الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الخامس
إذا أطلقه العدو على أن ينفذ لهم في بلاد المسلمين ما يريدون
وفيه فرعان:
الفرع الأول: إذا أطلقه العدو على أن يحمل لهم من بلاد الإسلام الفداء
.
الفرع الثاني: إذا أطلقه العدو ليكون جاسوسا لهم على المجاهدين.
الفرع الأول:
إذا أطلقه العدو على أن يحمل لهم فداء من المال من بلاد الإسلام
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في الوفاء بهذا الشرط إلى قولين:
القول الأول: يلزمه الوفاء بالشرط فيبعث إليهم بالمال، أو يعود إليهم به، وبهذا قال الجمهور (1) إلا أن الحنابلة، والشافعي في القديم شرطوا أن لا يكون الأسير مكرها على الفداء، فإن كان مكرها لم يلزمه الوفاء (2) .
واستدل الجمهور بما يلي:
1-
عموم قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] .
2-
وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم» (3) .
3-
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشا في الحديبية على أن يرد من جاء من قريش ولو كان مسلما وفىّ لهم بالشروط. وقال: (إنا لا يصلح في ديننا الغدر)(4) .
(1) شرح السير الكبير (4/255) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (4/548) وهذا القول عند المالكية بناء على قولهم بلزوم الوفاء بالشروط والمغني (13/184) وكشاف القناع (2/429) . وروضة الطالبين (10/284) ومغني المحتاج (6/56) .
(2)
المغني (13/184) وكشاف القناع (2/429) وروضة الطالبين (10/284) ومغني المحتاج (6/56) .
(3)
سبق تخريجه.
(4)
سبق تخريجه.
4-
ولأن في الوفاء مصلحة للأسرى وفي الغدر مفسدة لهم، لأنه إذا غدر الأسير لم يؤمنوا بعده أحدا من الأسرى، والحاجة تدعو إلى أن يطلقوا الأسرى فلزمه الوفاء (1) .
القول الثاني: لا يلزمه الوفاء بالشرط.
وبهذا قال الشافعية في المشهور (2) وهو قول عند المالكية (3) ورواية عند الحنابلة فيما إذا عجز عن الفداء (4) وهو قول ابن حزم (5) .
واستدلوا بما يلي:
1-
أن النبي صلى الله عليه وسلم منع رد النساء المسلمات إلى الكفار بعد صلح الحديبية (6) . لقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] .
2-
ولأن الهجرة من بلاد الحرب واجبة والعود إليها معصية فلم يجز العود (7) .
ونوقش الاستدلال بالآية: بأن منع رد النساء المسلمات إلى الكفار جاء على سبيل الاستثناء، لأن في رد النساء المسلمات إلى الكفار تسليطا لهم على وطئهن وذلك محرم، أما الرجال فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير وغيره إلى الكفار (8) فدل على لزوم الوفاء بالشرط.
الترجيح
يظهر رجحان القول الأول لقوة ما استدلوا به، ولمصلحة الأسرى في الفكاك من الأسر وللترغيب في الدخول في الإسلام الذي يأمر بالوفاء وينهي عن الغدر حتى مع العدو إلا أنه يبعث إليهم بالمال ولا يعود إليهم، لما في العودة إليهم من مفاسد عليه. والله أعلم.
(1) المغني (13/184) وكشاف القناع (2/429) .
(2)
الحاوي الكبير (14/71) وروضة الطالبين (10/284) ومغني المحتاج (6/56) .
(3)
التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (4/548) وحاشية الخرشي (4/21) .
(4)
المغني (13/185) وقالوا: إن كان المفادي امرأة فلا ترجع إليهم قولا واحدا لقوله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] .
(5)
المحلى بالآثار: (5/364) .
(6)
صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ح رقم (4180، 4181) .
(7)
الحاوي الكبير (14/271) .
(8)
المغني (13/184) وكشاف القناع (2/429) .
الفرع الثاني
إذا أطلقه العدو ليكون جاسوسا (1) لهم على المسلمين
اتفق الفقهاء (2) رحمهم الله تعالى أنه يحرم على المسلم أن يتجسس على المسلمين لصالح العدو بأي وسيلة ولأي سبب كان.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] .
واختلفوا في العقوبة التي يعاقب بها من فعل ذلك إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يعزر بما يناسب من ضرب وحبس ولا يقتل. وبهذا قال: الحنفية (3) والشافعية (4) والمالكية في قول (5) وظاهر قول الحنابلة (6) .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1-
ما جاء في قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة (7) رضي الله عنه حيث بعث إلى قريش بكتاب يخبرهم بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على فتح مكة.
(1) التجسس: التفتيش عن بواطن الأمور والبحث عن العورات، والجاسوس: الذي يتجسس الأخبار انظر: لسان العرب (6/38) مادة (جسس) والمقصود هنا: يرسله الكفار سرا يتجسس على المسلمين ويعرف أمورهم ويبلغها الكفار، انظر: الاستخبارات العسكرية في الإسلام ص (282) .
(2)
المبسوط (10/86) الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي (2/182) والجامع لأحكام القرآن (18/48) وشرح صحيح مسلم (15/288) والمغني (13/185) وأحكام القرآن للشافعي ص (385) .
(3)
الخراج لأبي يوسف ص (190) والسير الكبير (4/247) .
(4)
الأم (4/249) .
(5)
الذخيرة (3/400) والجامع لأحكام القرآن (18/49) وأحكام القرآن لابن العربي
…
(4/255) .
(6)
كشاف القناع (2/380) .
(7)
هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة اللخمي، شهد بدرا مات سنة 30 هـ في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة، انظر الإصابة (2/4) ت رقم
…
(1543) وأسد الغابة (1/431) ت رقم (1011) .
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير، والمقداد بن الأسود (1) وقال:(انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (2) فإن بها ظعينة (3) ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا (4) حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها (5) فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا يا حاطب؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت إمرأً ملصقا (6)
في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا، ولا ارتداد ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني اضرب عنق هذا المنافق صلى الله عليه وسلم قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل (7) الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (8)) (9) .
(1) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي، وقيل: الحضرمي، يكني أبا الأسود، أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها وكان فارسا يوم بدر، تزوج بنت الزبير بن عبد المطلب، وروي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مات سنة 33 هـ في خلافة عثمان، الإصابة (6/159) ت رقم (8201) وأسد الغابة (4/475) ت رقم (5069) .
(2)
موضع بين مكة والمدينة يبعد عن المدينة اثنى عشر ميلا، انظر: معجم البلدان (2/383) ت رقم (4057) .
(3)
الجارية، والأصل الهودج وسميت به الجارية لأنها تكون فيه، واسم الظعينة سارة مولاة لعمران بن أبي صيفي القرشي انظر: شرح صحيح مسلم (15/288) وعون المعبود شرح سنن أبي داود (7/223) .
(4)
تجري بنا. انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (15/288) .
(5)
شعرها المضفور انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (15/288) وعون المعبود شرح سنن أبي داود (7/223) .
(6)
أي حليفا انظر: عون المعبود (7/224) وفتح الباري (8/818) ..
(7)
بصيغة الترجي في أكثر الروايات وهو من الله واقع. انظر: فتح الباري (8/818) .
(8)
المراد: غفران الذنوب في الآخرة وإلا لو وجب على أحدهم حدا لم يسقط في الدنيا انظر: عون المعبود (7/224) .
(9)
صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد والسير، باب الجاسوس، ح رقم (3007) وكتاب التفسير، باب سورة الممتحنة، ح رقم (4890) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر ح رقم (2494) .
وفي رواية فقال عمر: (إنه قد خان الله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه)(1) .
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل حاطب بن أبي بلتعة مع أنه خابر المشركين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم، وهذا عام في حاطب وغيره (2) .
ونوقش هذا الاستدلال، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل حاطبا لأنه كان من أهل بدر، وهذا مانع لا يوجد في غيره (3) .
2-
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة» (4) .
وجه الدلالة من الحديث: أنه لا يحل قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث فالتجسس على المسلمين لصالح الكفار لا يحل دم المسلم (5) .
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن قتل المسلم ليس مقصورا على ما ورد في حديث ابن مسعود، لأن هناك نصوصا صحيحة تدل على جواز قتل المسلم في غير ما ورد في حديث ابن مسعود. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (6) .
(1) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدر، ح رقم (3983) .
(2)
الأم (4/250) .
(3)
الشرح الممتع (8/98) وزاد المعاد (3/423) .
(4)
صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الديات باب قوله تعالى:{إن النفس بالنفس} ح رقم (6878) وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم ح رقم (1676) .
(5)
الأم (4/249) .
(6)
صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الإمارة باب حكم من خرق أمر المسلمين وهو مجتمع، ح رقم (1852) .
القول الثاني: أن عقوبته القتل.
وهذا قول عند المالكية (1) وقول عند الحنابلة (2) .
واستدلوا بما يلي:
1-
حديث حاطب بن أبي بلتعة السابق.
ووجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر رضي الله عنه على إرادة القتل لحاطب لولا المانع، وهو أنه شهد بدرا وهذا منتف في غير حاطب، فلو كان الإسلام مانعا من قتله لما علل بأخص منه وهو كونه شهد بدرا (3) .
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: بأن المانع من قتل حاطب هو الإسلام لا كونه شهد بدرا فيشمل ذلك كل مسلم.
يدل على ذلك أن فرات بن حيان (4) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان جاسوسا على المسلمين قال: إني مسلم فقال صلى الله عليه وسلم «إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان» (5) .
(1) الذخيرة (3/400) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (4/553) .
(2)
زاد المعاد (3/423) والشرح الممتع (8/98) .
(3)
فتح الباري (8/820) .
(4)
هو: فرات بن حيان بن ثعلبة بن عبد العزي بن حبيب العجلي، كان عينا لأبي سفيان على المسلمين ثم أسلم وحسن إسلامه، له صحبة نزل الكوفة وروي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انظر: الإصابة (5/272) ت رقم (6980) وأسد الغابة (4/51) ت رقم
…
(4199) .
(5)
أخرجه الإمام أحمد في المسند (14/336) ح رقم (18867) وأبو داود في سننه مع عون المعبود، كتاب الجهاد، باب في الجاسوس الذمي، ح رقم (2649) قال في عون المعبود: قال المنذري في إسناده أبو همام الدلال ولا يحتج بحديثه، وقد روي عن الثوري من طريق بشر بن السري البصري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به ورواه كذلك عن الثوري عباد بن موسى الأزرق وكان ثقة انظر: عون المعبود (7/225) وصححه الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي انظر المستدرك كتاب الحدود، ح رقم (8093) وبهامشه التلخيص للذهبي، وصححه الألباني: صحيح سنن أبي داود ح رقم (2310) .
فلم يقتله النبي صلى الله عليه وسلم رغم أنه كان جاسوسا للعدو على المسلمين، لأنه قال: إني مسلم، فالإسلام مانع من قتله.
2-
ولأن في قتله دفعا لشره وردعا لأمثاله (1) .
القول الثالث: أن عقوبته ترجع إلى اجتهاد الإمام.
فإن رأى الإمام أن المصلحة في قتله، قتله وإن رأى غير ذلك فعل به ما يناسب حاله، وما يكون رادعا لأمثاله.
وهذا القول روي عن مالك (2) واختاره ابن القيم من الحنابلة (3) .
جاء في الذخيرة: قال مالك (يجتهد فيه الإمام كالمحارب)(4) .
وفي زاد المعاد: (والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح، استبقاه)(5) .
الترجيح
القول الثالث هو الراجح أن عقوبته إلى اجتهاد الإمام
لأن الإمام موكول إليه أمر الجهاد وتدبير الحرب وهو الذي بيده تقدير المصلحة والمفسدة فعقوبة الجاسوس تكون إليه، ولأن في هذا القول جمعا بين القولين السابقين وإعمالا للأدلة.
(1) الشرح الممتع (8/98) .
(2)
الذخيرة (3/400) والجامع لأحكام القرآن (18/49) والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل (4/552) .
(3)
زاد المعاد (3/423) .
(4)
الذخيرة (3/400) .
(5)
المرجع السابق.