الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عجزه وتفريطه توكلا فإذا حصل مقصوده اغتر بعجزه وتفريطه فيما أمر به وظنه توحيدا، وإذا لم يحصل مقصوده تسخط، وربما وصل به تسخطه إلى الكفر بالله والعياذ بالله، وقال: ها أنا توكلت عليه ولم يحصل لي شيء. وكلا الصنفين جاهل بحقيقة التوحيد، منقطع عنه، أما الأول فلأنه توجه برجائه وقصده إلى غير الله إما إلى علم أو مال أو شخص أو جهة، وأما الثاني فلأنه ترك ما أمره الله به ولم يخضع لشرعه ويتعبده بمراداته.
وجميع هذه المظاهر الشائعة في سلوك المسلمين الدالة على انفصام في سلوكهم عن معنى التوحيد دالة على شدة حاجتهم إلى دراسة التوحيد وأهمية ذلك.
المطلب الثاني: المشكلات العامة الحالة بالمسلمين
مرجع هذا المطلب والمطلب الذي يليه قول الله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (1) فإن الله علق الأمن والاهتداء بالتوحيد الذي لم يختلط بالشرك الناقض لأصله أو المعاصي الناقصة لكماله، فمن كان منه الأول وهو الشرك الناقض لأصل التوحيد فلا أمن له ولا اهتداء، ومن سلم توحيده من الشرك فله أصل الأمن والاهتداء ثم يكملان له ما كمل توحيده وينقص منهما ما ينقص من توحيده، والأمن والاهتداء لفظان عامان تندرج فيهما معان عدة:
فمراد بهما الأمن في الدنيا وفي الآخرة والاهتداء في الدنيا وفي
(1) سورة الأنعام الآية 82
الآخرة، ومراد بهما الأمن للجماعة وللأفراد والاهتداء للجماعة وللأفراد، والأمن يكون في النفس والمال والعرض والعقل والدين في الدنيا فأهل التوحيد آمنة نفوسهم مطمئنة ساكنة إلى ربها واثقة به، آمنة أرزاقهم طيبة هانئة مريئة لا يذوقون لباس الجوع، آمنة أعراضهم وعقولهم بحفظ الله لها بشرائعه، أمن دينهم فهو من عند ربهم وفي طاعته وعلى الصراط المستقيم، آمنون به من عذاب الله وعقوباته، وفي الجملة فهم آمنون بحياة طيبة يتحقق بها وعد الله الذي وعدهم إياه، فيقول:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1).
آمنون مما توعد الله به في قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (2) وهم آمنون في الآخرة لنجاتهم من عذاب الله وتحقق تمام وعد الله في قوله في تمام آية النحل المذكورة: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3) آمنون مما توعد الله به في تمام آية طه المذكورة: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (4) والاهتداء في الدنيا لأهل التوحيد يهديهم الله صراطه المستقيم، ويصور هذا
(1) سورة النحل الآية 97
(2)
سورة طه الآية 124
(3)
سورة العنكبوت الآية 7
(4)
سورة طه الآية 124
الاهتداء كأحسن ما يكون التصوير الحديث المتقدم ذكره في هذا البحث: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها (1)» ، والاهتداء لهم في الآخرة يهديهم الله إلى غرفاتهم في الجنة وإلى ما أعده لهم فيها من صنوف النعيم، وأمن الأفراد أمن الجماعة إذ بصلاح الأفراد يصلح المجموع. ومقصود هذا المطلب بيان حاجة جماعة المسلمين إلى التوحيد لأنهم أحوج ما يكونون اليوم إلى الأمن، أن تأمن جماعتهم مما هو حال بهم من الضعف والعجز عن مقاومة العدو وتسلط الكفار عليهم بالقتل والجراح واحتلال ديارهم والتسلط على بعض مقدساتهم وإلحاق أنواع الإيذاء بهم، هذا حل بهم من خارجهم وهم أيضا أحوج ما يكونون إلى أن تأمن جماعتهم من الاختلاف والفرقة والتنافر والتباغض الواقع بينهم، وهذا حل بهم من داخلهم، والأمن من هذه المشكلات العامة لا يكون إلا بالتسليم لله بتوحيد خالص لا ظلم يتلبس به فبهذا يأمنون من تسلط العدو ويدرؤون تعديه عليهم لأنهم به ينالون ولاية الله، وقد قال سبحانه كما في الحديث القدسي المتقدم ذكره في هذا البحث:«من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب (2)» ، وقد وعد سبحانه من صبر لطاعته واتقاه بتوحيده ألا يضره كيد أعدائه وإن عظم فقال:{وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (3)
(1) صحيح البخاري الرقاق (6502).
(2)
صحيح البخاري الرقاق (6502).
(3)
سورة آل عمران الآية 120
وفي كتاب الله مثال يبين مقصودنا (1) فإن الله ذكر الحال التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يوم الأحزاب يوم حاصرهم المشركون، قال سبحانه:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ} (2){هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (3) وبين سبحانه العلاج الذي قابل به المسلمون هذه المشكلة العظيمة وحلوها به فقال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} (4).
فالإيمان الكامل والتسليم لله ثقة به وتوكلا عليه هو حل هذه المشكلة وله كانت النتيجة لهذه المشكلة ما حكاه الله بقوله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (5).
فالإخلاص لله وتحقيق التوحيد له سبحانه هو حل مشكلات المسلمين المذكورة كما كان علاجا وسببا لحل مشكلة المسلمين يوم الأحزاب. وعلى نحو المثال السابق ورد قول الله عز وجل:
(1) هذا المثال نبه إليه الشيخ محمد الأمين في أضواء في البيان 3/ 412.
(2)
سورة الأحزاب الآية 10
(3)
سورة الأحزاب الآية 11
(4)
سورة الأحزاب الآية 22
(5)
سورة الأحزاب الآية 25
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (1){فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (2) فكانت قوة توحيدهم وإخلاصهم لله هي التي نفعتهم في هذه المشكلة العظيمة إذا قد جمع الناس لهم وجاءهم من يخوفهم ويثبطهم وكانت النتيجة أن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.
فظهر بهذا أن حل مشكلات المسلمين الحالة بهم اليوم من خارجهم إنما تكون بإقامتهم التوحيد تاما صحيحا لله وحده بذلك يكفيهم الله عدوهم ومشكلاتهم وينقلبوا بنعمة من الله وفضل، وأما مشكلاتهم الحالة بهم من داخلهم فلا حل لها إلا بالاجتماع على توحيد الله وإقامة الوجه له والاعتصام بملته على الوجه الصحيح المستقيم يقول ربنا جل وعلا في ذلك:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (3) جاءت هذه الآية في ختام الوصايا
(1) سورة آل عمران الآية 173
(2)
سورة آل عمران الآية 174
(3)
سورة الأنعام الآية 153