الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] .
قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] .
ووجه الدلالة من الآيات: أنها جاءت عامة في قبول شهادة المسلم إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع فيدخل المجاهد في هذا العموم، فتقبل شهادته على المجاهدين وغيرهم.
المبحث الخامس
قبول شهادة المجاهدين بعضهم لبعض
اتفق الفقهاء (1) -رحمهم الله تعالى فيما أعلم- على قبول شهادة المجاهدين بعضهم لبعض فيما لا تهمة فيه إذا تحققت شروط الشهادة.
واختلفوا في شهادة بعضهم لبعض بشيء من الغنائم قبل القسمة، كمن شهد أن فلانا قاتل فارسا، هل ذلك من قبيل التهمة فترد الشهادة، أم ليس من قبيل التهمة فتقبل؟
ومبني الخلاف راجع إلى ملك الغنائم، هل هو بمجرد الاستيلاء عليها وانهزام العدو، أم لا تملك الغنائم إلا بالقسمة؟
فذهب الحنابلة على المذهب (2) وهو قول للشافعية (3) وقول لمالكية (4) أن شهادة بعضهم لبعض بشيء من الغنائم قبل القسمة مردودة.
(1) المغني (13/78) والإنصاف (12/71) وروضة الطالبين (10/279) والوسيط في المذهب (7/354) والمبسوط (10/64) وشرح السير الكبير (3/65) وتبصرة الحاكم لابن فرحون (1/190) والكافي في فقه أهل المدينة (2/892) وبداية المجتهد (2/465) والمحلى بالآثار (8/505) وابن حزم لا يرى التهمة مانعة من قبول الشهادة.
(2)
المغني (13/108) وكشاف القناع (2/405) والشرح الكبير (5/555) .
(3)
روضة الطالبين (10/267) ومغني المحتاج (6/47) .
(4)
الذخيرة (3/427) .
لأنهم بالاستيلاء على الغنائم ملكوها فأصبحوا شركاء فيها، وشهادة الشريك لشريكه لا تقبل للتهمة بجر النفع إليه، ولأنه يعتبر شاهدا لنفسه (1) .
وذهب الحنفية (2) والشافعية في قول (3) والمالكية في قول (4) والحنابلة في رواية (5) إلى قبول شهادة بعضهم لبعض.
لأن الشاهد على أن هذا قاتل فارسا لا يجر بذلك نفعا لنفسه، بل ضررا فإنه ينقص سهم نفسه، فهو يلزم نفسه الضرر (6) .
ولأن شركتهم في الغنيمة قبل القسمة شركة عامة، فإنهم لا يملكون شيئا قبل القسمة وبمثل هذه الشركة لا تمكن التهمة في الشهادة (7) .
ولقوله صلى الله عليه وسلم «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» (8) .
وجه الدلالة: أنه لا بينة في ميدان القتال للعسكر إلا العسكر من المقاتلين، فدل الحديث على قبول شهادة بعضهم لبعض (9) .
الترجيح
الذي يظهر أن الراجح القول الأول أنها لا تقبل شهادة بعضهم لبعض في شيء من الغنائم قبل القسمة لأنها شهادة تجر نفعا. والله أعلم.
(1) الإنصاف (12/71) والحاوي الكبير (17/160) .
(2)
البحر الرائق (5/142) وبدائع الصنائع (6/96) وفتح القدير (5/240) .
(3)
روضة الطالبين (10/267) ومغني المحتاج (6/47) .
(4)
الذخيرة (3/427) .
(5)
المغني (13/108) وكشاف القناع (2/405) والشرح الكبير (5/555) .
(6)
فتح القدير (5/241) .
(7)
شرح السير الكبير (3/65) وفتح القدير (5/241) .
(8)
سبق تخريجه.
(9)
فتح القدير (5/241) .
واختلف الفقهاء -رحمهم الله تعالى- كذلك فيما إذا فعلاً المجاهدون فعل معا، ثم شهد بعضهم لبعض على هذا الفعل، كأن يأسروا العدو ثم يشهد بعضهم لبعض أنهم أمنوه.
فذهب الجمهور إلى قبول شهادتهم (1) لأنهم عدول من المسلمين غير متهمين في شهادتهم فتقبل شهادتهم (2) .
وذهب الشافعية إلى أنها لا تقبل شهادتهم (3) لأنهم يشهدون على فعل بعضهم (4) .
ونوقش هذا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة المرضعة على فعلها (5) .
فكذلك شهادة المجاهدين بعضهم لبعض.
والذي يظهر أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور، لأن كون الشهود ممن أسروا العدو، لا يؤثر ذلك على عدالتهم، والله أعلم.
(1) المبسوط (10/64) والمغني (13/78) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (8/193) وبلغة السالك (2/354) وقول المالكية هنا بناء على قبولهم شهادة بعض القافلة في حرابة العدو لهم.
(2)
المغني (13/78) .
(3)
روضة الطالبين (10/279) .
(4)
المرجع السابق.
(5)
المغني (13/78) ونص الحديث، عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه (أن امرأة سوداء جاءت فزعمت أنها أرضعتهما فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وتبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال: كيف وقد قيل؟ وكانت تحته ابنة أبي إهاب التميمي) .
قال ابن حجر في شرح الحديث قوله (كيف وقد قيل؟) يشعر بأنه أمره بفراق امرأته لأجل قول المرأة أنها أرضعتها. انظر: صحيح البخاري مع الفتح، كتاب البيوع باب تفسير الشبهات، ح رقم (2052) .