الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البحوث
صفحة فارغة
أهمية دراسة التوحيد
لفضيلة الأستاذ الدكتور: محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الجهني
مقدمة:
الحمد لله وحده لا شريك له، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه في خضم الدعوات المتلاحقات لتناول مناهج التعليم في بلادنا بالتعديل والتطوير والتحسين، ونحو هذه المفردات المجملة التي يراد بها حق وقد يراد بها باطل يتخفى طالبوها تحت دثار إجمالها، سمعنا بمن يطلب أن تجتمع مواد التعليم الشرعي تحت مسمى واحد هو:" الثقافة الإسلامية " يضم أقسام العلم الشرعي في منهج واحد يأخذ من كل قسم شيئا، فلا تتميز عقيدة بدراسة مختصة بها، ولا أحكام بدراسة مختصة بها، بل يجمع الدلالة عليها منهج عام يعطي – في دعوى أصحاب هذا الطلب – صورة موحدة متكاملة للثقافة الشرعية التي تتطلبها قيم المجتمع ومبادئه وولاءاته الثقافية – زعموا -
ولما قد يجور به هذا الرأي على الثوابت الأسس للديانة من تهميش وتمييع ينال من ركنيتها ويضعف قوتها، ويلفت عنها النظر الواجب إلى منزلتها، ويجرح هيبتها، ويؤسس للجراءة عليها والتخفف شيئا فشيئا من سلطانها، والتمهيد لتناسخ العلم بها، حتى يعود الناس إلى جاهلية جهلاء
كالتي بعث الرسل إليها، ولم تكن مهمة الرسل حين بعثوا إليها إلا رد الناس إلى تلك الثوابت واستئناف تأسيسهم عليها.
لمثل هذه المخاوف الشرعية، ولما جرت عليه طريقة الشرع من حماية حمى الثوابت بسد الذرائع إلى الباطل عنها، أكتب هذه الدراسة في بيان أهمية دراسة التوحيد، فإن في طلب رفع اسم " التوحيد " عن منهج يخصه، في مواد التعليم الشرعي، حصول ما ذكر من المخاوف، إذ التوحيد شعار الملة، وهو جماع أمرها، وهو مقصدها وغايتها، فإن اختفى اسمه واقتصر فيه على رؤوس أقلام ومفردات عامة فماذا بقي من الملة؟!!
أي صورة هشة مهزوزة مختلطة المعالم لا تبدي حقيقة ولا توضح موضوعا تلك التي يعرض فيها التوحيد في منهج عام مجمل يسمى الثقافة الإسلامية؟!! كيف يكون التوحيد حين يتناوله المنهج على هذا النحو ثابتا أساسا؟!! وكيف يكون شعارا ومقصدا؟!! أي خصوصية لهذه الثقافة في مثل هذا العرض؟!! وأي منهج للأمة وأفرادها فيه؟!! وقد كتبت هذه الدراسة ملتفتا إلى هذا المقصد المذكور، وهو التذكير بأهمية دراسة التوحيد، وأن يبقى لهذا الاسم خصوصيته العليا التي لا تدافع بنزوة، ولا تداحض بأي شبهة، لينتبه كل من جرته نزوة أو شبهة إلى منزلة التوحيد التي بها جماع حياة الفرد والجماعة والخلق، وعليها مدار السعادة في الدارين، وليعلم أن التوحيد معقد الاستقامة، وأنه الثابت الأساس لأمن الحياة الإنسانية وتغيراتها، هو صمام أمانها،
ونواة نموها، وحدود غايتها، فلا يصلح شأن التعليم قط إلا والتوحيد اسم بارز على أول وأهم مناهجه، يتغذى به طلاب العلم، ويؤسسون على مبادئه وترعاه فيهم مراحل التعليم المتتابعة تمام الرعاية. وقد رتبت الكلام في بيان أهمية دراسة التوحيد على الخطة التالية:
التمهيد: وفيه عرض لمفهوم التوحيد.
المبحث الأول: " أهمية التوحيد في ذاته "
وفيه مطالب: المطلب الأول: " كونه حق الله تعالى "
المطلب الثاني: " كونه علة خلق الخلق "
المطلب الثالث: " كونه قضية الوجود "
المبحث الثاني: " ضرورة الخلق إلى التوحيد "
وفيه مطلبان: المطلب الأول: " فطرية التأله "
المطلب الثاني: " ضرورة الخلق إلى التأله لله وحده "
المبحث الثالث: " شدة حاجة المسلمين اليوم لدراسة التوحيد "
وفيه مطالب: المطلب الأول: " الجهل الواقع بالتوحيد علما وسلوكا "
المطلب الثاني: " المشكلات العامة الحالة بالمسلمين "
المطلب الثالث: " حاجة العصر إلى التزام المسلمين بالتوحيد الحق علما وسلوكا "
وإنما رتبته على هذه الفصول لأنها فيما بدا لي أهم وجوه أهمية
دراسة التوحيد، فإنك إذا نظرت إلى عناوين المباحث والمطالب ظهر ذلك لك، فكيف لا تكون لما له في ذاته التي تفصلها المطالب المذكورة تحت المبحث الأول أهمية عظمى لدراسته؟!!
وكيف لا تكون لما للخلق ضرورة إليه أهمية عظمى لدراسته؟!!
وكيف لا تكون – مع الانحراف الواقع في التوحيد الذي له الأهمية المذكورة، وهو ضرورة الخلق وحاجتهم – لدراسة التوحيد أهمية عظمى؟!! وكيف لا تكون لما حاجة العصر إليه غاية الحاجة أهمية عظمى لدراسته؟!! والله المستعان والموفق لحصول المقصود، وما كان صوابا فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان.
وقد استحسنت نشر هذا المحرر والأمر كما قال ابن يزيد:
في كل مستحسن عيب بلا ريب
…
ما يسلم الذهب الإبريز من عيب
والحمد لله أولا وآخرا لا شريك له.
مفهوم التوحيد
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، فهو عمل العبد، يفرد الله بطاعاته لا يشرك معه غيره ولا يتوجه قصده بها أو بشيء منها إلى غير الله.
هذا هو معنى التوحيد، وهذا المعنى هو المعبر عنه عند أهل العلم بـ " توحيد الألوهية " فلفظ التوحيد إذا أطلق من غير إضافة إنما يراد به هذا المعنى الذي هو توحيد الألوهية، وهذا المعنى إذا تحقق من العبد دل على علمه واعتقاده أن الله منفرد ذاتا وصفات وأفعالا، لا سمي له ولا كفؤ
ولا شريك شاركه ربوبيته أو ظاهره فيها، وإنما كان التوحيد دالا على اعتقاد الموحد انفراد الله بربوبيته وكمال صفاته لاستقرار العلم فطرة وعقلا أنه لا يستحق العبادة إلا الرب – الخالق المالك المدبر – الكامل في صفاته، فالمعبود إنما يعبد لأمرين:
1 -
لكونه خالق العابدين ومالكهم ومدبر أمرهم، قال الله:{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (1) فلا يكون إله إلا وقد خلق خلقا يعبدونه فيستقل بهم.
2 -
لذاته، ولا يكون ذلك إلا إذا كان كاملا لا نقص في صفاته ولا عيب، قال إبراهيم عليه السلام لأبيه:{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} (2) فبين أن العادم لصفات الكمال ناقص لا يمكن أن يكون معبودا وبين أن العلم بذلك فطري (3) فإذا توجه العابد بعبادته لواحد أفرده بقصده وعمله لم يتوجه إلى غيره، فقد اعتقده واحدا منفردا في خلقه وملكه وتدبيره، ومنفردا في كماله ذاتا وصفاتا. ولذلك كان الشرك بالله بقصد غيره معه في العبادة تنقصا لحظ
(1) سورة المؤمنون الآية 91
(2)
سورة مريم الآية 42
(3)
انظر درء تعارض العقل والنقل: 10/ 155.
ربوبيته سبحانه، وهضما لعظمة صفاته عز وجل، ولذلك جعل الله الشرك سوء ظن به سبحانه، إذ قال:{وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1) وسوء ظن المشرك هو ما دل عليه شركه مع الله غيره في العبادة من نسبة حظ من الربوبية وكمال الصفات إلى هذا الغير (2) وسوء الظن هذا هو الذي لأجله أخبر الله في ثلاثة مواضع من كتابه عن المشركين أنهم ما قدروا الله حق قدره.
فالتوحيد إذا أطلق فلا معنى له إلا توحيد الألوهية، وإذا قلنا " توحيد الألوهية " فهو معنى التوحيد، وتقرر هذا المفهوم ثلاثة أدلة يأخذ بعضها بحجز بعض.
الأول: دليل اللغة، فإن لفظ " التوحيد " مصدر الفعل " وحد " والواو والحاء والدال أصل في اللغة يدل على الانفراد (3)
والتوحيد تفعيل، فمعناه الإفراد، وانفراد الله في ربوبيته وكمال صفاته ذاتي ليس بتفعيل من أحد، فهو فرد في ربوبيته وكمال صفاته لا بإفراد مفرد، فالإفراد الذي يكون من العبد لله عز وجل هو توجهه له بقصده
(1) سورة الفتح الآية 6
(2)
انظر وجوه سوء الظن بالله في زاد المعاد 3: 288/ 235، وانظر إغاثة اللهفان 1: 60/ 61
(3)
انظر معجم مقاييس اللغة 6/ 90
وعمله وحده دون سواه، وهذا هو التعبد، فرجع معنى توحيد الله في اللغة إلى المعنى الذي ذكرنا، وهو إفراد الله بالعبادة.
الثاني: دليل إجماع الخلق، فالخلق مجمعون على إفراد الله بالربوبية وكمال صفاته، لم يدع أحد في الخلق أبدا شركة في ذلك، بل جميع بني آدم منذ أهبط إلى الأرض حتى اليوم على إفراد الرب بالخلق وكمال الصفات، يقول ابن تيمية رحمه الله:" وقد ذكرنا أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية الذين يقولون بالأصلين؛ النور والظلمة، وأن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني " أنها قديمة لكنها لم تفعل إلا الشر فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور " (1)
وذكر نحو ذلك الرازي أيضا (2) وهذا الإفراد في الربوبية وكمال الصفات هو الإيمان الذي أثبته الله للمشركين في قوله {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (3)، أي: وإن أفردوا الله في ربوبيته
(1) التدمرية 115/ 116
(2)
التفسير الكبير 2/ 112
(3)
سورة يوسف الآية 106
وصفاته فإنهم يشركون به في العبادة، وهذا خلاف التوحيد الواجب، فدل هذا على أن التوحيد إذا أطلق ليس هو التوحيد في الربوبية والصفات، لأنه حاصل من الخلق.
الثالث: دليل مراد الشرع واستعماله، فإن هذا المعنى المذكور، وهو إفراد الله بالعبادة، هو مفهوم الشرع الذي يطلق عليه اسم التوحيد، فهو ما بعثت به الرسل، لم تأمر إلا به:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (1).
وفهم المخاطبون بالرسالات هذا المفهوم من خطابها: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (2)، وقال:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (3)، ورد في أحد ألفاظ حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتاب في اليمن «فليكن أول ما
(1) سورة التوبة الآية 31
(2)
سورة الأعراف الآية 70
(3)
سورة ص الآية 5
تدعوهم إلى أن يوحدوا الله (1)»
وقد فسر هذا الذي سمي في هذه الرواية توحيدا بالعبادة، ففي لفظ آخر:«فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله (2)» وفي لفظ آخر: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (3)» فجعل الشهادة هي معنى التوحيد. وفي رواية لحديث ابن عمر في مباني الإسلام: «بني الإسلام على خمس: على أن يوحدوا الله (4)»
…
فجعل الشهادة هي التوحيد. وفي حديث عمرو بن عبسة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما أنت؟ قال " نبي الله ". قال: آلله أرسلك؟ قال " نعم " قال: بأي شيء قال "
…
وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا (5)»
وعرف الصحابة هذا المفهوم فاستعملوه في كلامهم، في حديث جابر بن عبد الله في سياق صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " فأهل بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، ليبك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك (6)» فجعل الإهلال بالحج لله وحده لا شريك له توحيدا، والحج من أعمال التعبد.
ومفهوم الشرع هذا لمسمى التوحيد هو الذي فهمته الأمة واتفقت على إطلاق اسم التوحيد عليه، قال الدارمي:
(1) أخرجه البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 13/ 347 حديث رقم 7372
(2)
أخرجها البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 13/ 322 حديث رقم 1458 ومسلم 1/ 51 حديث 31.
(3)
أخرجه البخاري، انظر الصحيح مع الفتح 3/ 357 حديث 1496، وانظر مسلم 1/ 50 حديث. 29
(4)
أخرجه مسلم، 1/ 45 حديث 19.
(5)
أخرجه مسلم 1/ 569 حديث 832.
(6)
أخرجه مسلم 2/ 886 حديث 1218.