الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
في الوصية والميراث
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في الوصية
.
المطلب الثاني: في الميراث.
المطلب الأول
في الوصية
وفيه فرعان:
الفرع الأول: وصية المجاهد قبل الخروج للجهاد.
الفرع الثاني: الوصية للمجاهد.
الفرع الأول
وصية (1) المجاهد قبل الخروج للجهاد
لا يختلف المجاهد في سبيل الله عن غيره في الوصية، إلا أن المجاهد بخروجه للجهاد في سبيل الله أكثر عرضة للموت من غيره، فتكون الوصية آكد في حقه، والوصية على وجهين:
الوجه الأول: الوصية الواجبة:
وهي: الوصية بالحقوق الواجبة على الإنسان والتي لا بينة عليها تثبتها بعد وفاته، سواء كانت حقوق لله تعالى، كالزكاة والكفارات، أو حقوق للآدميين، كالديون والودائع ونحو ذلك (2) وهذا الوجه من الوصية لا خلاف في وجوبه بين الفقهاء (3) فيما أعلم.
يدل على ذلك ما يلي:
1-
عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] .
(1) الوصية لغة: ما أوصيت به وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت، والوصية والإيصاء بمعنى واحد في اللغة، أوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. انظر: لسان العرب (15/394) مادة وصى، والمصباح المنير ص 662 مادة وصى.
وفي الاصطلاح: تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت. انظر: شرح قانون الوصية لمحمد أبو زهرة ص 9 وأحكام الوصايا في الفقه الإسلامي د/ علي الربيعة ص 40.
(2)
إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (4/2) توضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/323) .
جاء في المجموع: إذا استقر عزمه على السفر للغزو أو غيره، فينبغي أن يبدأ بالتوبة من جميع المعاصي والمكروهات، ويخرج من مظالم الخلق، ويقضي ما أمكنه من ديونهم، ويرد الودائع ويستحل كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة، ويكتب وصيته ويشهد عليها (4/265) وانظر: كفاية الأخيار ص (343) .
(3)
المغني (8/390) ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص (378) والذخيرة (7/6) وبدائع الصنائع (6/423) واللباب شرح الكتاب (4/168) .
وجه الدلالة: أن أداء الأمانات والحقوق واجب، فتكون الوصية به واجبة، لأنه ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب (1) .
2-
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده)(2) .
فالحديث يدل على وجوب الوصية لمن عليه واجب، أو عنده وديعة ولا بينة على ذلك (3) .
الوجه الثاني: الوصية المستحبة:
وهي: الوصية بالتطوعات والقربات (4) .
يستحب للمجاهد أن يوصي في سبل الخير قبل خروجه للجهاد، وأن يكتب وصيته ويشهد عليها، لأن ذلك أحفظ لها، وأحوط لما فيها (5) .
وقد اتفق الفقهاء فيما أعلم على أنه لا يجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة، إلا أن يجيز الورثة الزيادة.
قال النووي رحمه الله: أجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث، إلا بإجازته (6) .
وجاء في بداية المجتهد: اتفق العلماء أنه لا يجوز الوصية بأكثر من الثلث لمن ترك ورثة (7) .
(1) المغني (8/390) وتوضيح الأحكام (4/323) .
(2)
صحيح البخاري مع الفتح كتاب الوصايا باب الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده، ح رقم (2738) وصحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الوصية ح رقم (1627) .
(3)
إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (4/3) والمغني (8/391) .
(4)
إحكام الأحكام (4/3) وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام (4/323) .
(5)
المغني (8/472) والمجموع (4/265) .
(6)
شرح صحيح مسلم للنووي (11/86) .
(7)
بداية المجتهد (2/339) وانظر: المغني (8/517) وبدائع الصنائع (6/430) .
يدل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة..، قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون (1) الناس) (2) .
واختلفوا فيمن لم يترك ورثة إلى قولين:
القول الأول: أنه يجوز له أن يوصي بكل ماله في سبل الخير، وبهذا قال الحنفية (3) وهو رواية عند الحنابلة قال في الإنصاف: هي المذهب (4) .
واستدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص السابق.
ووجه الدلالة منه: أن المنع من الزيادة على الثلث إنما كان لتعلق حق الورثة به، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:«إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس..» (5) . فإذا لم يكن له ورثة جاز أن يوصي بكل ماله في سبل الخير. ونوقش: بأن قوله صلى الله عليه وسلم (إنك إن تدع ورثتك
…
إلخ) .
ليس تعليلا لرد الزيادة على الثلث، ولو كان ذلك تعليلا لجازت الزيادة على الثلث مع غناهم إذا لم يصيروا عالة (6) .
ويمكن الجواب: بأن الحديث دل على أن العلة في عدم الزيادة على الثلث هو الإضرار بالورثة (7) ولو كانوا أغنياء حال الوصية، لأنهم قد يحتاجون المال بعد ذلك.
(1) العالة: جمع عائل وهو الفقير، والتكفف: مد اليد للسؤال، انظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية ص 335.
(2)
صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء، ح رقم
…
(2742) وصحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ح رقم (1628) .
(3)
بدائع الصنائع (6/430) وتبيين الحقائق (6/182) .
(4)
الإنصاف (7/192) والمغني (8/516) .
(5)
المغني (8/516) والكافي في فقه الإمام أحمد (2/339) وتبيين الحقائق (6/182) .
(6)
الحاوي الكبير (8/196) .
(7)
الكافي في فقه الإمام أحمد (2/339) .
القول الثاني: لا يجوز الزيادة على الثلث في الوصية، وبهذا قال المالكية (1) والشافعية (2) ورواية عند الحنابلة (3) .
واستدلوا بما يلي:
1-
عن عمران بن الحصين رضي الله عنه (أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع (4) بينهم فأعتق اثنين وأرق (5)
أربعة، وقال له قولا شديدا) (6) .
وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وسلم رد الزيادة على الثلث، وهذا عام فيمن له وارث ومن ليس له وارث، ويمكن مناقشة هذا: بأن رد الزيادة على الثلث محمول على أن له ورثة، ولا خلاف في ردها لمن وارث كما سبق (7) .
2-
عن المقدام (8) رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا وارث من لا وارث له أعقل (9)
(1) بداية المجتهد (2/339) والذخيرة (7/32) .
(2)
الحاوي الكبير (8/195) والأم (4/105) .
(3)
المغني لابن قدامة (8/516) والإنصاف (7/192) .
(4)
القرعة: بضم القاف وسكون الراء من الاستهام، يقال: أقرعت بين الشركاء في شيء يقتسمونه فاقترعوا عليه، وتقارعوا فقرعهم، أي أصابتهم القرعة. انظر: لسان العرب
…
(8/216) مادة قرع والمعجم الاقتصادي ص 356.
(5)
الرق: بكسر الراء العبودية والرقيق العبد، ورق فلان صار عبدا، وسمي بذلك لأنه يرق لمالكه ويذل ويخضع له. انظر: لسان العرب (10/124) مادة (رقق) .
والرق عند الفقهاء: عجز حكمي شرع في الأصل جزاء عن الكفر، انظر: التعريفات للجرجاني ص (148) .
(6)
صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإيمان باب من أعتق شركا له في عبد، ح رقم
…
(1668) .
(7)
راجع وصية المجاهد قبل الخروج للجهاد.
(8)
هو: المقدام بن معد يكرب بن عمرو الكندي، أحد الوافدين الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كندة صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل حمص يعد في أهل الشام، وبالشام مات سنة 87 هـ.
انظر: أسد الغابة (4/478) ت رقم (5070) وسير أعلام النبلاء (3/427) .
(9)
العقل: الدية، عقل القتيل يعقله عقلا وداه، وعقل عنه أدى جنايته، انظر: لسان العرب (11/460) مادة عقل.
عنه وأرثه» (1) .
وجه الدلالة: أن من لا وارث له يجعل ماله في بيت مال المسلمين وتدفع عنه الدية من بيت المال (2) .
ويمكن مناقشته بأن مال من لا وارث له يجعل في بيت مال المسلمين إذا لم يوص به، أما إذا أوصى به فهو على وصيته.
الترجيح
الذي يظهر رجحان القول الأول الذي يجيز الزيادة على الثلث، إذا لم يكن له ورثة، لما سبق من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ولأن سبل الخير وخاصة في هذا العصر من هيئات وجمعيات تقوم بمهام عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين وتحتاج إلى الدعم، فالأولى في حق من لا وارث له أن يوصي بماله في هذه السبل. ولأن الوصية بماله لا تخرج عن المسلمين، وإن كانت لبعضهم، والله أعلم.
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الديات، باب الدية على العاقلة، ح رقم (2634) وفي كتاب الفرائض باب ذوي الأحكام ح رقم (2738) وأبو داود في سننه كتاب الفرائض باب في ميراث ذوي الأرحام، ح رقم (2899) وح رقم (2900) وصححه ابن حبان، انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، كتاب الفرائض، باب ذوي الأرحام، ح رقم (6003) وصححه الحاكم في المستدرك كتاب الفرائض ح رقم (8002) ج (4/382) .
قال الذهبي في التلخيص فيه علي بن أبي طلحة، قال أحمد: له أشياء منكرات لم يخرج له للبخاري، انظر: التلخيص بهامش المستدرك (4/382) وأخرجه أحمد في المسند ج (13/299) ح رقم (1713) و (17138) .
(2)
الذخيرة (7/33) وشرح السندي على سنن ابن ماجه (3/270) .