الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
هناك عددٌ مِن المصطلحاتِ والألفاظِ ذات صلةٍ بمصطلحِ التمذهب، ومِن المناسبِ لتحقيقِ معنى التمذهبِ الاصطلاحي بيانُ هذه الألفاظِ، وإظهار العلاقة بينها، وبين التمذهبِ.
المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد
قبلَ تجليةِ العلاقةِ بين مصطلحي التمذهبِ والتقليدِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ معنى التقليدِ في اللغةِ، والاصطلاحِ؛ لأتمكنَ بعدها مِنْ بيانِ العلاقةِ بينهما.
تعريف التقليد في اللغة:
التَّقْليدُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي: قَلَّدَ - بالتشديد - يُقالُ: قَلَّدَ يُقَلِّدُ تَقْلِيدًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ في مصدرِ الثلاثي المشدّدِ العينِ إذا كان صحيحَ اللامِ، فإنَّ مصدرَه التَّفْعِيل
(1)
.
والقَلْد أصله: الفَتْلُ
(2)
، يُقال: قَلَدتُ الحبلَ، أقْلِدُه قَلْدًا، إذا فتلتُه
(3)
.
ولمادة: (قلد) عدة معان في اللغة، منها:
المعنى الأول: وضعُ الشيءِ في العنقِ، محيطًا به. يقولُ ابنُ فارسٍ: "القافُ واللامُ والدالُ أصلانِ صحيحانِ، يدلُّ أحدُهما على: تعليقِ شيءٍ
(1)
انظر: أوضح المسالك لابن هشام (3/ 238).
(2)
انظر: مقاييس اللغة، مادة:(قلد)، (5/ 19).
(3)
انظر: المصدر السابق.
على شيءٍ، وليّه به"
(1)
.
ومِنْ هذا المعنى: القِلادةُ التي في العنقِ، وجمعُها قلائد
(2)
، يُقالُ: قَلّدَ فلانٌ فلانًا قِلادةَ سوءٍ، إذا هجاه بما يبقى عليه وسْمُه
(3)
، ويُقالُ: قَلَّدتُ المرأةَ قلادةً، إذا جعلتُها في عنقِها
(4)
.
المعنى الثاني: الحظُّ والنصيبُ مِن الماءِ. يقول ابنُ فارسٍ: "والأصلُ الآخرُ القِلْدُ: الحظُّ مِن الماءِ، يُقالُ: سقينا أرضَنا قِلْدَها، أيْ: حظَّها، وسقتنا السماءُ قِلْدًا كذلك، أراد حظًّا"
(5)
.
ويقولُ ابنُ منظورٍ
(6)
: "القِلْد: الحظُّ مِن الماءِ، والقِلْدُ: سقْيُ السماءِ، وقد قلَّدَتْنا وسقتنا السماءُ قِلْدًا في كل أسبوعٍ، أيْ: مطرتنا لوقتٍ"
(7)
.
المعنى الثالث: التفويض. وهذا الاستعمالُ على سبيلِ المجازِ
(8)
،
(1)
انظر: المصدر السابق.
(2)
انظر: تهذيب اللغة، مادة:(قلد)، (9/ 32)، والصحاح، مادة:(قلد)، (2/ 527)، ومقاييس اللغة، مادة:(قلد)، (5/ 19)، والقاموس المحيط، مادة:(قلد)، (ص/ 398).
(3)
انظر: المصادر السابقة، وأساس البلاغة للزمخشري، مادة:(قلد)، (ص/ 519).
(4)
انظر: القاموس المحيط، مادة:(قلد)، (ص/ 399).
(5)
مقاييس اللغة، مادة:(قلد)، (5/ 20).
(6)
هو: محمد بن مكرَّم بن علي - وقيل: ابن رضوان - بن أحمد بن أبي القاسم بن منظور الأنصاري الأفريقي، أبو الفضل جمال الدين، ولد سنة 630 هـ كان من كبار علماء اللغة والنحو، فاضلًا في الأدب، مليح الإنشاء، عارفًا بالتاريخ، كثير الحفظ، وقد ولي قضاء طرابلس، وقد كان مغرمًا باختصار الكتب المطولة، لا يمل من ذلك، وفيه تشيع بلا رفض، من مؤلفاته: لسان العرب، ومختصر الأغاني، ومختصر تاريخ دمشق، توفي بمصر سنة 711 هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات لابن شاكر (4/ 39)، والوافي بالوفيات للصفدي (5/ 54)، والدرر الكامنة لابن حجر (4/ 262)، وبغية الوعاة للسيوطي (1/ 248)، وحسن المحاضرة له (1/ 506)، وشذرات الذهب لابن العماد (8/ 48).
(7)
لسان العرب، مادة:(قلد)، (3/ 367).
(8)
انظر: أساس البلاغة للزمخشري، مادة:(قلد)، (ص/ 519)، وتاج العروس، مادة:(قلد)، (9/ 67).
يُقالُ: أعطيتُه قِلْدَ أمري، إذا فوضتُه إليه
(1)
، وقَلَّدَه الأمرَ، أي: فوَّضه؛ كأنَّه رَبَطَ الأمرَ بعنقِه
(2)
، ومنه: تقليدُ الولاةِ الأعمال
(3)
.
ومنه أيضًا: قول الشاعر
(4)
:
فقلِّدوا أمرَكم لله دَرُّكُمُ
…
رَحْبَ الذِّراعِ بأمرِ الحربِ مضطلعا
المعنى الرابع: اللّزوم. واستعمالُ التقليدِ بمعنى اللزومِ استعمالٌ مجازي
(5)
، يُقالُ: قَلَّدَه الأمرَ، أيْ: ألزمه إيّاه
(6)
، ومنه: حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم (قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها الأوتارَ)
(7)
، أيْ: اجعلوا طلبَ أعداءِ الدِّين،
(1)
انظر: المصدرين السابقين.
(2)
انظر: روضة الناظر (3/ 1016).
(3)
انظر: الصحاح، مادة:(قلد)، (2/ 527)، والقاموس المحيط، مادة:(قلد)، (ص/ 399).
(4)
البيت للقيط بن يَعْمَر - وبعضهم يقول: ابن مَعْمَر - الإيادي، والبيت في: ديوانه (ص/ 47).
وقد نسبه إلى لقيط بن يَعْمَر: ابنُ قتيبة في: الشعر والشعراء (1/ 201)، وأبو العباس المبرّد في: الكامل (2/ 682)، وأبو هلال العسكري في: ديوان المعاني (1/ 178)، وعلي البصري في: الحماسة البصرية (1/ 283).
وقد ورد البيت في بعص المصادر: "وقلدوا".
(5)
انظر: تاج العروس، مادة:(قلد)، (9/ 69).
(6)
انظر: لسان العرب، مادة:(قلد)، (3/ 367).
(7)
جاء الحديث بهذا اللفظ عن مكحولٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2/ 200)، برقم (2433) ط/ الأعظمي، ولفظه:(قَلِّدُوا الخيلَ، ولا تُقَلِّدُوها بالأوتار)؛ وابن أبي شيبة في: المصنف، كتاب: السير، باب: في النهي عن تقليد الإبل الأوتار (18/ 152 - 153)، برقم (34183، 34185).
وجاء الحديث بلفظ: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وصاحبها معانٌ عليها، فقلِّدوها، ولا تقلِّدوها الأوتار)، وأخرجه: سعيد بن منصور في: سننه، كتاب: الخيل، باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2/ 200)، برقم (2429) ط/ الأعظمي، مرسلًا عن مكحول؛ وأحمد في: المسند (23/ 104)، برقم (14791) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه عن تقليد الخيل الأوتار (1/ 294)، برقم (323) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ وفي: شرح معاني الآثار، كتاب: السير، باب: إنزال الحمير على الخيل (3/ 274) موصولًا من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ والطبراني في: الأوسط (9/ 13)، برقم (8982) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. =