الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات
وبعد: لقد أمرنا الله بالتسليم والرضا بقضائه وقدره – سبحانه -، فعلينا أن نؤمن بأن ما يقع للعبد من بلاء إنما هو بقضاء الله وقدره وعلى العبد دفعه، وإن وقع فعليه الصبر ومحاولة رفعه، ويكون منعه باتخاذ الأسباب المانعة له مثل الدعاء. قال صلى الله عليه وسلم:«لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (1)» فالدعاء يرد القضاء بإذن الله، والبر من أسباب جلب النعم، والذنوب من أسباب وقوع البلاء مع التوكل على الله في رفع البلاء.
ومعلوم أن دفع البلاء أسهل من رفعه بعد أن يقع، فعلى المسلم الحرص على أسباب دفعه.
ومن أسباب دفع البلاء قبل وقوعه: الشكر والتقوى والتزود بالطاعات، وترك المحرمات، وعدم التعرض لأولياء الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحمد باللسان عند رؤية المبتلى، وصلة الرحم، والبعد عن الظلم، وإسداء وصنع المعروف للناس، والأخذ بالمتحرزات الليلية والاستعاذة واستيداع الله الأشياء والأخذ بتوجه المصطفى صلى الله عليه وسلم عند رؤية الرؤى وحفظ الأطفال.
(1) أخرجه ابن ماجه: 2/ 1334، وأحمد 5/ 277، والحاكم بلفظه 1/ 670، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتابعه الذهبي.
ومن أسباب رفع البلاء بعد وقوعه:
التداوي بما أباح الله من الأدوية والتي منها العسل والحجامة والكي والحبة السوداء وماء زمزم، ومن هذه الأسباب أيضا الصبر على البلاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
صفحة فارغة
وفقات مع آيات الإفك
للدكتور: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز الخضيري
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. . أما بعد:
فإن آيات الإفك قد شغلت حيزا من سورة النور امتد على مدى عشر آيات بدءا من الآية الحادية عشرة وقد اشتملت هذه الآيات على معان عظيمة وحكم بليغة ودلالات جليلة؛ حيث صورت ذلك الحدث الخطير في حياة الأمة في تلك المرحلة الحرجة من مراحل تكوينها وتناولت بالنقد والتحليل أبعاد ذلك الحدث وأسبابه الحقيقية الخفية، ووضعت الأسس العقدية والتشريعية للتعامل معه، وأرست القيم الاجتماعية التي
يجب أن تسود في مثل تلك الظروف، ونبهت إلى خطورة بعض التصرفات الخاطئة وما ينشأ عنها من الآثار السلبية على الفرد والمجتمع.
وفي هذا البحث وقفات مع هذه الآيات؛ نتفيأ فيها ظلالها، وننهل من معين هداياتها، ونستضيء بنور إشراقاتها، وننتفع بما فيها من المعاني العظيمة والحكم البليغة والأحكام النافعة، أسأل الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه والناظر فيه، وأن يرزق الإخلاص في القول والعمل والعصمة من الزلل، إنه جواد كريم.
الوقفة الأولى:
مع سبب النزول:
ورد في سبب نزل هذه الآيات حديث طويل، أسوقه بتمامه لأنه يمثل مع آيات الإفك محور هذا البحث وأساسه، ولأن فيه من الدروس والعبر ما ينبغي أن يوقف عنده وأن يستفاد منه.
ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه؛ فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها (1) فخرج فيها سهمي
(1) صحيح البخاري المغازي (4141)، صحيح مسلم التوبة (2770)، سنن أبي داود النكاح (2138)، سنن ابن ماجه الأحكام (2347)، مسند أحمد (6/ 198).
فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه! وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن (1) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة (2) من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان
(1) لم يهبلن: أي لم يكثر عليهن اللحم - انظر: النهاية في غريب الحديث 5/ 240.
(2)
العلقة - بضم العين وسكون اللام: القليل من الطعام. انظر: فتح الباري 8/ 460.
رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول. قالت: فهلك في من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك! وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع (1) وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (2) قريبا من بيوتنا. قالت: وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئس ما قلت!
(1) المناصع: أماكن معروفة بالمدينة من ناحية البقيع - انظر: فتح الباري 1/ 249.
(2)
الكنف: جمع كنيف، وهو المرحاض - انظر: القاموس المحيط 1099.
أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك. قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها! قالت: فقلت: سبحان الله! أولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي! قالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي (1) يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامه فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامه: أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه (2) أكثر من أنها جارية حديثة
(1) استلبث الوحي: استبطأه - انظر: النهاية في غريب الحديث 4/ 224.
(2)
أغمصه: أعيبه - انظر: القاموس المحيط 806.
السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله! قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي! قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك؛ فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك! قالت: فقام رجل من الخزرج - وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج. قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد: كذبت لعمر الله! لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل! فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد - فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه! فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الحيان - الأوس والخزرج - حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر.
قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم! قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي! فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي! قالت:
فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فسلم ثم جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة! فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال! فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال! قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! فقلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به؛ فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني! فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال:{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (1). ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وإن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (2) حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان وهو في يوم شات - من ثقل القول
(1) سورة يوسف الآية 18
(2)
البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي - انظر: النهاية في غريب الحديث 1/ 113.