الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع العاشر
إقحام المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه الهلكة
إذا أقحم المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه هلاكه فلا يخلو الحال؛ أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو، أو لا يكون من ذلك شيء.
فأما الحالة الأولى: وهي أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو.
فعامة الفقهاء (1) رحمهم الله تعالى: على جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه في هذه الحالة.
واستدلوا بما يلي:
1-
عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه (2) قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردهم عنا وله الجنة، أو رفيقي في الجنة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتلوا السبعة..) (3) .
ووجه الدلالة: أن مقابلة الواحد للجماعة فيه هلاكه إلا أنه يجوز إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين كرد العدو عن المسلمين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق (من يردهم عنا وله الجنة) .
2-
عن أنس بن النضر (4) رضي الله عنه قال: (غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم لئن أشهدني الله مع النبي صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني اعتذر
(1) المبسوط (10/76) وشرح السير الكبير (1/115) وحاشية الخرشي (4/30) والذخيرة (3/410) وحاشية الدسوقي (2/183) وسبل السلام (4/100) ومشارع الأشواق (1/557) والإنصاف (4/25) والفروع (6/202) .
(2)
رهقة يرهقه رهقا أي غشيه وأرهقت الرجل أدركته، انظر: لسان العرب (10/129) مادة (رهق) .
(3)
مسلم بشرح النووي، كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد ح رقم (1789) .
(4)
هو: أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم أحد شهيدا، ومثل به المشركون فما عرفه إلا أخته ببنانه. انظر: أسد الغابة
…
(1/155) ت رقم (263) والإصابة (1/281) ت رقم (283) .
إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم) (1) .
قال في زاد المعاد: يجوز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره (2) وهذا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين وتأثيرا في العدو، ونكاية بهم.
وفي قول عند المالكية (3) لا يجوز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه ولو كان في ذلك مصلحة، أو نكاية بالعدو.
واستدلوا: بمعموم قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] .
ولعل هذا القول للمالكية محمول على عدم النفع للمسلمين، أو عدم النكاية بالعدو في إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، أو كونه يقاتل لإظهار شجاعته.
وبهذا يتقرر أن للمجاهد في سبيل الله إقحام نفسه فيما فيه هلاكه إذا كان في ذلك نفع للمسلمين ونكاية بالعدو.
أما الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك نفع للمسلمين ولا نكاية بالعدو من إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، فإن عامة الفقهاء قالوا: لا يجوز للمجاهد أن يقحم نفسه فيما فيه هلاكه (4) .
واستدلوا بما يلي:
1-
عموم قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] .
(1) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي باب غزوة أحد ح رقم (4048) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد ح رقم (1903) .
(2)
زاد المعاد (3/211) .
(3)
حاشية الدسوقي (2/183) وحاشية الخرشي (4/30) .
(4)
المبسوط (10/76) وشرح السير الكبير (1/115) وحاشية الخرشي (4/30) والذخيرة (3/410) وحاشية الدسوقي (2/183) وسبل السلام (4/100) ومشارع الأشواق (1/557) والإنصاف (4/25) والفروع (6/202) .
2-
وقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .
وقد جاء في تفسيرها: لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها فإن ذلك من التهلكة (1) .
3-
ولأنه لا يحصل من إقحام المجاهد نفسه في الهلاك شيء من إعزاز الدين ولكنه يقتل فقط فيتلف نفسه من غير منفعة للمسلمين، ولا نكاية بالعدو (2) .
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز أن يقحم المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، وإن لم يكن في ذلك منفعة ولا نكاية بالعدو. بشرط إخلاص النية في طلب الشهادة (3) .
جاء في أحكام القرآن للقرطبي: (وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية، فليحمل لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة:207] )(4) .
الترجيح
الذي يظهر أن القول الأول هو الأقرب إلى الرجحان وهو عدم جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه؛ لأن فيه إهلاك نفسه دون منفعة، ولا نكاية بالعدو وربما هذا التصرف يؤدي إلى وهن المسلمين بفقدهم جنودهم دون فائدة. والله أعلم.
(1) أحكام القرآن لابن العربي (1/166) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/361) .
(2)
شرح السير الكبير (1/115) وحاشية ابن عابدين (6/206) .
(3)
المرجعان السابقان في هامش رقم (4) وممن قال بذلك: القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد من المالكية.
(4)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/361) وانظر كذلك أحكام القرآن لابن العربي
…
(1/166) .