: معنى البلاء في اللغة والاصطلاح:

- ‌أولا: معنى البلاء في اللغة:

- ‌ثانيا: معنى البلاء في الاصطلاح:

- ‌الفصل الأول: أسباب دفع البلاء قبل وقوعه:

- ‌المبحث الأول: عبادة الشكر

- ‌تعريف الشكر اصطلاحا:

- ‌دفع الشكر للبلاء قبل وقوعه:

- ‌المبحث الثاني: التقوى

- ‌معنى التقوى في اللغة:

- ‌معنى التقوى في الاصطلاح:

- ‌دفع التقوى للبلاء قبل وقوعه:

- ‌المبحث الثالث: التزود بالطاعات وترك المحرمات:

- ‌المبحث الرابع: عدم التعرض لأولياء الله تعالى:

- ‌المبحث الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

- ‌المبحث السادس: الحمد باللسان عند رؤية المبتلى:

- ‌المبحث السابع: صلة الرحم والبعد عن الظلم:

- ‌المبحث الثامن: إسداء وصنع المعروف للناس:

- ‌المبحث التاسع: التحرزات الليلية:

- ‌المبحث العاشر: عبادة الاستعاذة بالله:

- ‌المبحث الحادي عشر: أن يستودع العبد ربه الأشياء:

- ‌المبحث الثاني عشر: الأخذ بالتوجيهات الشرعية عند رؤية الرؤى السارة والمحزنة:

- ‌المبحث الثالث عشر: حفظ الأطفال مما يضرهم:

- ‌الفصل الثاني: أسباب رفع البلاء بعد وقوعه:

- ‌المبحث الأول: الحبة السوداء

- ‌المبحث الثاني حديث: «الشفاء في ثلاث

- ‌أولا: العسل:

- ‌ثانيا الحجامة:

- ‌ثالثا: الكي:

- ‌المبحث الثالث: الصبر:

- ‌المبحث الرابع ماء زمزم:

- ‌الخاتمة

- ‌الوقفة الثانية:مع المناسبات:

- ‌الوقفة الثالثة:مع معنى الإفك:

- ‌الوقفة الرابعة:مع دوافع الإفك

- ‌الوقفة الخامسة:مع الأحكام الشرعية:

- ‌الوقفة السادسة:مع الآداب والتوجيهات:

- ‌الوقفة السابعة:مع الآثار المترتبة على الإفك:

- ‌الوقفة الثامنة:مع موقف عائشة رضي الله عنها:

- ‌الوقفة التاسعة:مع الذي تولى كبره:

- ‌الوقفة العاشرة:مع خطر شيوع الفاحشة:

- ‌الوقفة الحادية عشرة:مع معاني (لولا):

- ‌الوقفة الثانية عشرة:مع فائدة بلاغية:

- ‌الوقفة الثالثة عشرة:مع صلة الرحم:

- ‌الوقفة الرابعة عشرة:مع الاستشارة:

- ‌التوجيهات النبوية في الجهاد ونشر الإسلام

- ‌التمهيد:

- ‌المبحث الأولحقيقة الجهاد وآدابه

- ‌المطلب الأول: حقيقتة وآدابه

- ‌المطلب الثاني: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأثرها:

- ‌المطلب الثالث: متى وفي حق من يشرع الجهاد

- ‌المطلب الرابع: حرص الإسلام وإيثاره للسلم والعافية:

- ‌المطلب الخامس: وجود الإمام وطاعته:

- ‌المطلب السادس: التحذير من التنازع ووجوب التطاوع:

- ‌المطلب السابع: بر الوالدين من الجهاد:

- ‌المبحث الثانيالتوجيهات النبوية قبل القتال

- ‌المطلب الأول: حث الإسلام على إعداد العدة:

- ‌المطلب الثاني: الاستعداد قبيل القتال:

- ‌المطلب الثالث: المشاورة:

- ‌المطلب الرابع: آداب الإسلام عند تحتم الجهاد:

- ‌المطلب الخامس: الالتزام بالنظام:

- ‌المطلب السادس: أهمية اللواء:

- ‌المطلب السابع: المفاجأة والمباغتة:

- ‌المطلب الثامن: الخدع في الحرب:

- ‌المطلب التاسع: الكذب في الحرب:

- ‌المبحث الثالثالتوجيهات والآداب أثناء وبعد القتال

- ‌المطلب الأول: التعرض لأموال العدو:

- ‌المطلب الثاني: الثبات أثناء القتال:

- ‌المطلب الثالث: الحفاظ على العتاد:

- ‌المطلب الرابع: الاعتناء بالأسرى، وإطلاقهم بدون فداء:

- ‌المطلب الخامس: إيثار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته

- ‌المطلب السادس: إيثار المؤلفة وغيرهم بالأموال:

- ‌المطلب السابع: أحكام الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب:

- ‌المطلب الثامن: الوفاء لأهل الذمة:

- ‌المطلب التاسع: تحريم الإسلام للغدر في حق جميع الناس:

- ‌الخاتمة:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌المطلب الثالث:كون التوحيد قضية الوجود

والنار، وقسم خلقه إلى أولياء وأعداء له، فأهل التوحيد هم أولياؤه أهل جنته متابعو رسله منفذو أوامره، والآخرون أعداؤه أهل النار مخاصمو رسله معرضون عن أمره. ولهذا أيضا كان التوحيد أول واجب على المكلف؛ به يدخل الإسلام وبه يخرج من الدنيا، فإذا كان التوحيد بهذه المثابة العالية والمكانة المكينة فهو أهم المهمات، ولا مهم إلا ما تعلق به، وما سواه فهباء، ومن ذا الذي لا يهتم بما خلق له، وما خاطبته الرسل به، وأنزل الله له الكتاب به، وعلى القيام به مدار الجزاء؟!! ومن كان له في ذاته هذا الشأن فلدراسته ذات الشأن.

ص: 127

‌المطلب الثالث:

كون التوحيد قضية الوجود

هذا المطلب هو محصلة المطلبين قبله، والوجود ليس فيه إلا الخالق ومخلوقاته، ليس ثمة شيء آخر، والتوحيد هو الصلة بينهما، وما دام التوحيد بهذه المثابة هو العلاقة بين الخالق وخلقه، من أذعن لله به حصل الأمن والسعادة، ومن أعرض عنه فلا أمن ولا سعادة، وهو في الدنيا من أهل بغض الله المحجوب عنهم فضله وفي الآخرة من أهل النار أبدا، يعذب لا ينعم أبدا، ما دام التوحيد كذلك فهو قضية الوجود لا شأن في الوجود إلا شأنه، فأي أهمية تفوق أهميته؟!! وأي دراسة أحق أن تبذل إلا دراسته.

وكون التوحيد هو قضية الوجود أمر قررته النصوص في الكتاب والسنة، وشاهد ذلك في أمور.

ص: 127

أولها: أن الله أعلن القطيعة بينه وبين المشركين بتسجيله سبحانه البراءة منهم في قوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (1) وفي الحديث القدسي: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (2)» فهذه براءة جازمة، وقضى سبحانه أن لا أولياء له إلا المؤمنون:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} (3) وقال: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (4) وقال نافيا الولاية عن المشركين مثبتا إياها للمؤمنين: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (5)، فهذه القطيعة الحاصلة بين المشركين وخالقهم مرجعها.

تركهم توحيده سبحانه، والصلة الحاصلة بين المؤمنين وخالقهم مرجعها إلى توحيدهم، فالعلاقة بين الله وخلقه مدارها على التوحيد.

وقد أمر الله المؤمنين الموحدين أهل ولايته بقطع كل العلائق إلا

(1) سورة التوبة الآية 3

(2)

أخرجه مسلم 4/ 2289 حديث رقم 2985

(3)

سورة البقرة الآية 257

(4)

سورة آل عمران الآية 68

(5)

سورة الأنفال الآية 34

ص: 128

إلى العلاقة مع الله، قال صلى الله عليه وسلم:«أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله (1)» فلا يرتبط الموحد بعلاقة ما إلا وحظ التوحيد هو عروتها التي عليها يعول، فلا يوالي إلا لحظ التوحيد، ولا يعادي إلا لحظ التوحيد، ولا يحب إلا لحظ التوحيد، ولا يبغض إلا لحظ التوحيد، وليس هذا في الوشائج العامة فقط بل وفي أفراد المعاملات، قال صلى الله عليه وسلم:«من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله وأنكح لله فقد استكمل الإيمان (2)» فالتوحيد هو نظام حياة المؤمن عطاؤه توحيد، ومنعه توحيد، وحبه توحيد، وبغضه توحيد، ونكاحه توحيد، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على أن كل حركة في حياة المسلم توحيد في قوله صلى الله عليه وسلم:«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين (3)» ولما قال له عمر رضي الله عنه: «يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي " قال له صلى الله عليه وسلم: " لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال عمر رضي الله عنه: " فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي " فقال

(1) أخرجه أحمد 30/ 448 حديث رقم 8524، والطيالسي ص 101 حديث رقم 847، وابن أبي شيبة 11/ 41 رقم 10469، والبيهقي في الشعب 1/ 46 رقم 14، وانظر الصحيحة للألباني رقم 1728.

(2)

أخرجه أحمد 24/ 383 رقم 15617 وص 399 رقم 5638، والترمذي 4/ 578 رقم 2521، وأبو يعلى 2/ 177 رقم 1483 وص 182 رقم 1498، وأبو داود 4/ 220 رقم 4681، والحاكم 2/ 164، وانظر الصحيحة رقم 380.

(3)

متفق عليه، البخاري مع الفتح 1/ 58 رقم 15، ومسلم 1/ 67 رقم 44.

ص: 129

النبي صلى الله عليه وسلم: " الآن يا عمر (1)» ولا معنى لحبه صلى الله عليه وسلم إلا متابعته على هديه وسنته حذو القدة بالقدة وهذا هو التوحيد فلم يكن منه صلى الله عليه وسلم إلا التوحيد، وقد نفى صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يقدم ذلك على أخصاء الخلق به ثم عمومهم، بل وأقسم على تقديمه على النفس، ففي هذا قطع العلائق حتى مع النفس إلا لله وحده، وهذا أدل شيء على أن التوحيد هو قضية الوجود، وهذا تأكد في القرآن في مواضع منها قوله سبحانه:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (2) وأعظم ما أمر الله بقطع العلائق به: الشرك وأهله، وقد جعل الله البراءة من المشركين صنو التوحيد، فقال:{قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (3) وقد جعل الله إبراهيم عليه السلام قدوة في البراءة من الشرك وأهله فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (4)

(1) أخرجه البخاري، البخاري مع الفتح 11/ 523 رقم 6632.

(2)

سورة التوبة الآية 24

(3)

سورة الأنعام الآية 19

(4)

سورة الممتحنة الآية 4

ص: 130

فهذه لبراءة صارمة من المشركين وشركهم ومعبوداتهم من دون الله، وصورتها: الكفر بذلك كله أي بالمشركين وبالشرك الواقع منهم وبالمعبودات التي أشركوها مع الله، وتمكن العداوة الظاهرة بالهجران والمجاهدة والبغضاء الباطنة بسخط القلوب وبغضها، وهذه البراءة دائمة في الحياة ما دام حال المشركين على الشرك حتى يرجعوا إلى التوحيد.

وقد ضرب الله لعباده أمثلة ناصعة لتوثيق الصلة بالله بتوحيده وبالبراءة من الخارجين عن التوحيد، فهذا نوح عليه السلام يقول الله له في ابنه الذي هو ابنه من صلبه:{لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (1) نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده لأن قرابة التوحيد أقوى من قرابة النسب، وعلل هذا النفي بأنه عمل عملا غير صالح وهو الكفر والتكذيب (2) قال ابن عباس رضي الله عنهما:" لو كان من أهلك لنجيته لك كما أنجيتك ولكنه عمل غير صالح "(3) وفسر رضي الله عنه {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} (4) بقوله: " خالفه في العمل والنية "(5)

فأهل التوحيد هم أهل الموحد، وأهل الشرك ليسوا أهلا له وإن كانوا

(1) سورة هود الآية 46

(2)

انظر تفسير القرطبي 9/ 46.

(3)

تفسير أبي حاتم 6/ 2039 رقم 10925 و 10927.

(4)

سورة هود الآية 46

(5)

تفسير أبي حاتم 6/ 2039 رقم 10925 و 10927.

ص: 131

قرابته. وهذا إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه الذي هو أبوه، قال الله في ذلك:{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (1) وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قاتلوا يوم بدر وأحد وغيرهما آباءهم وأبناءهم وقرابتهم فمنهم من قتل أباه ومنهم من قتل أخاه ومنهم من قتل خاله (2) فأنزل الله فيهم: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (3) فجعلهم الله حزبه وأخبر برضاه عنهم وما أعده لهم من التأييد في الدنيا والنعيم في الآخرة. فما أدل ذلك لكون التوحيد قضية الوجود!!. وقضى سبحانه ألا ولاية من مؤمن إلا لمؤمن: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (4) وقال: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} (5) وقال:

(1) سورة التوبة الآية 114

(2)

انظر زاد المسير 8/ 198.

(3)

سورة المجادلة الآية 22

(4)

سورة التوبة الآية 71

(5)

سورة آل عمران الآية 28

ص: 132

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (1) فانظر في هذه الآية كيف دلت لعنوان المطلب وتأمل في خبره سبحانه أنه إن لم تقم العلاقات بين الخلق على أساس الموالاة في التوحيد والمعاداة فيه فسيحصل من الشر والفساد الكثير مما يجمعه عدم التوحيد أو عدم وقوع كثير من أفراده وما يجر ذلك من سخط الله وعقوباته. وكما أن التوحيد أصل فروعه الطاعات، فإن صنوه " البراءة من المشركين " أصل فروعه البراءة من كل شيء لم يكن لله أو في الله، ومن حقق هذه الصلة بالله حصل ثمراتها الجليلة الهنيئة، وهي ثمرات دلت عليها النصوص ومنها: - أنه يجد حلاوة الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار (2)»

- أن من أقبل على التوحيد يحصل فرائضه ويستزيد من نوافله تسلم حركته في الحياة من كل سوء فلا يكون منه إلا خيرا لنفسه ولغيره، ففي الحديث القدسي: «ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه

(1) سورة الأنفال الآية 73

(2)

متفق عليه، البخاري مع الفتح 1/ 60 رقم 16، ومسلم 1/ 66 رقم 43.

ص: 133

الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (1)»

- أن الموحد يحصل ولاية الله، ويكون وليا لله، فإن الله قد أعلن الحرب على من عاداه كما جاء في أول الحديث السابق «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب (2)» .

- أن الموحد يحصل بتوحيده حب الله إياه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض (3)» وزاد في رواية: «وإذا أبغض عبدا دعا جبريل: إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضه أهل السماء ثم توضع له البغضاء في الأرض (4)»

فانظر إلى قوله: «يوضع له القبول في الأرض (5)» . وقوله: «توضع له البغضاء في الأرض (6)» ، الأول في أهل محبته والثاني في الآخرين، وقوله:" في الأرض " دال لما ذكرنا من أن التوحيد قضية الوجود.

(1) أخرجه البخاري الصحيح مع الفتح 11/ 340 – 341 رقم 6502.

(2)

صحيح البخاري الرقاق (6502).

(3)

متفق عليه، البخاري مع الفتح 13/ 461 رقم 7485، ومسلم 4/ 2030 رقم 2637.

(4)

أخرجها مسلم 4/ 2030 رقم 2637.

(5)

صحيح البخاري بدء الخلق (3209)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2637)، سنن الترمذي تفسير القرآن (3161)، مسند أحمد (2/ 413)، موطأ مالك الجامع (1778).

(6)

صحيح البخاري بدء الخلق (3209)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2637)، سنن الترمذي تفسير القرآن (3161)، مسند أحمد (2/ 413، 2/ 514)، موطأ مالك الجامع (1778).

ص: 134

ثم إن التوحيد مطلوب من العبد عمره كله حتى الموت، قال الله:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (1) وقال سبحانه: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (2) وقال سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (3) وفي كون التوحيد واجبا على كل عبد عمره كله يعود بسلوكه فيه على نفسه وعلى علاقته بكل ما حوله ظهور وجه من وجوه كونه قضية الوجود.

وجماع القول في بيان كون التوحيد قضية الوجود في قوله سبحانه يحكي قول إبراهيم لقومه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (4){الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (5){وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (6) فأهل التوحيد هم أهل الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة لأنهم أهل ولاية الله، وأهل الشرك هم أهل الخوف والضلال في الدنيا والآخرة لأنهم أهل عداوة الله.

(1) سورة الأنعام الآية 162

(2)

سورة آل عمران الآية 102

(3)

سورة الحجر الآية 99

(4)

سورة الأنعام الآية 81

(5)

سورة الأنعام الآية 82

(6)

سورة الأنعام الآية 83

ص: 135