الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
" تفسير التوحيد عند الأمة وصوابه قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له "(1)
فظهر أن معنى لفظ " التوحيد " المعهود شرعا والمعروف من إطلاقات اللغة والموافق لحال الخلق، هو " إفراد الله بالعبادة ".
(1) نقض الدارمي على بشر 6
مباحث الموضوع:
المبحث الأول: أهمية التوحيد في ذاته
التوحيد في ذاته أهم المهمات، هو أولها وآخرها، هو عنوانها وموضوعها، وما كان هذا قدره ومنزلته فلا غرو أن تكون لدراسته أهمية تليق بأهميته.
وتظهر أهمية التوحيد في ذاته في وجوه نفصل منها في المطالب الآتية:
المطلب الأول
كونه حق الله تعالى:
إن الحقوق تعظم بعظمة ما تتعلق به، وليس في الوجود أعظم ولا أكبر ولا أجل وأعز وأعلى من الله تعالى، كيف وهو موجد الوجود، فحقه أعظم وأكبر وأجل وأعز وأعلى الحقوق، وما كان له هذه العظمة فلدراسته أعظم الأهمية.
والحق في اللغة هو الواجب، يقال: حق الشيء: وجب (1)
والتوحيد هو الواجب لله وجوبا ثابتا متأكدا لا سبيل لإنكاره، وهو الصواب الذي لا مدخل للخطأ فيه، والصحيح الذي لا تنفذ شبهة إليه، فهو حق الله لا شريك له فيه ولا ينبغي لغيره.
وتأكد وجوب التوحيد لله من جهتين:
1.
فهو متأكد في ذاته لثبوته وتمكنه بإضافته إلى الله، فالله هو أهله كما قال سبحانه:{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} (2)، أي: أهل لأن يتقى بعبادته وتوحيده بالعبادة، لأنه الذي لا ينبغي العبادة لأحد سواه، ولا تحق إلا له، فرجوع حق التوحيد إلى الله وتعلقه به سبحانه يجعله متأكدا في ذاته، ولذلك وصف نفسه سبحانه بأنه (الحق) والمعبودات من دونه باطل، فقال:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (3)، وقال:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (4)، أي: هو المعبود بحق، الحق في العبادة له لا لغيره، كما زاده بيانا سبحانه حين ذكر أنه ينادي المشركين به يوم القيامة فيقول:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} (5)
(1) انظر تهذيب اللغة 3/ 374 ومعجم مقاييس اللغة 2
(2)
سورة المدثر الآية 56
(3)
سورة الحج الآية 62
(4)
سورة لقمان الآية 30
(5)
سورة القصص الآية 74
ويقول: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} (1) أي: على صحة دعواكم أنهم شركاء لي، قال سبحانه إثر ذلك:{فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (2) ولقد أطلق الله على نفسه اسم (الحق) في مواضع من كتابه، قال سبحانه:{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} (3) وقال سبحانه: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} (4)، وقال سبحانه:{هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ} (5)، وقال سبحانه:{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (6) وقال {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (7)، فالله هو الحق، أي: ذو الحق وصاحبه وأهله، وكل ما عاد إليه حق، وله الحق في الأمر والنهي سبحانه وتعالى، وأن يعبد بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وهو – أي وجوب التوحيد – متأكد في قيام الخلق ووقوعه منهم لربهم سبحانه، وذاك لأنه يوافق ما يجب أن يقع، والخلق قسمان: خلق مسخر غير مكلف، فهؤلاء موحدون لله أبدا لا ينقطع منهم توحيد الله بحال، قال الله في هذا القسم:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} (8){وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} (9)،
(1) سورة القصص الآية 75
(2)
سورة القصص الآية 75
(3)
سورة طه الآية 114
(4)
سورة النور الآية 25
(5)
سورة الكهف الآية 44
(6)
سورة يونس الآية 30
(7)
سورة الأنعام الآية 62
(8)
سورة النحل الآية 48
(9)
سورة النحل الآية 49
وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (1)، وقال سبحانه:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (2).
والقسم الآخر خلق مكلف تمكن منهم المعصية، فمنهم من يوحد الله فيوافق ما يجب أن يقع، ومنهم من يعود بحق الله إلى غيره فيخرج من حد التوحيد، ولذا لما ذكر سبحانه غير المكلفين في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} (3) عمهم من غير استثناء، فالجميع يسجد له، ثم لما ذكر بعض المكلفين قال:{وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} (4) فاستثنى، وهذا القسم تعاهد الله حقه فيهم، ففطرهم في أول الأمر على توحيده، كما قال:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (5) ثم لما أهبطهم إلى الأرض أخبر أنه لا يتركهم بلا هدى يرسله فيهم يحفظهم من الصوارف عن التوحيد
(1) سورة النور الآية 41
(2)
سورة الإسراء الآية 44
(3)
سورة الحج الآية 18
(4)
سورة الحج الآية 18
(5)
سورة الروم الآية 30
إن هم اتبعوه، قال سبحانه:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} (1) ثم كلما نسوا العلم وخرجوا عن الهدى بعث لهم رسله تهديهم: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (2) فهذا القسم من أطاع الله منهم ووحده فحصول التوحيد منه موافق لما يجب أن يقع، وهذا وجه تأكد وجوبه في عملهم به، ومن عصى الله فلم يوحده فقد قال الله فيه، كما في الآية المذكورة آنفا:{حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} (3)، فوجوب العذاب على ترك التوحيد واستحقاق المعرض عن التوحيد العذاب هو وجه تأكد وجوب التوحيد في هذه الحال، فرجع تأكد ثبوت ووجوب التوحيد من جهة قيام الخلق به إلى وجهين:
1 -
موافقته لما يجب أن يقع فيمن أدى التوحيد، سواء ممن هو مسخر أو مكلف مطيع.
(1) سورة طه الآية 123
(2)
سورة البقرة الآية 213
(3)
سورة الحج الآية 18
2 -
استحقاق العذاب على تركه فيمن أعرض عنه.
وقد جاء هذا المعنى على لسان الشارع صلى الله عليه وسلم، ففي حديث معاذ بن جبل قال:«كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: " يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟! " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا (1)» فمن عبده فقد أدى الواجب عليه، وهذا حق الله عليه، ومن أعرض استحق العذاب لحق الله عليه. وإنما كان التوحيد حقا خالصا لله لأمرين فصل فيهما القرآن تفصيلا بينا، على ما سنذكر طرفا منه؛ وهذان الأمران هما:
1 -
أنه رب المخلوقات، خلقهم وهو يملكهم، وهو الذي يدبر شؤونهم: يسير نظام الكون، ويقدر الأحوال؛ من رزق وتكاثر وحياة وممات وسائر شأنهم دقه وجله، ويبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء. ومن كان هذا شأنه فالحق له على خلقه أن يعظموه حبا وذلا له سبحانه، ويوحدوه بهذا التعظيم والذل، فكما أنه خلقهم وحده لا شريك له، وملكهم له وحده لا شريك له، ويدبر أمرهم وحده لا شريك له، فحقه أن يعبد وحده لا شريك له، فالتوحيد حقه على الخلق لربوبيته لهم وحده بلا وشريك.
(1) متفق عليه، البخاري مع الفتح 6/ 58 حديث رقم 2856، ومسلم 1/ 58 حديث رقم 49.
2 -
أنه الكامل ذاتا وصفات وأفعالا وأسماء، كمالا مطلقا لا ذم فيه ولا نقص، ولا ند له فيه ولا سمي، ليس كمثله شيء ولا يحاط به علما وله المثل الأعلى، جل وتعالى وعز سبحانه، ومن كان هذا شأنه استحق التعظيم والتذلل، والعبادة حق له وحده، فكما أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه لا كفؤ له ولا مثل، فحقه أن يعبد وحده لا شريك له، فالتوحيد حقه على الخلق لذاته سبحانه.
وقد قرر القرآن هذين الأمرين من وجوه عدة، وكل أمر كثرت وجوه تقريره وتعددت طرق الدلالة عليه تأكد ثبوته تأكدا بالغا.
أما الأمر الأول: فإن قاعدة القرآن الاستدلال للتوحيد بالربوبية وقد جاء تقرير ذلك من وجوه عدة منها:
1 -
استدلال الرب سبحانه بالربوبية للتوحيد والأمر به، ومن أمثلة هذا الوجه: قوله سبحانه في أول أمر ورد في المصحف: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1){الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2)، ففي الآية الأولى أمر الله الناس بعبادته وأسند ذلك إلى ما يعلمونه من ربوبيته لهم وذكر بعض أفراد ربوبيته، فأمر بالتوحيد ثم استدل له بالربوبية، وفي الآية الثانية بدأ
(1) سورة البقرة الآية 21
(2)
سورة البقرة الآية 22
بذكر أفراد ربوبيته ثم نهى عن الشرك ثم ذكر علم الخلق بربوبيته فذكر الدليل ثم أتبعه بذكر دلالته ثم أردفه بتأكيد حجة للدليل، وهي إقرار الخلق به وعلمهم إياه، قوله سبحانه:{إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} (1){رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} (2) فأكد التوحيد بالجملة الاسمية واستعمال " إن " التي للتأكيد وحرف " اللام " الذي للتأكيد في قوله " لواحد " ثم ذكر دليله وهو الربوبية. قوله سبحانه: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (3) ففي قوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (4) ذكر الربوبية ثم ذكر لازمها وموجبها، فذكر الدليل أولا ثم ذكر مدلوله، وكذا في قوله:{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} (5) ذكر الربوبية ثم أمر سبحانه بعبادته فذكر دليل الأمر وموجبه أولا ثم أمر سبحانه، بقوله سبحانه:{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (6) فذكر الدليل ثم أمر بموجبه ومدلوله، ولما كان الخطاب في هذه الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم ورسوله إلى الناس والقدوة لأوليائه أردف الأمر بالتوحيد بالأمر بالاصطبار عليه.
(1) سورة الصافات الآية 4
(2)
سورة الصافات الآية 5
(3)
سورة الأنعام الآية 102
(4)
سورة الأنعام الآية 102
(5)
سورة الأنعام الآية 102
(6)
سورة مريم الآية 65
ونحو هؤلاء الآيات كثير يطول حصره جدا.
2 -
استدلال الرسل بالربوبية للتوحيد والدعوة إليه: ذكر القرآن احتجاج الأنبياء بالربوبية للتوحيد والدعوة إليه، ففيه ذكر دعوة نوح عليه السلام أمر فيها قومه بقوله:{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} (1)، وقوله:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} (2)، واستدل لوجوب هذا الأمر وصحته بقوله:{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} (3){وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} (4){وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} (5){ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} (6){وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} (7){لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} (8)، وفيه قول هود عليه السلام لعاد:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (9){وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} (10){أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} (11){وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} (12) فأمر بالتوحيد واستدل له، وفيه:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} (13)، فأمر بالتوحيد وأقام دليله ثم كرر الأمر، فجعل الدليل واسطة بين ابتداء الأمر وتكراره، فالربوبية دليل التوحيد وموجبه، وفيه قول شعيب لقومه:{وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} (14)،
(1) سورة نوح الآية 3
(2)
سورة نوح الآية 10
(3)
سورة نوح الآية 15
(4)
سورة نوح الآية 16
(5)
سورة نوح الآية 17
(6)
سورة نوح الآية 18
(7)
سورة نوح الآية 19
(8)
سورة نوح الآية 20
(9)
سورة الشعراء الآية 126
(10)
سورة الشعراء الآية 132
(11)
سورة الشعراء الآية 133
(12)
سورة الشعراء الآية 134
(13)
سورة هود الآية 61
(14)
سورة الشعراء الآية 184
وقول عيسى عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (1)، شعيب عليه السلام أمر بالتوحيد ثم ذكر دليله، وعيسى عليه السلام بدأ بالدليل ثم ذكر موجبه حيث أمر بالتوحيد، ووصف هذا بأنه صراط مستقيم، إذ لا يكون الرب إلا المعبود، فلا يستحق العبادة إلا الرب، فمن استدل بالربوبية للتوحيد فقد سلك طريقا معتدلا قويما موصلا إلى الله، ونحو هذا في القرآن كثير.
3 -
محاجة المشركين في تركهم التوحيد بالربوبية: وهذه المحاجة تظهر في ثلاثة وجوه: حجتان ونتيجة.
أما الأول فهو الاحتجاج عليهم بإقرارهم بالربوبية لله وحده، لإلزامهم بالتوحيد حقا خالصا لله، وهذا في آيات منها:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} (2){أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (3){أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (4){أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (5){أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (6){أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (7)
(1) سورة آل عمران الآية 51
(2)
سورة النمل الآية 59
(3)
سورة النمل الآية 60
(4)
سورة النمل الآية 61
(5)
سورة النمل الآية 62
(6)
سورة النمل الآية 63
(7)
سورة النمل الآية 64
فذكر أفرادا من أفعال الربوبية وتوجه بسؤال تقريري في كل منها بقوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} (1) أي: أإله مع الله فعل هذا؟! وجواب هذا السؤال ولا بد: لا، وهذا هو وجه التقرير في السؤال: علمهم بأنه ليس معه رب فعل هذا، فتتم الحجة عليهم، ويحصل الإفحام، إذ كيف تقرون بألا رب معه فعل هذا لكم ثم تجعلون معه إلها آخر تعبدونه معه؟! فكما أن ربوبية ما سواه باطلة بإقراركم وشهادتك، فألوهية ما سواه باطلة، إذ لا يصح أن يعبد من يعجز عن فعل هذا.
ولذلك ختم المحاجة بعد ظهور الحجة ووقوع الإفحام بقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (2)، أي: هاتوا حجة تبطل هذه الحجة الظاهرة القائمة عليكم، وإلا فالزموا الحق وأذعنوا لهذه الحجة
(1) سورة النمل الآية 60
(2)
سورة النمل الآية 64
وتوجهوا بالتوحيد لله.
أما الوجه الثاني فهو الاحتجاج عليهم بخلو المعبودات من دونه من شيء من صفات الربوبية، لإلزامهم بالتوحيد حقا خالصا لله، وهذا في آيات منها:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} (1){أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (2){إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} (3)، فذكر سبحانه خلو من يدعون من دونه من صفات الربوبية ثم قرر الحق {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (4)، وهو المتصف بصفات الربوبية، فلا إله إلا الرب، وقوله:{قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} (5)، أي: منكرة للشرك مع الله الرب غيره في العبادة، وهذا احتجاج بعلمهم وإقرارهم.
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (6) فنفى أن تكون للمعبودات من دونه ربوبية على عابديها، ولذلك فهم ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها ظلما بينا، فهم في ضلال مبين، لظهور الحق بالدليل المذكور: أن لا رب إلا الله، فمن ترك الحق البين كان ضلاله بينا {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (7)،
(1) سورة النحل الآية 20
(2)
سورة النحل الآية 21
(3)
سورة النحل الآية 22
(4)
سورة النحل الآية 22
(5)
سورة النحل الآية 22
(6)
سورة لقمان الآية 11
(7)
سورة النحل الآية 17
وهذا بعد ذكر خلقه سبحانه الأرض والجبال والبحار والحيوانات والنباتات والليل والنهار والأفلاك، يحضهم سبحانه إلى الإذعان لهذه {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (1) وفي هذا السؤال تقرير أن ليس لله شركاء خلقوا كخلقه فيستحقون العبادة معه، ولذلك قال:{قُلِ اللَّهُ} (2)، أي: قله ولن تجد مخالفا لك في ذلك، وعليه فالعبادة لله، وتوحيده بها حقه على خلقه، قال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (3) فأخبر سبحانه عن خلو المعبودين من دونه من أي أصل من الأصول الجامعة لاستحقاق العبادة، فلا يملكون شيئا من الخلق ملكا مستقلا، وليس لهم في شيء من الخلق ملك بالشركة، وليس لهم إعانة للخالق في الخلق والتدبير، وليس لهم على الخالق جاه يدلون به إليه بذواتهم أو مكانتهم، فتكون لهم عنده كلمة مطاعة وإن لم يأذن أو لم يرض، فحسم مادة الشرك من أصلها، وأقام أساس استحقاقه للعبادة
(1) سورة الرعد الآية 16
(2)
سورة الرعد الآية 16
(3)
سورة سبأ الآية 22
وحده دون سواه، فالتوحيد حقه لا حق لسواه فيه، وبعد هذا التقرير ورد قوله سبحانه:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} (1)، وقوله:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} (2)، قدم {وَإِنَّا} (3) على {أَوْ إِيَّاكُمْ} (4) ثم قال:{لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (5)، فقدم {لَعَلَى هُدًى} (6) على {أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (7) لأن الهدى متعين لموحدي الله بالعبادة بعد ظهور الحجة الواضحة الحاكمة بالتعيين حتى صار للحجة معلوما علما مغنيا عن ذكره، والمعنى: إنا على هدى وإنكم لعلى ضلال مبين، لأنا وحدنا الذي يرزقنا وأشركتم به. أما الوجه الثالث فهو أن الله سفه فعل المشركين أن عبدوا من لا يتصف بصفات الربوبية الموجبة للعبادة، وهذا التسفيه نتيجة لقيام الحجة على بطلان هذا الفعل وظهورها جلية غير مدفوعة، وهذا التسفيه ورد في آيات عديدة منها:{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} (8)، وقوله تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} (9)، {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} (10){وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} (11)،
(1) سورة سبأ الآية 22
(2)
سورة سبأ الآية 24
(3)
سورة سبأ الآية 24
(4)
سورة سبأ الآية 24
(5)
سورة سبأ الآية 24
(6)
سورة سبأ الآية 24
(7)
سورة سبأ الآية 24
(8)
سورة الفرقان الآية 3
(9)
سورة النحل الآية 73
(10)
سورة الأعراف الآية 191
(11)
سورة الأعراف الآية 192
(1) سورة الزمر الآية 38
وأما الأمر الثاني، من الأمرين الذين لهما كان التوحيد حقا خالصا لله وحده: فإن الآيات في بيان استحقاق الله التوحيد لكمال ذاته وصفاته كثيرة، ودلت من وجوه عديدة منها:
1 -
تقرير استحقاق الله للتوحيد بذكر صفاته العلى: وهذا في آيات لا تحصى إلا بتطويل كثير، نقتصر منها على آيات سورة الحشر، قال تعالى {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (1){هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2){هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (3) ذكر سبحانه ألوهيته، وسبح نفسه عما يشركون، وذكر تعبد ما في السماوات والأرض له، وسرد بين ذلك صفاته سبحانه فأفرد بعضها بالذكر وأجمل
(1) سورة الحشر الآية 22
(2)
سورة الحشر الآية 23
(3)
سورة الحشر الآية 24
{لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (1) التي استحق لها ذلك وهي دليل لهذا الاستحقاق.
2 -
الاستدلال بكمال الصفات للأمر بالتوحيد والدعوة إليه: ومن أمثلة هذا: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (2)، وهذا سؤال تقرير للمعلوم من أنه ليس له سبحانه مماثل في صفاته وكماله فيستحق العبادة معه أو من دونه {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (3){لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (4)، ذكر سبحانه الحجة لاستحقاقه التوحيد بذكر صفات من صفاته العلى وأسمائه الحسنى، وقضى بظهور الحجة وتبينها تبينا لا حاجة معه للإكراه على التوحيد، فلا يلتزمه إلا أهل الرشد والاستقامة ولا يتركه إلا أهل الغي والضلال.
3 -
الاستدلال بكون الناقص ذاتا وصفات لا يكون إلها وتسفيه
(1) سورة الحشر الآية 24
(2)
سورة مريم الآية 65
(3)
سورة البقرة الآية 255
(4)
سورة البقرة الآية 256
المشركين في اتخاذهم عادم صفات الكمال إلها: وهذا شاهد ظاهر قوي لاستحقاق الله التوحيد فهو الكامل وحده كمالا مطلقا ذاتا وصفات، وهذا المعنى ورد في آيات كثيرة منها: ذكر الله قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} (1)، ففي هذا تقرير معلوم ظاهر غير خفي أن الناقص عادم صفات الكمال لا يكون إلها يعبد إنما تكون العبادة للسميع البصير الغني، كامل الصفات، فالتوحيد حقه.
وبنحو ما ألزم عليه السلام أباه قومه: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ} (2){قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} (3){فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (4){ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} (5){قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} (6){أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (7){قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} (8)، فأظهر لهم علة بطلان عبادة آلهتهم فهي لا تتكلم وهذا نقص أذعنوا للحجة فيه، وسلموا بالظلم الذي وقع منهم بوضع العبادة في غير موضعها، لكنهم رجعوا إلى علم ورثوا عن آبائهم تجاهله لا لحق بل لعادة استحكمت
على
(1) سورة مريم الآية 42
(2)
سورة الأنبياء الآية 62
(3)
سورة الأنبياء الآية 63
(4)
سورة الأنبياء الآية 64
(5)
سورة الأنبياء الآية 65
(6)
سورة الأنبياء الآية 66
(7)
سورة الأنبياء الآية 67
(8)
سورة الأنبياء الآية 68
عمى وضلال، فكرر عليهم الحجة بعدم أهلية الناقص للعبادة، فلم يجدوا حجة ناقضة، فلجؤوا إلى البطش وإلغاء وجوده، شأن فاقد الحجة إذا أخذته العزة بالإثم، {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} (1)، فدل سبحانه على عدم أحقية معبودهم هذا بالعبادة كونه لا يتكلم ولا يهدي، ناقص الصفات والأفعال، ومثله سواء بسواء قوله سبحانه:{فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} (2){أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} (3). وقال سبحانه: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} (4)، فهذه حجة ظاهرة في أن المستحق للعبادة لا يكون إلا كاملا متصفا بصفات الكمال، لأن من عدمت فيه هذه الصفات لا يكون إلها، وقد نبه بصفتي المشي والبطش إلى نوع الصفات الفعلية، وبصفتي السمع والبصر إلى نوع الصفات الذاتية (5)
وخلاصة القول: أن التوحيد حق خالص لله عز وجل، استحقه
(1) سورة الأعراف الآية 148
(2)
سورة طه الآية 88
(3)
سورة طه الآية 89
(4)
سورة الأعراف الآية 195
(5)
انظر الصواعق المرسلة 3/ 915