الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
في الضمان
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ضمان المجاهد السلاح المستعار إذا تلف
.
المطلب الثاني: ضمان لقطة دار الحرب.
المطلب الأول
ضمان (1) المجاهد السلاح المستعار إذا تلف
لا يخلو أن يكون تلف السلاح في يد المجاهد بتعدٍ منه، أو دون تعدٍ منه. فإن كان بتعدٍ منه، فلا أعلم خلافا بين الفقهاء (2) رحمهم الله تعالى أنه يضمن.
جاء في مراتب الإجماع لابن حزم: أجمعوا أن المستعير إذا تعدى في العارية فإنه ضامن لما تعدى فيه منها (3) .
وعلى هذا فالسلاح إذا تلف عند المجاهد بتعدٍ منه ضمنه بالاتفاق.
وإن كان دون تعدٍ منه فقد اختلفوا إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يضمن وبهذا قال الحنفية (4) والشافعية في الأصح فيما تلف باستعمال مأذون فيه (5) ورواية عند الحنابلة (6) وابن حزم (7) .
(1) الضمين: الكفيل، وضمنت المال ضمانا فأنا ضامن وضمين: التزمته، ويقال ضمنته المال: ألزمته إياه. انظر: لسان العرب (13/257) مادة (ضمن) والمصباح المنير ص
…
(364) مادة (ضمن)
والمراد بالضمان في الأعيان المضمونة: التزام ردها أو قيمتها عند تلفها. انظر: المغني
…
(7/76) .
(2)
البحر الرائق (7/479) وحاشية ابن عابدين (8/476) والمعونة (2/1208) وحاشية الخرشي (6/501) مغني المحتاج (3/319) والأم (3/244) والمغني (7/341) والمبدع (4/256) والمحلى بالآثار (8/138) .
(3)
مراتب الإجماع ص (95) .
(4)
بدائع الصنائع (5/323) والبحر الرائق (7/478) .
(5)
مغني المحتاج (3/320) وروضة الطالبين (4/432) .
(6)
الإنصاف (5/200) والمبدع (4/256) وحاشية الروض المربع (5/365) .
(7)
المحلى بالآثار (8/138) .
واستدلوا بما يلي:
1-
عن عمرو بن شعيب (1)
عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المستعير غير المغلّ (2) ضمان» ) (3) .
وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم نفى الضمان عن المستعير إذا لم يتعد أو يفرط.
ونوقش: بأن الحديث ضعيف (4) .
والجواب: أن الجرح المبهم لسند الحديث لا يقبل إلا مبين السبب (5) .
وعلى فرض أنه ضعيف، فإن حديث صفوان بن أمية في هذا الباب يقويه.
2-
عن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا، وثلاثين بعيرا» فقلت: يا رسول الله أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟ قال: «بل عارية مؤداة» (6) .
(1) هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي سمع أباه، ومعظم رواياته عنه، وأُنكر عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده؛ لأنه إنما سمع أحاديث يسيرة من أبيه، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها. وهو ثقة، توفي سنة 118 هـ. وأبوه شعيب ثقة، سمع من ابن عباس وابن عمر. وجده محمد روي عن أبيه، وروي عنه ابنه شعيب، وهو قليل الرواية، ويظهر أنه مات في حياة والده.
انظر: تهذيب الأسماء واللغات (2/28) وسير أعلام النبلاء (5/165) ت رقم (61) .
(2)
المغلّ: الخائن. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (3/342) .
(3)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب العارية باب من قال: لا يغرم، ح رقم (11486) موقوفا على شريح، وح رقم (11487) وفيه عمرو وعبيدة ضعيفان، وأخرجه الدارقطني في سننه كتاب البيوع، ح رقم (2939) وقال: عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع (3/36) .
(4)
لأن في سنده عمرو بن عبد الجبار، وعبيدة بن حسان وهما ضعيفان، انظر: سنن الدارقطني (3/36) والسنن الكبرى للبيهقي كتاب العارية (6/150) والمغني (7/342) .
(5)
تعليقات التركماني بهامش السنن الكبرى للبيهقي (6/150) .
(6)
سبق تخريجه ص (508) .
وجه الدلالة: أن الحديث نص على أن العارية مؤداة. والأداء غير الضمان، فالمؤداة يجب تأديتها مع بقاء عينها، فلا تضمن إلا بالتعدي؛ لأنها أمانة مؤداة (1) .
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] .
القول الثاني: أنه يضمن إلا إذا أقام البينة على عدم التعدي، وبهذا قال المالكية في المشهور عنهم (2) ؛ لأنه مما غاب هلاكه، فلا يبرأ المستعير إلا بالبينة؛ لأنه متهم فيه (3) .
جاء في حاشية الدسوقي: (المستعار إذا كان آلة حرب وردها المستعير مكسورة فإنه يبرأ من ضمانها إذا شهدت البينة أنها كانت معه وقت اللقاء ولم يثبت تعديه عليها في الاستعمال)(4) .
ونوقش هذا: بأنه لا حجة في اتهام المستعير فيما غاب هلاكه؛ لأن ذلك مبني على الظن، ثم إنه يلزم من ذلك ضمان الوديعة بتهمة التفريط أو التعدي، (5) ولا أحد يقول بذلك.
القول الثالث: أنه يضمن مطلقا تعدى أم لم يتعد، وهذا الصحيح عند الحنابلة (6) وقول عند المالكية (7) ، والمشهور عند الشافعية إذا تلفت عند المستعير باستعمال لها غير مأذون فيه (8) .
واستدلوا بما يلي:
1-
عن صفوان بن أمية رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: «لا، بل عارية مضمونة» )(9) .
(1) المحلى بالآثار (8/144) وحاشية الروض المربع (8/365) والتمهيد لابن عبد البر
…
(12/39) .
(2)
المقدامات الممهدات لابن رشد (2/471) وحاشية الخرشي (6/501) والمعونة
…
(2/1208) والتلقين (435) .
(3)
المراجع السابقة في هامش رقم (2) .
(4)
حاشية الدسوقي (3/437) وانظر: حاشية الخرشي (6/503) .
(5)
المحلى بالآثار (8/138) .
(6)
المغني (7/341) والإنصاف (5/200) والكافي في فقه الإمام أحمد (2/272) .
(7)
المقدمات الممهدات (2/471) .
(8)
روضة الطالبين (4/431) ومغني المحتاج (3/319) والأم (3/244) .
(9)
أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب البيوع باب في تضمين العارية، ح رقم (3557) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب العارية، باب العارية مضمونة، ح رقم (11478) في رواية شريك قال البيهقي في كتاب المزارعة باب من زرع في أرض غيره، شريك مختلف فيه وكان ابن القطان لا يروي عنه ويضعف حديثه جدا. ورواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع ح رقم (2300) وقال: له شاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما
انظر: المستدرك (2/54) وأخرجه الدارقطني في سننه، كتاب البيوع، ح رقم (2932) ورواه ابن عبد البر في التمهيد قال: الاضطراب فيه كثير ولا يجب عندي بحديث صفوان هذا حجة في تضمين العارية (12/40) .
وجه الدلالة: أن لفظ مضمونة صفة الحقيقة العارية أي: شأن العارية ضمان قيمتها إذا تلفت لأن الأعيان إذا صارت موجودة لا تضمن (1) .
ونوقش الاستدلال بحديث صفوان: بأن المراد بقوله (عارية مضمونة) أي مضمونة الرد، وذلك من وجوه:
الأول: أنه جاء في رواية أخرى سابقة عن صفوان بن أمية (عارية مؤداة)(2) .
فدل ذلك على أن المراد مضمونة الأداء.
الثاني: أن صفوان رضي الله عنه لم يسأل عن التلف، وإنما سأل عن أخذها على وجه الغصب، ولو سأله عن تلفها لناسب أن يقول في الجواب: أنا ضامن لها إن تلفت.
الثالث: أنه جعل الضمان صفة للعارية نفسها، ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها دل أنه ضمان أداء (3) .
2-
عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (4) .
(1) عون المعبود في شرح سنن أبي داود (9/345) ونيل الأوطار (5/300) ومعالم السنن للخطابي (3/150) .
(2)
راجع: استعارة المجاهد لآلات الحرب.
(3)
زاد المعاد لابن القيم (3/482) وحاشية الروض المربع (5/365) .
(4)
أخرجه الترمذي في سننه مع عارضة الأحوذي كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة ح رقم (1266) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب البيوع باب في تضمين العارية، ح رقم (3556) وابن ماجة في سننه مع شرح السندي، كتاب الصدقات، باب العارية ح رقم (2400) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب العارية، باب العارية مضمونة، ح رقم (11482) والحاكم في المستدرك كتاب البيوع ح رقم (2302) وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي انظر: التلخيص بهامش المستدرك (2/55) قال ابن القيم: حديث الحسن عن سمرة في العارية أخرجه الحاكم وقال: هو على شرط البخاري وفيما قاله نظر، فإن البخاري لم يخرج حديث العقيقة في كتاب من طريق الحسن عن سمرة قال: وهذا لا يدل على أن الحسن عن سمرة من شرط كتابه ولا أنه احتج به انظر: شرح ابن القيم لسنن أبي داود بهامش عون المعبود (9/344) .
وجه الدلالة: أن ما أخذت اليد ضمان على صاحبها حتى تؤديه إلى مالكه، والأداء يتضمن العين إذا كانت موجودة، والقيمة إذا تلفت (1) .
ونوقش الاستدلال بحديث سمرة رضي الله عنه: بأنه لا دلالة فيه على التضمين فإن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى تؤديه ولا ضمان عليها فيكون المراد تؤديه مع بقاء العين، أما إذا تلفت فلا أداء، ولا يحمل على القيمة لأن اليد لم تأخذ القيمة (2) .
الترجيح
الذي يظهر بعد عرض الأقوال والأدلة ومناقشتها، أن القول الأول في أنه لا ضمان إلا بالتعدي مطلقا هو الأقرب إلى الرجحان.
لأن العارية مقبوضة بإذن مالكها، أمانة عند المستعير، فلا يضمن إلا بالتعدي وعلى هذا فلا ضمان على المجاهد في السلاح المستعار إذا تلف عنده دون تعدي منه أو تفريط والله أعلم.
(1) عون المعبود (9/344) ونيل الأوطار (5/298) ومعالم السنن (3/149) .
(2)
عون المعبود (9/345) ونيل الأوطار (5/297) والمقدمات الممهدات (2/472) .