المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الثالث: الفعل - التمذهب – دراسة نظرية نقدية - جـ ١

[خالد الرويتع]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختيار الموضوع:

- ‌أهداف الموضوع:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌خطة البحث:

- ‌الصعوبات الَّتي واجهت الباحث:

- ‌الشكر والتقدير:

- ‌الباب الأول: الدراسة النظرية للتمذهب

- ‌المبحث الأول تعريف التمذهب

- ‌المطلب الأول: تعريف التمذهب في اللغة

- ‌ تعريفَ المذهبِ في اللغَةِ

- ‌تعريف التمذهب في اللغة:

- ‌المطلب الثاني: تعريف التمذهب في الاصطلاح

- ‌تعريف المذهب اصطلاحًا:

- ‌التعريف المُخْتَار:

- ‌المناسبة بين التعريض اللغوي للمذهب والاصطلاحي:

- ‌تعريف التمذهب في الاصطلاح:

- ‌تعريف التمذهب عند المتأخرين:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي للتمذهب والتعريف الاصطلاحي:

- ‌المبحث الثاني: العلاقة بين التمذهب، والمصطلحات ذات الصلة

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: العلاقة بين التمذهب والتقليد

- ‌تعريف التقليد في اللغة:

- ‌تعريف التقليد في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:

- ‌العلاقةُ بين التمذهبِ والتقليدِ:

- ‌المطلب الثاني: العلاقة بين التمذهب والاجتهاد

- ‌تعريف الاجتهاد في اللغة:

- ‌تعريف الاجتهاد في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:

- ‌العلاقة بين التمذهب والاجتهاد:

- ‌المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع

- ‌ تعريفَ الاتّباع في اللغةِ

- ‌تعريف الاتباع في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:

- ‌العلاقة بين التمذهب والاتباع:

- ‌المطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي

- ‌تعريف التأسي في اللغة:

- ‌تعريف التأسي في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي:

- ‌العلاقة بين التمذهب والتأسي:

- ‌المطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب

- ‌تعريف التعصب في اللغة:

- ‌تعريف التعصب في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:

- ‌العلاقة بين التمذهب والتعصب:

- ‌المطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف

- ‌تعريفُ الخلاف في اللغة:

- ‌تعريف الخلاف في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:

- ‌فائدة علم الخلاف:

- ‌العلاقة بين التمذهب والخلاف:

- ‌المطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب

- ‌تعريف الانتصار في اللغة:

- ‌تعريف الانتصار للمذهب في الاصطلاح:

- ‌العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:

- ‌العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب:

- ‌المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب

- ‌تعريف الصلابة في اللغة:

- ‌تعريف الصلابة في المذهب في الاصطلاح:

- ‌ العلاقةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ

- ‌العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي:

- ‌المبحث الثالث: أركان التمذهب

- ‌المطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب)

- ‌توطئة

- ‌المسأله الأولى: تعريف إمام المذهب

- ‌المسألة الثانية: شروط إمام المذهب

- ‌النوع الأول: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ

- ‌النوع الثاني: الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد:

- ‌المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب

- ‌توطئة

- ‌الفرع الأول: القول

- ‌الفرع الثاني: مفهوم القول

- ‌الفرع الثالث: الفعل

- ‌الفرع الرابع: السكوت

- ‌الفرع الخامس: التوقف

- ‌ طُرقِ معرفةِ توقّفِ إمامِ المذهبِ

- ‌الفرع السادس: القياس على القول

- ‌الفرع السابع: لازم القول

- ‌الفرع الثامن: ثبوت الحديث

- ‌المطلب الثاني: المتمذهب

- ‌توطئة

- ‌المسألة الأولى: تعريف المتمذهب

- ‌المسألة الثانية: شروط المتمذهب

- ‌المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرِّج

- ‌المسألة الرابعة: العلاقة بين المتمذهب والفروعي

- ‌المسألة الخامسة: تمذهب المجتهد

- ‌المسألة السادسة: مذهب العامي

- ‌المطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه)

- ‌المسألة الأولى: تعريف المذهب في اللغة والاصطلاح

- ‌المسألة الثانية: محل التمذهب

- ‌المسائل التي ليست مجالًا للتمذهب:

- ‌المسأله الثالثة: شروط نقل المذهب

- ‌شروطُ الناقلِ عن إمامِ المذهبِ:

- ‌المسألة الرابعة: صور الخطأ في نقل المذهب

- ‌المسألة الخامسة: ألفاظ نقل المذهب

- ‌توطئة

- ‌الفرع الأول: الرواية

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للرواية:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للرواية:

- ‌الفرع الثاني: التنبيه

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للتنبيه:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتنبيه:

- ‌الفرع الثالث: القول

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للقول:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للقول:

- ‌الفرع الرابع: الوجه

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للوجه:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للوجه:

- ‌الفرع الخامس: الاحتمال

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للاحتمال:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للاحتمال:

- ‌الفرع السادس: التخريج

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للتخريج:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للتخريج:

- ‌الفرع السابع: النقل والتخريج

- ‌الفرع الثامن: الصحيح

- ‌الفرع التاسع: المعروف

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للمعروف:

- ‌ثانيًا: المعروف في الاصطلاح:

- ‌الفرع العاشر: الراجح

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للراجح:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للراجح:

- ‌الفرع الحادي عشر: قياس المذهب:

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للقياس:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لقياس المذهب:

- ‌الفرع الثاني عشر: المشهور من المذهب

- ‌أولا: التعريف اللغوي للمشهور:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي للمشهور من المذهب:

- ‌الفرع الثالث عشر: ظاهر المذهب

- ‌أولًا: التعريف اللغوي للظاهر:

- ‌ثانيًا: التعريف الاصطلاحي لظاهر المذهب:

الفصل: ‌الفرع الثالث: الفعل

‌الفرع الثالث: الفعل

مِن المعلومِ أنَّ إمامَ المذهبِ تصدرُ عنه أقوالٌ، وتصدرُ عنه أفعالٌ أيضًا، فإذا فَعَلَ عبادةً، فهل يُنسبُ إليه القولُ بمشروعيتِها، إما على سبيلِ الندبِ أو الوجوبِ؟

(1)

، وإذا فَعَلَ أمرًا ليس بعبادةٍ، فهلْ ينسبُ إليه القولُ بجوازِه؟

• تحرير محل النزاع:

أولًا: إذا خَرَجَ الفعلُ مخرجَ البيانِ للقولِ، فإنَّه يُنْسَبُ إلى إمام المذهبِ

(2)

، كأنْ يُقالَ للإمامِ مثلًا: اشرحْ لنا القدرَ المجزئَ في الوضوءِ، فيغسلُ وجهَه، ولا يتمضمض ولا يستنشق، ويتمّ بقيةَ الوضوءِ، ففي هذه الحالةِ تصحُّ نسبةُ القولِ بعدمِ وجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ إلى الإمامِ

(3)

؛ إذ مثل هذا لا يحتملُ الخلاف.

ثانيًا: محلُّ الخلافِ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه، إذا لم يخرج الفعلُ مخرجَ البيانِ

(4)

.

• الأقوال في المسألةِ:

اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمام المذهبِ بناءً على فعلِه على قولين:

القول الأول: صحةُ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه.

(1)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 153).

(2)

انظر: الموافقات (5/ 258، 262).

(3)

انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 37).

(4)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 153).

ص: 262

وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ

(1)

. ونسبه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ الحنابلةِ

(2)

. ووصفه المرداويُّ بأنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ

(3)

.

واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ

(4)

، وابنُ حمدانَ

(5)

، وأبو إسحاقَ الشاطبي

(6)

، وابنُ مفلحٍ

(7)

، وابنُ المبردِ

(8)

.

ويقولُ صدرُ الدّينِ السلمي

(9)

: "لم أرَ التصريحَ به - أيْ: بنسبةِ القولِ إلى الشافعي بناءً على فعلِه - لأصحابِنا، ولكنْ مقتضى ما قلنا في الفرعِ قبله - إذا نصَّ على حكمٍ، ونُقِلَ عنه أنَّه عمل بخلافِه - أنْ يُجعل ذلك مذهبًا له"

(10)

.

وظاهرُ قولِ تقيِّ الدينِ بنِ تيميةَ أنَّه يرى صحةَ النسبةِ عن طريقِ الفعلِ

(1)

انظر: المسودة (2/ 946)، وصفة الفتوى (ص/ 103)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 152)، وأصول الفقه لابن مفلح (4/ 1509).

(2)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 412).

(3)

انظر: التحبير (8/ 3964).

(4)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 410).

(5)

انظر: صفة الفتوى (ص/ 103).

(6)

انظر: الموافقات (5/ 262).

(7)

انظر: الفروع (1/ 47).

(8)

انظر: شرح غاية السول (ص/ 435).

(9)

هو: محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المناوي، صدر الدين أبو المعالي، ولد بمصر سنة 742 هـ أخذ العلم عن شيوخ بلده، وكان شافعي المذهب، فقهيًا أصوليًا، مهابًا شهمًا، درَّس في عدد من المدارس، وولي الإفتاء بدار العدل، والقضاء بالديار المصرية، من مؤلفاته: كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح، وفرائد الفوائد وتعارض القولين لمجتهد واحد، توفي غريقًا في نهر الزاب بالقرب من الموصل، سنة 803 هـ. انظر ترجمته في: إنباء الغمر لابن حجر (4/ 315)، والدليل الشافي لابن تغري بردي (2/ 577)، والضوء اللامع للسخاوي (6/ 249)، وشذرات الذهب لابن العماد (7/ 34)، وحسن المحاضرة للسيوطي (2/ 155).

(10)

فرائد الفوائد (ص/ 45). تنبيه: جعل الدكتور عياض السلمي في: تحرير المقال (ص/ 31)، والدكتور يعقوب الباحسين في: التخريج عند الفقهاء والأصوليين (ص/ 225) القولَ الأول وجهًا للشافعية، أخذًا من كلام تقي الدين بن تيمية في مجموع الفتاوى (19/ 153).

وهذا محل نظر؛ لأن سياق المسألة عند تقي الدين بن تيمية فيما إذا تعارض الفعل مع القول، فللشافعية في هذه الحالة وجهان.

ص: 263

إنْ غَلَبَ على إمامِ المذهبِ التقوى والورعُ

(1)

.

القول الثاني: عدمُ صحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على فعلِه.

وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ

(2)

. ونسبه ابنُ حامدٍ إلى طائفةٍ مِن الحنابلةِ

(3)

. واختاره: شمسُ الدّين بنُ القيّمِ

(4)

.

• أدلة القولين:

أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:

الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ)

(5)

.

(1)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 152 - 153).

(2)

انظر: صفة الفتوى (ص/ 103)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 152)، وأصول الفقه لابن مفلح (4/ 1509)، والتحبير (8/ 3964).

(3)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 412).

(4)

انظر: إعلام الموقعين (5/ 84).

(5)

جاء هذا اللفظ قطعة من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وأول الحديث: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا

)، وأخرجه: أبو داود في: سننه، كتاب: العلم، باب: الحث على طلب العلم (ص/ 551)، برقم (3641)؛ والترمذي في: جامعه، كتاب: العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (ص / 604)، برقم (2682)؛ وابن ماجه في: سننه، في: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم (ص/ 56)، برقم (233)؛ وأحمد في: المسند (36/ 45046)، برقم (21715)؛ والدارمي في: السنن، في: المقدمة، باب: فضل العلم والعالم (1/ 361 - 362)، برقم (354)؛ والفسوي في: المعوفة والتاريخ (3/ 503)؛ والطحاوي في: شرح مشكل الآثار، باب: بيان مشكل حديث النبي في تركه أخذ ميراث مولاه الذي سقط من نخله فمات

(3/ 10)، برقم (982)؛ وابن حبان في: صحيحه، كتاب: العلم، باب: ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل (1/ 289)، برقم (88)، وقال:"في هذا الحديث بيانٌ واضحٌ أنَّ العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا: هم الذين يعلِّمون علم النبي، دون غيره من سائر العلوم". والبيهقي في: شعب الإيمان، فصل: في فضل العلم وشرف مقداره (4/ 326 - 329)، بالرقمين (1573، 1574)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم وفضله (1/ 160 - 171)، بالأرقام (169 - 179)؛ والخطيب البغدادي في: الرحلة في طلب الحديث (ص/ 77 - 82)، بالأرقام (4 - 6)؛ والبغوي في: شرح السنة، باب: فضل العلم (1/ 275)، برقم (129)، وقال:"هذا حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة". =

ص: 264

وجه الدلالة من الحديث: أنَّ وراثةَ الأنبياءِ تكون في: العلمِ والتبليغِ والهدايةِ والاتباعِ، والوراثةُ تقتضي أنْ لا يأتي الإمامُ بما لا دليلَ له عليه

(1)

.

يقولُ ابنُ حامدٍ: "مقاماتُ العلماءِ بمثابةِ مقاماتِ صاحب الشريعةِ" إذ لا يجوزُ لعالمٍ أنْ يأتي في عملِه كلِّه شيئًا إلا مِنْ حيثُ الدليلُ شقيق الحقِّ المبين"

(2)

.

ويقولُ أبو إسحاقَ الشاطبيُّ: "إذا ثَبَتَ أنَّ المفتي قائمٌ مقامَ النبي، نائبٌ منابَه، لزمَ مِنْ ذلك أنَّ أفعالَه محل للاقتداءِ أيضًا، لأنه وارثٌ، وقد كان المورِّثُ قدوةً بقولِه وفعلِه، فكذلك الوارثُ، وإلا لم يكنْ وارثًا على الحقيقةِ"

(3)

.

مناقشة الدليل الأول: ليس في الحديثِ دلالةٌ على نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب أخذًا مِنْ فعلِه، ولا على التسويةِ بين أفعالِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعالِ الأئمةِ المجتهدين، وغايةُ ما دلَّ عليه الحديثُ أنَّ العلماءَ ورثوا العلمَ عن الأنبياءِ، والوراثةُ تعني بصيرتَهم بأحكامِ الشريعةِ

(4)

.

= وذكر البخاريُّ الحديثَ في: صحيحه، في كتاب: العلم، بعد باب: العلم قبل القول والعمل. ويقول ابن حجر في: فتح الباري (1/ 160) عن الحديث: "حسَّنه حمزةُ الكناني، وضعفه غيرهم باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها، ولم يفصحْ المصنفُ - أي: البخاري - بكونه حديثًا؛ لذا لا يُعدُّ في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يشعر بأنَّ له أصلًا

".

وحسن الحديثَ ابنُ القيم في: مفتاح دار السعادة (1/ 203)، والألباني في: تعليقه على السنن في المواطن السابقة.

وقال الألبانيُّ في: صحيح الترغيب والترهيب (1/ 139)، حاشية (1):"مدار الحديث على داود بن جميل عن كثير بن قيس، وهما مجهولان، لكن أخرجه أبو داود من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسندٍ حسنٍ". وقارن بالتوضيح لابن الملقن (2/ 322 - 324).

(1)

انظر: صفة الفتوى (ص/ 103 - 104).

(2)

تهذيب الأجوبة (1/ 414) بتصرف يسير.

(3)

الموافقات (5/ 262) بتصرف.

(4)

انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 35)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 228). وانظر للاستزادة في معنى الحديث: مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/ 193) ط/ ابن حزم.

ص: 265

الدليل الثاني: لم يَزَل العلماءُ ينسبون أقوالَ الصحابةِ رضي الله عنهم إليهم، بناءً على الفعلِ الصادرِ منهم

(1)

.

مناقشة الدليل الثاني: لا يُسلَّم بأنَّ ما ذكروه هو منهج العلماءِ في الفعلِ الصادرِ مِن الصحابةِ رضي الله عنهم، وما ذكروه داخلٌ في محل النزاع؛ وهو دعوى تحتاجُ إلى دليلٍ

(2)

.

الدليل الثالث: أنَّ في طبائعِ البشرِ التأسيَّ بفعلِ مَنْ يعظمونه، لا يقدرون على الانفكاكِ عنه بوجهِ، وقد ظَهَرَ هذا في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم، حين دعا قومَه إلى الإيمانِ، كان بعضُ مَنْ كَفَرَ قد تمسَّكَ بالتأسيِ بالآباءِ، كما قالَ الله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}

(3)

.

وكذلك الصحابةُ رضي الله عنهم اقتدوا بفعلِه صلى الله عليه وسلم، بلْ رُبَّما تَرَكَ الصحابةُ رضي الله عنهم قولَه لفعلِه، كما جاءَ هذا لما نهاهم عن الوصالِ

(4)

، فلم ينتهوا، واحتجوا بأنَّه صلى الله عليه وسلم يواصل

(5)

، فكانوا يبحثون عن أفعالِه صلى الله عليه وسلم، كما يبحثون عن أقواله.

وإذا كانَ هذا شأنُ الفعلِ؛ فيستبعد على العالم أنْ تُقْدِمَ على فعلِ، ويرى الناسَ حولَه يقتدون بفعلِه، ولا يكون فعلُه موافقًا لرأيه

(6)

.

(1)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 414).

(2)

انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 36)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 228 - 229).

(3)

من الآية (21) من سورة لقمان.

(4)

الوصال: أن لا يفطر الصائم بين اليومين. انظر: بدائع الصنائع للكاساني (2/ 79)، والبحر الرائق لابن نجيم (2/ 278)، وكشاف القناع للبهوتي (5/ 339).

(5)

أخرج حديث وصال النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه للصحابة رضي الله عنهم: البخاري في: صحيحه، كتاب: الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب (ص/ 364)، برقم (1922)؛ ومسلم في: صحيحه، كتاب: الصيام، باب: النهي عن الوصال في الصوم (1/ 490)، برقم (112) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(6)

انظر: الموافقات (5/ 262 - 265)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 227)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ 131).

ص: 266

مناقشة الدليل الثالث: أنَّ ما ذكروه لا يكفي لأنْ يكونَ دليلًا شرعيًا على شرعيةِ التأسي بالمفتي، إذا لم يَقْصِد البيانَ بفعلِه

(1)

.

ويمكنْ أنْ يضافَ وجهٌ آخر في المناقشة، وهو: أنَّ ما ذكروه حثٌّ للعالمِ على أنْ لا يصدرَ منه فعلٌ إلا وهو يرى إباحتَه أو مشروعيته، وليس فيه ما يدلّ على أنَّ العالمَ لا يَقَعُ منه إلا ما يرى إباحته أو مشروعيته.

أدلةُ أصحابِ القولِ الثانى: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:

الدليل الأول: أنَّ إمامَ المذهب بشرٌ، وهو غيرُ معصوم، يجوز عليه السهوُ والنسيانُ والجهلُ والتهاونُ، فلعله فعلَ الشيءَ نسيانًا أو ذهولًا، أو كانَ غيرَ متأمّلٍ ولا ناظرٍ

(2)

.

مناقشة الدليل الأول: ما ذكرتموه مِن الاحتمالاتِ في فعلِ إمامِ المذهب، تَرِدُ أيضًا في قولِه، فيمكن فيه الخطأُ والنسيانُ والغفلةُ؛ لأنَّ القائلَ لَيس بمعصومٍ، وإذا لم تُعْتَبرْ هذه الاحتمالات في القولِ، لم تكن معتبرة في الفعلِ

(3)

.

الجواب عن المناقشة: هناك فرقٌ بين القولِ والفعلِ؛ وذلك من وجهين:

الوجه الأول: بالمشاهدةِ، فكثيرٌ من المنتصبين للفتيا يَزِنون أقوالَهم وزنًا تامًّا، مع أنَّ أفعالَهم قد يكون فيها شيءٌ مِن مخالفةِ ما يُفتونَ به الناسَ؛ ترخصًا لأنفسِهم، ولا سيما في بابِ المندوباتِ والمكروهاتِ

(4)

.

الوجه الثاني: أنَّ احتمالَ الخطأِ في الفعلِ أكثرُ منه في القولِ؛ لأن

(1)

انظر: تعليق دراز على الموافقات (5/ 262).

(2)

انظر: صفة الفتوى (ص/ 104)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 152)، وإعلام الموقعين (5/ 84).

(3)

انظر: الموافقات (5/ 265).

(4)

انظر: تعليق دراز على الموافقات (5/ 265).

ص: 267

الإنسانَ قد ينساقُ إلى الفعلِ بطبعِه دونَ انتباهٍ إلى إباحةٍ أو عدمِها

(1)

.

وإذا ثَبَتَ الفرقُ بين القولِ والفعلِ، ساغَ التفريقُ بينهما في الحكمِ.

الدليل الثاني: أنَّ أفعالَ النبي صلى الله عليه وسلم ليستْ كلها على سبيلِ الوجوب، بلْ لها أحكامٌ مختلفةُ المراتبِ؛ وهذا يدلُّ على ضعفِ دلالةِ الفعلِ

(2)

.

مناقشة الدليل الثاني: أن أفعالَ النبي صلى الله عليه وسلم، وإن اختلفتْ مراتبُها، لكنها لا تخرج عن أنْ تكون دِيْنًا، ونحن نريدُ إثباتَ الجوازِ؛ وهذا يتحققُّ بمجرّدِ الفعلِ

(3)

.

• الموازنة والترجيح:

مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ الفعلَ إذا اقترنتْ به قرينةٌ دالةٌ لي أنَّ ما فعلَه إمامُ المذهب هو رأيه، نُسِبَ القولُ إليه بناءً على فعلِه؛ وإذا تجرَّد الفعلُ عن القرينةِ لمَ ينسبْ إليه؛ وذلك لتطرّقِ الاحتمالِ إلى الفعلِ المجرّدِ عن القرينةِ، إذْ يحتملُ أنَّ الإمامَ فعله نسيانًا أو سهوًا أو غفلة، ونحو ذلك، أمَّا إذا احتفتْ بالفعلِ قرينةٌ، فإنَّ هذه الاحتمالاتِ تُعَدُّ احتمالات مرجوحة.

مثالُ القرينةِ التي تحتفّ بالفعلِ: تكررُ الفعلِ مِن الإمامِ المعروفِ بالتقوى والورعِ، فإن تكررَ الفعلِ من الإمامِ، وتقواه قرينتان دالتان على نسبةِ القولِ إليه بناءً على فعلِه

(4)

.

ومثالُ الفعلِ الذي لم تحتف به قرينةٌ: إذا فَعَلَ الإمامُ أمرًا مرةً واحدةً، دونَ قرينةٍ، فلا ينسبُ القولُ إليه بناءً على فعلِه.

(1)

انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 36).

(2)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 413)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 34)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ 133).

(3)

انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 415).

(4)

انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (19/ 152).

ص: 268

• نوع الخلاف:

الخلافُ بين القولين خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره في المسألتين اللتين ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبة القولِ إلى الإمامِ بناءً على مفهومِ المخالفةِ.

* * *

ص: 269