الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد أجمعت الأمة على أن الغلول من الغنيمة والفيء محرم.
جاء في بداية المجتهد (اتفق المسلمون على تحريم الغلول)(1) .
إذا تقرر تحريم الغلول بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فما هي عقوبة الغال؟
المسألة الثالثة
عقوبة الغال
للغال من الغنيمة والفيء عقوبتان (2) :
العقوبة الأولى: عقوبة أخروية إذا مات ولم يتب ويتحلل مما غل، وقد تقدمت الأدلة على ذلك والتي توضح أن الغال يأتي يوم القيامة بما غل يحمله معذبا به وموبخا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد، وأنه يحرم الفوز بالشهادة ويعذب في النار (3) .
العقوبة الثانية: عقوبة دنيوية وتكون عامة وخاصة.
فأما العامة: فإن الغلول ما ظهر في قوم إلا ألقي في قلوبهم الرعب وتأخر النصر عنهم (4) .
عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: (ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقي في قلوبهم الرعب..)(5) .
وأما الخاصة فهي فيمن غل.
اتفق الفقهاء (6) -رحمهم الله تعالى فيما أعلم- على أن للإمام تعزيزه بالضرب، أو الحبس أو ما يراه مناسبا لعقوبته ورادعا لأمثاله.
(1) بداية المجتهد (1/398) فتح الباري (6/228) وشرح صحيح مسلم للنووي (12/459) .
(2)
مشارع الأشواق (2/813) .
(3)
راجع المسألة الثانية وشرح صحيح مسلم للنووي (12/67) .
(4)
مشارع الأشواق (2/813) .
(5)
أخرجه الإمام مالك في الموطأ، باب ما جاء الغلول ص (285) .
(6)
شرح السير الكبير (4/57) والمعونة (1/605) وحاشية الخرشي (4/22) والأم
…
(4/251) والمغني (13/168) والإنصاف (4/187) .
واختلفوا في إحراق رحل الغال ومتاعه إلى قولين:
القول الأول: أنه لا يحرق رحله ولا متاعه، وهذا قول الجمهور (1) .
واستدلوا بما يلي:
1-
ما جاء في حديث مدعم مولى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي غل الشملة في خيبر وقد تقدم ذكره (2) وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق رحله، وإنما بين أن الشملة تشتعل عليه نارا، فكذلك من غل لا يحرق رحله ومتاعه (3) .
2-
ولأن حرق رحله ومتاعه إضاعة للمال (وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال)(4) .
ونوقشت هذه الأدلة بما يلي:
1-
أما حديث معدم فلا حجة لهم فيه، لأنه لم يعترف أنه أخذه على سبيل الغلول، ولا أنه أخذه لنفسه (5) وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بعد أن قتل.
2-
أما النهي عن إضاعة المال، فإنما يكون ذلك إذا لم يكن فيه مصلحة، أما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس بذلك، ولا يعد تضييع للمال، كإلقاء المتاع في البحر إذا خيف الغرق (6) .
ويمكن الجواب على هذه المناقشة:
بأن الناس قد جاءوا بعدما سمعوا هذا الوعيد للغال بما لديهم من شراك ونحوه، ولم يحرق النبي صلى الله عليه وسلم متاعهم.
(1) شرح السير الكبير (4/57) والمعونة (1/605) وحاشية الخرشي (4/22) والكافي في فقه أهل المدينة (1/472) والأم (251) والإنصاف (4/185) .
(2)
سبق تخريجه.
(3)
التمهيد لابن عبد البر (2/21) وشرح السير الكبير (4/58) .
(4)
سبق تخريجه.
(5)
المغني (13/169) .
(6)
المرجع السابق في الهامش السابق.
وأما القياس على إلقاء المتاع في البحر للمحافظة على النفس فهو قياس مع الفارق، لأن في ذلك إتلاف للمال للمحافظة على النفوس التي هي أعظم من المال، أما في الغال فإحراق المال عقوبة له ويمكن عقابه بغير إحراق المال. والله أعلم.
القول الثاني: أنه يحرق رحله ومتاعه قال به الحنابلة على المذهب (1) والأوزاعي (2) وغيرهم واستثنوا من ذلك الحيوان، لأنه لا يدخل في اسم المتاع، وسرج الحيوان لأنه ملبوس له وثياب الغال، لأنه لا يجوز تركه عريانا، والمصحف فإنه لا يحرق لحرمته، والسلاح لأنه يحتاج إليه للقتال، ونفقته لأن ذلك مما لا يحرق عادة (3) .
واستدلوا بما يلي:
1-
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه)(4) .
2-
عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال)(5) .
(1) المغني (13/168) وكشاف القناع (2/413) .
(2)
التمهيد لابن عبد البر (2/22) والجامع لأحكام القرآن (4/253) .
(3)
المراجع السابقة في الهامشين السابقين.
(4)
أخرجه أبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال، ح رقم (2710) والترمذي مع عارضة الأحوذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به ح رقم (1461) قال الترمذي: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال: وسألت محمدا عن هذا الحديث (أي البخاري) فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث يدور على صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يحتج به. انظر: التمهيد
…
(2/22) وأخرجه الحاكم في كتاب الجهاد، ح رقم (2584) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: التلخيص للذهبي بهامش المستدرك
…
(2/138) .
(5)
أخرجه أبو داود في سننة مع عون المعبود، كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال، ح رقم
…
(2712) قال في عون المعبود: سكت عنه المنذري (7/274) وقال ابن القيم: وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد وزهير هذا ضعيف، انظر: شرح سنن أبي داود لابن القيم بهامش عون المعبود (7/274) وأخرجه البيهقي في سننه، كتاب السير، باب لا يقطع من غل في الغنيمة، ح رقم (18211) وقال: يقال: أن زهيرا مجهول وليس بالمكي، وانظر كذلك تهذيب التهذيب (3/302) .
ونوقشت هذه الأدلة بما يلي:
1-
أن هذه الأحاديث ضعيفة، ومما يدل على ذلك: أن الغلول كان كثيرا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة المنافقين والأعراب، وأهل المغازي لم يتركوا شيئا مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه إلا ذكروه، فلو كان أحرق رحل أحد لنقلوا ذلك لنا مستفيضا وحيث لم ينقل ذلك في كتب السير المشهورة دل على ضعفها أو أنه لا أصل لها (1) .
وكذلك مخالفة الأحاديث والآثار المشهورة في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرق أحدا ولو صحت الأحاديث لاحتمل أن يكون ذلك حين كانت العقوبات في الأموال، كما في مانعي الزكاة (2) .
2-
أن الذين قالوا يحرق الرحل والمتاع استثنوا المصحف والحيوان والسلاح وملابس الغال ونفقته، فيقاس على ذلك سائر الأمتعة، الغازي لا يحمل معه في العادة إلا ما يحتاج إليه للقتال (3) .
الترجيح
الذي يظهر رجحان قول الجمهور أنه لا يحرق متاعه ورحله لما سبق من الأدلة؛ ولأن المجاهد لا يوجد معه إلا سلاحه ولباسه وطعامه وشرابه ولا يحرق شيء من ذلك بالاتفاق. والله أعلم.
(1) شرح السير الكبير (4/59) والتمهيد (2/21) والجامع لأحكام القرآن (4/252، 253) .
(2)
المراجع السابقة في الهامش السابق.
(3)
شرح السير الكبير (4/59) .