الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر انفاذ جيش أسامة
قد ذكرنا فى السّيرة النبويّة فى الغزوات والسّرايا؛ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد جهّز أسامة بن زيد قبل وفاته، وندب معه جماعة من أعيان المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر.
وذكرنا أيضا ما تكلّم به من تكلّم من الصحابة فى شأنه، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما بلغه ذلك، من الثناء على أسامة ابن زيد وعلى أبيه زيد بن حارثة، واستخلافه للإمارة، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وجيش أسامة بالجرف.
فلمّا [1] بويع أبو بكر الصديق رضى الله عنه، كان أوّل ما بدأ به أن أمر مناديه فنادى فى الناس من بعد الغد من متوفّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمّم بعث أسامة: ألا لا يبقينّ فى المدينة أحد من جند أسامة إلّا خرج إلى عسكره بالجرف.
روى ذلك عن عاصم بن عدىّ. وعن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر الصّديق رضى الله عنه، وجمع الأنصار على الأمر الذى افترقوا عنه، قال: ليتمّ بعث أسامة، وقد ارتدّت العرب، إمّا عامّة، وإمّا خاصّة فى كلّ قبيلة، ونجم النّفاق، واشرأبّت اليهوديّة والنّصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة، فى اللّيلة الشاتية؛ لفقد نبيّهم وقلّتهم، وكثرة عدوّهم.
فقال له النّاس: إن هؤلاء جلّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغى لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين.
[1] تاريخ الطبرى 3: 225 وما بعدها.
فقال أبو بكر: والذى نفس أبى بكر بيده، لو ظننت أنّ السّباع تخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق فى القرى غيرى لأنفذته.
وعن الحسن بن أبى الحسن، قال: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثا على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر ابن الخطاب، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف أسامة بالناس، ثم قال [1] لعمر بن الخطاب: ارجع إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه، يأذن لى [أن][2] أرجع بالناس، فإنّ معى وجوه الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون.
وقالت الأنصار: فإن أبى إلّا أن نمضى؛ فأبلغه عنّا، واطلب إليه أن يولّى أمرنا رجلا أقدم سنّا من أسامة.
فخرج عمر بأمر أسامة، فأتى أبا بكر، فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتنى الكلاب أو الذّئاب لم أردّ قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإنّ الأنصار أمرونى أن أبلغك أنّهم يطلبون إليك أن تولّى أمرهم رجلا أقدم سنّا من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالسا. فأخذ بلحية عمر، وقال: ثكلتك أمّك وعدمتك يابن الخطاب! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمرنى أن أنزعه!
[1] ص: «ثم قام» .
[2]
تكملة من ص.
فخرج عمر إلى النّاس، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمّهاتكم! ما لقيت فى سببكم اليوم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم خرج أبو بكر رضى الله عنه حتى أتاهم، فأشخصهم وشيّعهم وهو ماش؛ وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابّة أبى بكر، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلنّ! فقال: والله لا تنزل وو الله لا أركب، وما علىّ أن أغبّر قدمىّ فى سبيل الله ساعة؛ فإنّ للغازى بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وتمحى عنه سبعمائة خطيئة؛ حتى إذا انتهى أبو بكر، قال لأسامة: إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل، فأذن له. ثم قال:
يأيّها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّى: لا تخونوا ولا تغلّوا [1] ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا [2] نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلّا لمأكلة، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم بالصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على أقوام يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شىء فاذكروا اسم الله عليها. وسوف تلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم [3] ،
[1] الغلول: أخذ شىء من الغنيمة خفية قبل القسمة.
[2]
عقر النخلة: قطعها من أصلها فسقطت.
[3]
فحصوا رءوسهم. أى أن الشيطان جعلها مفاحص كما تستوطن القطا مفاحصها.