الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن مناقشة هذا بأنه قياس مع الفارق، لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة أطفال ونساء الكفار، لأن المسلم محقون الدم بحرمة الدين فلا يجوز قتله لغير ضرورة بخلاف نسائهم وأطفالهم فإنه قد حقن دمهم لأنهم غنيمة، وليسوا من أهل القتال.
الترجيح
الذي يظهر بعد عرض الأقوال ومناقشتها أن القول الأول القائل بعدم جواز قتال العدو ورميهم إذا تترسوا بأسرى المسلمين، ولم يكن هناك ضرورة لقتالهم ورميهم ولا حاجة ملحة تتنزل منزلة الضرورة هو القول الأقرب إلى الرجحان لما يأتي:
1-
قوة ما استدلوا به.
2-
ولأن حرمة دم المسلم أعظم من قتل الكفار وخاصة أنه لا ضرورة إلى قتلهم، ولا يترتب على عدم قتلهم أذى للمسلمين ولا خوف عليهم من العدو.
الفرع الثامن
الاعتداء على أعراض العدو
يحرم على المجاهد في سبيل الله معاشرة نساء الكفار قبل أسرهن، والحكم عليهن بالرق، وتوزيعهن على المقاتلين، ولا خلاف بين الفقهاء (1) رحمهم الله تعالى فيما أعلم، في ذلك وأنه كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الأصل في الأبضاع التحريم (2) ولا تحل إلا بطريقين:
الطريق الأول: النكاح الشرعي.
الطريق الثاني: ملك اليمين.
(1) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص (496) وحاشية الروض المربع (7/312) .
(2)
الأشباه والنظائر للسيوطي ص (61) .
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج: 29-31] والمؤمنون: 5-7.
فنساء أهل الحرب قبل استرقاقهن وتوزيعهن على المجاهدين يحرم معاشرتهن لعدم النكاح الشرعي وعدم ملك اليمين.
وفعل ذلك زنا محرم مجمع على تحريمه (1) .
قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا}
…
[الإسراء: 32] .
أما إذا ملك المجاهد نساء الكفار بعد قسمة الغنيمة، فإنه يجوز له معاشرتهن بعد انقضاء عدتهن، لأنهن أصبحن ملك يمين (2) .
يدل على ذلك ما يلي:
1-
قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المعارج: 30]، [المؤمنون: 6] .
2-
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس (3) فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24] أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن) (4) .
(1) رحمة الأمة ص (496) والإجماع لابن المنذر ص 100.
(2)
الأم (4/270) ومغني المحتاج (5/443) .
(3)
أوطاس وادي في ديار هوزان تجمعت فيه هوزان وثقيف لحرب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الآن في شمال شرقي عشيرة قرب بركة زبيدة. انظر: معجم ما استعجم (1/212) .
(4)
صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء ح رقم (1456) .
وبهذا يتبين أن سبي نساء الكفار واسترقاقهن عند قتال الكفار ثابت باتفاق الفقهاء، وأن للمجاهد معاشرتهن بعد ملكهن بقسمة الغنيمة، وانقضاء عدتهن.
فإن قيل: هل يمكن تطبيق هذا الحكم في العصر الحاضر في القتال مع الكفار؟
فالجواب على ذلك يتطلب بحث المسائل الآتية:
المسألة الأولى: تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين الغانمين.
المسألة الثانية: رد نساء الكفار إليهم بعد الأسر.
المسألة الثالثة: الاتفاقات بين المسلمين والكفار.
المسألة الأولى
تقسيم الغنائم في العصر الحاضر بين المجاهدين الغانمين
الغنائم في هذا العصر لا تقسم بين الغانمين، وسيأتي بيان ذلك في الغنائم إن شاء الله. والذي يهم هنا أن الغنائم إذا لم تقسم بين المجاهدين الغانمين فإن نساء الكفار اللواتي يقعن في الأسر لا يجوز لأحد من المجاهدين وطئهن ولا معاشرتهن.
لما سبق من أنه لا يجوز وطء نساء الكفار إلا بعد ملكهن بقسمة الغنائم وحيث لا قسمة للغنائم فلا ملك لنساء الكفار (1) .
جاء في حاشية ابن عابدين: وكذا حكام هذا الزمان وأمراء الجيوش لا ينفلون ولا يقسمون الغنيمة، فإذا لم يوجد تنفيل ولا قسمة ولا شراء من أمير، فلا يحل الوطء بأي وجه أصلا (2) .
(1) راجع الاعتداء على أعراض العدو من هذا البحث.
(2)
حاشية ابن عابدين (6/246) .
المسألة الثانية
رد نساء الكفار بعد الأسر
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة:
فذهب المالكية (1) إلى أن الإمام أو القائد يفعل بهن ما هو الأصلح من الفداء، أو الاسترقاق أو المن وإخلاء سبيلهن دون مقابل.
وقال الحنفية (2) لا يفادي بنساء الكفار، وإنما يسترقون لمنفعة المسلمين إلا في حال الضرورة فيجوز المفاداة بهن.
وقال الشافعية (3) والحنابلة (4) يلزم استرقاقهن بمجرد السبي لفعل النبي صلى الله عليه وسلم (5) وبه قال ابن حزم (6) .
إلا أن الحنابلة أجازوا أن يفادى بهن أسارى المسلمين (7) لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بالمرأة التي أخذها من سلمة بن الأكوع (8) .
والذي يظهر أن ترك الخيار للإمام، أو القائد هو الأولى وهو ما ذهب إليه المالكية لأن المصلحة قد تكون في فدائهن، أو المن عليهن دون فداء.
جاء في تفسير المنار: إن رأى المسلمون أن المصلحة في رد السبايا إلى قومهن جاز ذلك، وربما وجب عملا بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد (9) .
(1) القوانين الفقهية ص 128 والشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي (2/184) وبلغة السالك (1/362) والأخيران قصرا خيار الإمام على الفداء أو الاسترقاق فقط.
(2)
حاشية ابن عابدين (6/227) .
(3)
الأم (4/260) وروضة الطالبين (10/250) .
(4)
المغني (13/50) والكافي في فقه الإمام احمد (4/161) .
(5)
المغني (13/50) .
(6)
المحلى بالآثار (5/364) .
(7)
المغني (13/50) .
(8)
صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الجهاد والسير، باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسرى، ح رقم (1755)
(9)
تفسير المنار (5/5) .
المسألة الثالثة
الاتفاقات بين المسلمين والكفار
إذا حصل اتفاقات بين المسلمين والكفار على أمور معينة مشروعة فإنه يجب الوفاء بها في حدود ما تضمنته الاتفاقات، لعموم قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
فلو حصل اتفاق بين المسلمين والكفار أنه لا سبي ولا استرقاق للنساء والأطفال وأنهم يعادون إلى أهليهم، كان ذلك ملزما للطرفين (1) .
جاء في شرح السير الكبير (ولو شرطوا أي العدو أن لا نقتل أسراهم إذا أصبناهم فلا بأس بأن نأسرهم ويكونوا فيئا ولا نقتلهم وإن شرطوا لا نأسر منهم أحدا فليس لنا أن نأسرهم أو نقتلهم إلا أن تظهر الخيانة منهم. فحينئذ يكون هذا نقضا منهم للعهد فلا بأس أن نقتل أسراهم، وأن نأسرهم كما كان لنا ذلك قبل العهد)(2) .
وبعد بيان هذه المسائل الثلاثة بشيء من الاختصار يتضح أنه في هذا العصر لا يمكن تطبيق سبي النساء واسترقاقهن في حال القتال مع الكفار لعدم تقسيم الغنائم على المجاهدين، وللاتفاقات المبرمة التي تمنع الرق في أسرى الحروب وتلزم بتسليم الأسرى إلى دولهم، فإذا قسمت الغنائم على المجاهدين، ولم يكن هناك اتفاقات ملزمة بين المسلمين والكفار، فإن الحكم ثابت في جواز سبيهن واسترقاقهن باتفاق الفقهاء. والله أعلم.
(1) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (2/1433) .
(2)
شرح السير الكبير (1/231) .
الفرع التاسع
المثلة (1) بموتى الكفار
اتفق الفقهاء (2) رحمهم الله تعالى - فيما أعلم - أنه لا يجوز التمثيل بموتى الكفار إذا لم يكن في التمثيل بهم مصلحة، أو معاملة بالمثل.
والأدلة على ذلك ما يلي:
1-
عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة)(3) .
2-
وعن بريدة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزو باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا..)(4) .
وجه الدلالة من الحديثين: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة، والنهي يقتضي التحريم.
أما إذا كان في التمثيل بموتى العدو مصلحة للمجاهدين، أو معاملة بالمثل بأن مثلوا بموتى المسلمين فإنه يجوز التمثيل بموتاهم بما تتحقق به المصلحة وذلك عملا بقاعدة المصلحة والمفسدة (5) .
(1) مثلة بضم الميم ومَثلة بفتحها: عقوبة، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه والاسم المثلة. انظر: لسان العرب (11/615) مادة (مثل) وطلبة الطلبة ص 188.
(2)
المبسوط (10/5) وبدائع الصنائع (6/96) وفتح القدير (5/201) وحاشية الخرشي
…
(4/20) ومواهب الجليل (4/548) والأم (4/245) والحاوي الكبير (14/175) والمغني (13/199) وكشاف القناع (1/380) .
(3)
صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي، باب قصة عكل وعرينة، ح رقم (4192) من حديث طويل وفيه قال قتادة:(بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك) أي بعد قصة العرينين كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة قال ابن حجر وهو موصول بالإسناد المذكور، انظر: فتح الباري (7/582) .
(4)
سبق تخريجه.
(5)
والمقصود: أنه إذا كان ارتكاب المفسدة يحقق مصلحة راجحة على المفسدة جاز ذلك فالتمثيل بالعدو مفسدة، لكن إذا كانت المصلحة التي تحصل للمسلمين من التمثيل بهم أعظم من مفسدة التمثيل جاز التمثيل بهم.
راجع قاعدة المصلحة والفسدة. الموافقات للشاطبي (2/20) وما بعدها.
جاء في البحر الرائق: لا بأس بحمل رءوس الكفار إذا كان فيه غيظ للمشركين بأن كان المقتول من قواد المشركين (1) .
وقد حمل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رأس أبي جهل يوم بدر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك (2) .
وفي المغني: يكره قطع رءوس الكفار ورميها في المنجنيق إلا إذا فعلوا ذلك لمصلحة جاز؛ لأن عمرو بن العاص رضي الله عنه حين حاصر الإسكندرية (3) ظفر برجل من المسلمين فأخذوا رأسه فجاء قومه عمرا مغضبين فقال لهم عمرو: خذوا رجلا منهم فاقطعوا رأسه فارموا به إليهم في المنجنيق ففعلوا ذلك فرمى أهل الإسكندرية رأس المسلم إلى قومه (4) .
وجاء في حاشية الدسوقي في جواز التمثيل بالكفار معاملة بالمثل: (وإذا مثلوا بمسلم جاز التمثيل بهم ولو بعد القدرة عليهم)(5) .
وقال الخطابي في معرض بيان النهي عن المثلة: (وهذا إذا لم يكن الكافر فعل مثل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به)(6) .
قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .
وبما سبق يتقرر أن الفقهاء أجازوا التمثيل بموتى العدو لمصلحة راجحة، أو معاملة بالمثل، وما عدا ذلك يبقى على عدم الجواز. والله أعلم.
(1) البحر الرائق (5/131) شرح منتهى الإرادات (1/624) .
(2)
عيون الأثر (1/402) والسيرة النبوية لابن هشام (2/636) .
(3)
هي: مدينة كبيرة بمصر تقع على ساحل البحر المتوسط. انظر: الروض المعطار في خبر الأقطار لمحمد الحميري ص 54.
(4)
المغنى: 13/200.
(5)
حاشية الدسوقي (2/179) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (4/548) .
(6)
معالم السنن (2/243) .