الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع السادس: القياس على القول
مِن الطرقِ التي يُتَوصّلُ بها إلى معرفةِ قولِ إمام المذهب: قياسُ
(1)
ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه.
ويسمي بعضُ أهلِ العلمِ القياسَ على القولِ بالتخريجِ
(2)
.
وقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ مسألةِ: (القياسِ على قولِ إمامِ المذهب)، أُوْرِدُ بعضَ الأمثلةِ عليها:
المثال الأول: صحةُ وصايةِ الصبي
(3)
.
ذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمد بن حنبل في مسألةِ: (وصياية الصبي)، الصحةُ؛ وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على قولِ الإمامِ أحمدَ بصحّةِ وكالةِ الصبي، وجوازِ بيعِه إذا كان مأذونًا له فيه
(4)
.
المثال الثاني: وجوب الزكاة في الأشنانِ
(5)
،
(1)
عرف القاضي البيضاوي في: منهاج الوصول (2/ 846) مع شرحه السراج الوهاج القياسَ بأنه: إثبات مثل حكم معلوم، في معلوم آخر، لاشتراكهما في علة الحكم، عند المثبت.
وانظر تعريفات أخرى للقياس في: العدة (1/ 174)، وإحكام الفصول (ص/ 528)، وشرح اللمع (2/ 755)، والبرهان (2/ 487)، وأصول السرخسي (2/ 143)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (1/ 24)، وكشف الأسرار للبخاري (3/ 268).
(2)
سأتحدث بصورة مفصلة عن التخريج في مسألة: (مصطلحات نقل المذهب).
(3)
الوصاية عند الحنابلة: جعل التصرف لغيره بعد موته فيما كان له التصرف فيه. انظر: المغني لابن قدامة (6/ 142).
(4)
انظر: المغي لابن قدامة (6/ 57)، والقواعد لابن اللحام (1/ 72).
(5)
الأشنان - بضم الهمزة، وكسرها، وعند بعض أهل اللغة أن الضم أعلى -: لفظٌ فارسيٌّ معرَّب، وهو الحُرُض، يستعمله الناسُ للجَرَبِ والحكِّة، وغسل الأيدي على إثر الطعام، وغسل الثياب.
وجاء في: المعجم الوسيط، مادة:(أشن)، (ص/ 19):"الأشنان: شجر من الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو، أو رماده في غسل الثياب والأيدي".=
والكلِأ
(1)
.
ذَهَبَ بعضُ علماءِ الحنابلة إلى أنَّ قولَ الإمامِ أحمدَ وجوبُ الزكاةِ في الأشنانِ والكلِأ، وطريقُ ثبوتِ القولِ هو القياسُ على إيجابِ الإمامِ أحمدَ الزكاةَ في العسلِ
(2)
.
المثال الثالث: إبطالُ إلاعتكافِ بلمسِ المرأةِ.
سُئِلَ ابنُ القاسمِ
(3)
عن المعتكفِ إذا قبّلَ أو لمسَ، أيفسِدُ ذلك اعتكافَه؟ فقال: نعم، بلغني عن مالكِ في القُبِلة أنَّه قالَ:"ينتقضُ اعتكافُه"، واللمسُ عندي مثلُ القُبْلةِ
(4)
.
* تحرير محل النزاع:
أولًا: إنْ كانَ الفرعُ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ في معنى ما نصَّ عليه، فحكمُه مثلُ حكمِ ما نصَّ عليه، نحو: أنْ ينصَّ على أنَّ الشفعةَ
(5)
= وانظر: تهذيب اللغة، مادة:(أشن)، (11/ 416)، والمصباح المنير للفيومي، مادة:(أشن)، (ص/ 42)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/ 35)، والقاموس المحيط، مادة:(أشن)، (ص/ 1517)، والدر النقي لابن المبرد (1/ 269)، وتاج العروس، مادة:(حرض)، (18/ 287)، ومادة:(أشن)، (34/ 180).
(1)
الكلأ: العُشْبُ رطبه ويابسه. انظر: القاموس المحيط، مادة:(كلأ)، (ص/ 64).
(2)
انظر: الإنصاف (3/ 99).
(3)
هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العُتَقي مولاهم المصري، أبو عبد الله، ولد سنة 132 هـ أحد أصحاب الإمام مالك والملازمين له، صحبه عشرين سنة، وكان عالم الديار المصرية ومفتيها، فقيهًا عابدًا زاهدًا ورعًا، قال عنه الإمامُ مالك:"مثله كمثل جراب مملوءٍ مسكًا"، وقد روى عن الإمام مالك المدونة، توفي بمصر سنة 191 هـ. انظر ترجمته في: طبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ 141)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (3/ 244)، وفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 129)، وتهذيب الكمال للمزي (17/ 344)، وسير أعلام النبلاء (9/ 120)، والديباج المذهب لابن فرحون (1/ 465)، والمقفى الكبير للمقريزي (4/ 48)، وحسن المحاضرة للسيوطي (1/ 279).
(4)
انظر: المدونة (1/ 227).
(5)
الشفعة هي: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، من يد من انتقلت إليه. =
لجارِ الدكانِ، فيُعلم مِنْ نصِّه أنَّ الشفعةَ لجارِ الدارِ؛ لأنَّه لا فرقَ بين الدكانِ والدارِ
(1)
.
ثانيًا: إنْ كان القائسُ الذي يريدُ إلحاقَ الفرعِ الذي سكتَ عنه إمامُ المذهبِ بما نصَّ عليه، ممَّنْ لا معرفةَ له بالقياسِ وأحكامِه معرفةً جيدةً: فلا يصحُّ قياسُه
(2)
.
ثالثًا: إنْ كان هناك فرقٌ مؤثّرٌ بين الفرعِ المسكوتِ عنه، وما نصَّ عليه إمامُ المذهبِ، امتنع الإلحاقُ؛ لأنَّ الفارقَ بين الفرعِ والأصلِ مؤثرٌ في القياسِ في نصوصِ الشارعِ، وغيرُها ملحقٌ بها
(3)
.
رابعًا: محل الخلافِ إذا كان القائسُ ذا معرفةٍ بالقياسِ وأحكامِه، ولم يجدْ فرقًا مؤثّرًا بين ما سَكَتَ عنه إمامُه، وما نصَّ عليه، وليس ما سَكَتَ عنه في معنى ما نصَّ عليه، فهل يثبتُ للمسكوتِ عنه مثلُ حكمِ المنصوص على حكمِه؟
* الأقوال في المسألة:
اختلفَ العلماءُ في نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهب عن طريقِ القياسِ على أقوال:
القول الأول: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، وصحةُ نسبةِ حُكمِ الفرعِ المسكوتِ عنه إلى الإمامِ.
= انظر: المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، مادة:(شفع)، (1/ 448)، والمطلع على أبواب المقنع للبعلي (ص/278).
(1)
انظر: المعتمد (2/ 865)، والتبصرة (ص/ 517)، والغياثي للجويني (ص/ 421).
(2)
انظر: الغياثي للجويني (ص/ 424)، والفروق للقرافي (2/ 202)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام له (ص/ 243)، وضوء النهار للحسن الجلال (1/ 141)، ومراقي السعود للمرابط (ص/ 448).
(3)
انظر: الفروق للقرافي (2/ 202)، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام له (ص/ 243)، وشرح مختصر الروضة (3/ 641)، ونهاية السول (4/ 443)، والبحر المحيط (6/ 127)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (4/ 443).
وهذا قولُ أكثرِ المالكية
(1)
. ونسبه أبو إسحاقَ الشيرازي إلى بعضِ الشافعيةِ
(2)
، وقال عنه صدرُ الدينِ السلمي:"إنَّه الأشبه بفعلِ الأصحابِ"
(3)
.
وهو وجهٌ عند الحنابلةِ
(4)
، وقال عنه ابنُ مفلحٍ:"إنَّه الأشهرُ"
(5)
، وقال عنه المرداوي:"إنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ"
(6)
.
وذَهَبَ إلى هذا القول: ابنُ القاسمِ
(7)
، والأثرمُ
(8)
، وأبو القاسمِ الخرقي
(9)
. ونُسِبَ هذا القولُ إلى ابنِ حامدٍ
(10)
. ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني
(11)
.
وهو قولُ أبي إسحاقَ التونسي
(12)
، وإمامِ الحرمين الجويني
(13)
، وابنِ رشدٍ
(14)
، وأبي عبدِ الله المازري
(15)
،
(1)
انظر: نشر البنود (2/ 334).
(2)
انظر: شرح اللمع (2/ 1084).
(3)
فرائد الفوائد (ص/ 106).
(4)
انظر: أصول الفقه لابن مفلح (4/ 1509).
(5)
الفروع (1/ 42).
(6)
تصحيح الفروع (1/ 43).
(7)
انظر: المدونة (1/ 227).
(8)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 383)، والمسودة (2/ 938)، وصفة الفتوى (ص/ 88).
(9)
انظر: المصادر السابقة.
(10)
انظر: المسودة (2/ 938)، وصفة الفتوى (ص/ 88)، وتصحيح الفروع للمرداوي (1/ 43). وسيأتي مزيد بيان فيما يتعلق بنسبة هذا القول إلى ابن حامد.
(11)
انظر: البرهان (2/ 885).
(12)
انظر: نشر البنود (2/ 334). وأبو إسحاق التونسي هو: إبراهيم بن حسن بن يحيى المعافري، أبو إسحاق التونسي، كان رجلًا جليل القدر، صالحًا متبتلًا، مجاب الدعوة، أحد فقهاء المذهب المالكي، عارفًا بالحديث والأصول، لم يُرَ مثله في فقهاء قطره وزمنه وقارًا وسمتًا، من مؤلفاته: تعاليق على المدونة، وتعاليق على كتاب ابن المواز، توفي بالقيروان سنة 443 هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك للقاضي عياض (8/ 58)، والديباج المذهب لابن فرحون (1/ 269)، والوفيات لابن قنفذ (ص/ 244)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 108).
(13)
انظر: الغياثي (ص/ 425).
(14)
انظر: نشر البنود (2/ 334).
(15)
انظر: المصدر السابق. وأبو عبد الله المازري هو: محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي، أبو محبد الله المازَري، ولد سنة 453 هـ أحد أعلام المذهب المالكي، ومن أكابر علماء زمانه، وأحد الموصوفين بالذكاء والتيحر في العلوم، كان فقيهًا أصوليًا، بصيرًا =
وابنِ الصلاح
(1)
، والطوفي
(2)
، وخليلٍ المالكي
(3)
، وبدرِ الدين الزركشي
(4)
، وابنِ عرفةَ
(5)
، ومحمد الخضري
(6)
.
واختارَ هذا القول بشرطِ نسبتِه إلى الإمامِ مقيّدًا بقولِنا: "قياسُ قولِه": تقيُّ الدين بنُ تيمية
(7)
، وابنُ عابدين
(8)
، والشيخُ محمد المطيعي
(9)
.
القول الثاني: منْعُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، فلا تصحُّ نسبةُ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ.
وهذا القولُ وجه عند الحنابلةِ
(10)
. ونَسَبَه ابنُ حامدٍ إلى عامّةِ شيوخِه،
= بالحديث، دقيق النظر، متبحرًا في العلوم، لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه ولا أقوم لمذهبهم، وكان قلمه في العلم أبلغ من لسانه، من مؤلفاته: شرح التلقين، والمعلم بفوائد صحيح مسلم، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، توفي سنة 536 هـ.
انظر ترجمته في: الغنية للقاضي عياض (ص/ 65)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (4/ 285)، وسير أعلام النبلاء (20/ 104)، والوافي بالوفيات للصفدي (4/ 151)، والديباج المذهب لابن فرحون (2/ 250)، ورياض الأزهار للمقري (3/ 165)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 127).
(1)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 97).
(2)
انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 641).
(3)
انظر: مختصر خليل (6/ 92) مع شرحه مواهب الجليل. وخليل هو: خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب، المعروف بالجندي، ضياء الدين، من أشهر علماء المذهب المالكي في عصره، اشتغل بالتدريس والإفتاء والتاليف، كان علامةً فهامةً صدرًا في علماء القاهرة، مجمعًا على فضله وديانته، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مشاركًا في فنون العربية والحديث، من مؤلفاته: شرح مختصر ابن الحاجب الفروعي، والمختصر في الفقه، ومنسك للحج، وشرح على المدونة، لم يكتمل، توفي سنة 776 هـ وقيل: سنة 767 هـ وقيل: سنة 749 هـ.
انظر ترجمته في: الديباج المذهب لابن فرحون (1/ 357)، والدرر الكامنة لابن حجر (2/ 86)، ودرة الحجال لابن القاضي (1/ 257)، ونيل الابتهاج للتنبكتي (ص/ 168)، وشجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 223).
(4)
انظر: البحر المحيط (5/ 85).
(5)
انظر: مواهب الجليل (6/ 92).
(6)
انظر: أصول الفقه (ص/ 472).
(7)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (35/ 289).
(8)
انظر: شرح عقود رسم المفتي (ص/ 84).
(9)
انظر: سلم الوصول (4/ 443).
(10)
انظر: أصول الفقه لابن مفلح (4/ 1509).
وإلى سائرِ مَنْ شاهده
(1)
، وإلى الخلالِ، وغلامِه، وأبي علي بنِ الصواف
(2)
، وإبراهيمَ الحربي
(3)
.
واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: أبو إسحاقَ الشيرازيُّ
(4)
، والحلوانيُّ
(5)
، وابنُ العربي المالكى
(6)
، وابنُ رشدٍ - وعدَّه بدعةً وضلالًا
(7)
- والعزّ بنُ عبد السلام
(8)
،
(1)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 382).
(2)
هو: محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله البغدادي، أبو علي، ويعرف بابن الصواف، ولد سنة 270 هـ كان إمامًا محدثًا ثقة حجةً مأمونًا، مترجم له في طبقات الحنابلة، قال عنه الدارقطني:"ما رأت عيناي مثل أبي علي بن الصواف"، توفي سنة 359 هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السلام للخطيب (2/ 115)، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (3/ 119)، وسير أعلام النبلاء (16/ 184)، والوافي بالوفيات للصفدي (2/ 44)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (2/ 339)، والمنهج الأحمد للعليمي (2/ 258)، وشذرات الذهب لابن العماد (3/ 28).
(3)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 382)، والمسودة (2/ 837)، وصفة الفتوى (ص/ 88).
(4)
انظر: شرح اللمع (2/ 1084).
(5)
انظر: المسودة (2/ 938). والحلواني هو: محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن المراق الحلواني، أبو الفتح، ولد سنة 439 هـ أحد علماء الحنابلة، صحب القاضي أبا يعلى مدةً يسيرة، وتفقه على القاضي أبي علي، والشريف أبي جعفر، تولى التدريس والإفتاء، كان فقيهًا زاهدًا عابدًا مشهورًا بالورع والديانة، من مؤلفاته: كفاية المبتدي، ومختصر العبادات، وكتاب في أصول الفقه، توفي سنة 505 هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (3/ 476)، والوافي بالوفيات للصفدي (4/ 149)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (1/ 246)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (2/ 472)، والمنهج الأحمد للعليمي (3/ 46)، والدر المنضد له (1/ 230).
(6)
انظر: أحكام القرآن (3/ 1212).
(7)
انظر: الضروري في أصول الفقه (ص/ 145).
(8)
انظر: كشف النقاب لابن فرحون (ص/ 107). والعز بن عبد السلام هو: عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب، أبو محمد السلمي الدمشقي المصري، ويُعرف بالعز بن عبد السلام، ويلقب بسلطان العلماء؛ لسعة علمه، ولد سنة 577 هـ وقيل: 578 هـ كان علامة فقيهًا أصوليًا، قويًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زاهدًا، انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، من مؤلفاته: فواعد الأحكام في مصالح الأنام، ومختصر قواعد الأحكام، والإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، والإمام في بيان أدلة الأحكام، والتفسير، واختصار النهاية، توفي سنة 660 هـ. انظر ترجمته في: طبقات =
وأبو عبد الله المقَّريُّ
(1)
، وأحمدُ الوزير
(2)
.
ونسبه أحمدُ الوزير إلى القاسمِ بن محمد
(3)
.
القول الثالث: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ نصَّ على العلةِ أو أومَأَ إليها، سواء أقالَ الإمامُ بتخصيصِ العلةِ أم لا، وتصحُّ نسبةُ القولِ إليه؛ والمنعُ مِن القياسِ على قولِ الإمامِ، إنْ لم ينصَّ على العلةِ، ولم يومِئْ إليها.
ذَهَبَ إلى هذا التفصيلِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ
(4)
، وأبو الحسينِ البصري
(5)
، ومحمد بنُ يحيى
(6)
،
= الشافعية الكبرى لابن السبكي (8/ 209)، وطبقات الشافعية للإسنوي (2/ 84)، والبداية والنهاية (17/ 441)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (7/ 182)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/ 109)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ 222)، وشذرات الذهب لابن العماد (7/ 522).
(1)
انظر: القواعد (1/ 348).
(2)
انظر: المصفى في أصول الفقه (ص/ 832).
(3)
انظر: المصدر السابق. والقاسم بن محمد هو: القاسم بن محمد بن علي بن محمد الرشيد، الإمام الأعظم المنصور بالله، ولد سنة 967 هـ اشتغل بطلب العلم على شيوخ عصره، وبرع في فنون الشريعة، وكانت اليمن في سنة 1006 هـ تشتعل من الدولة التركية اشتعالًا، فدعا الناسَ إلى مبايعته، وجرت بينه وبين الأتراك حروب وخطوب، وكانت العاقبة له، كان فصيِح العبارة، سريع الاستحضار للأدلة، كثير الحلم، صابرًا على المكاره، فارسًا شجاعًا، وشاعرًا مجيدًا، من مؤلفاته: كتاب الاعتصام - كتاب في الحديث - والأساس - كتاب في أصول الدين - والإرشاد، توفي سنة 1029 هـ. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر للمحبي (3/ 282)، والبدر الطالع للشوكاني (ص/ 566)، والأعلام للزركلي (5/ 182)، ومعجم المؤلفين لكحالة (2/ 652).
(4)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 385).
(5)
انظر: المعتمد (2/ 866)، وشرح العمد (2/ 334).
(6)
انظر: فرائد الفوائد (ص/ 106)، والبحر المحيط (5/ 85).
ومحمد بن يحيى هو: محمد بن يحيى بن منصور النيسابوري، أبو سعيد، أو أبو سعد، ولد بطريثيث من خراسان سنة 476 هـ كان إمامًا علامةً بارعًا في الفقه، زاهدًا ورعًا واسع العلم، شافعي المذهب، انتهت إليه رئاسة المذهب بنيسابور، وقصده الفقهاء من النواحي، وبَعُد صيته، من مؤلفاته: المحيط في شرح الوسيط، والانتصاف في مسائل الخلاف، توفي مقتولًا سنة 548 هـ. انظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 95)، ووفيات الأعيان =
وأبو المظفرِ السمعاني
(1)
، وأبو الخطاب
(2)
، والموفقُ بنُ قدامةَ
(3)
، وابنُ حمدان
(4)
، والأميرُ محمد الصنعاني
(5)
- وقَصَرَ الجوازَ على ما إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ فحسب - والشيخُ محمد الأمين الشنقيطي
(6)
.
فلو قالَ الإمامُ مثلًا: النيةُ واجبةٌ في التيممِ؛ لأنَّه طهارةٌ عن حَدَثٍ، كان قولُه: أنَّ النيةَ تجبُ في الوضوءِ وغُسْلِ الجنابةِ والحيضِ؛ لأنَّه اعتقدَ وجوبَ النيةِ؛ لكونِها طهارةً عن حدثٍ، فيجبُ أنْ يشملَ ذلك طهارةَ كلِّ حَدَثٍ
(7)
.
وفيما يتصلُ بقولِ ابنِ حامدٍ: فمِنْ علماءِ الحنابلة مَنْ نَسَبَ إليه القولَ الأولَ
(8)
، مع أنَّ ظاهرَ اختيارِه في المسألةِ هو التفصيل.
ولعل سببَ الاختلافِ في قولِه عائدٌ إلى النظرِ إلى ما اختاره، وإلى ما استدلَّ به؛ إذ إنَّ ابنَ حامدٍ لمَّا عَرَضَ القولين: الأول والثاني، صرَّح بما اختاره قائلًا:"والمأخوذُ به أنْ نُفصَّلَ: فما كانَ مِنْ جوابٍ له في أصلٍ يحتوي مسائل، خَرَجَ جوابُه على بعضِها، فإنَّه جائزٌ أنْ يُنسبَ إليه بقيةُ مسائلِ ذلك الأصلِ مِنْ حيثُ القياسُ"
(9)
.
وقولُه ظاهرٌ في عدمِ إطلاقِ القولِ بجوازِ القياسِ في نصوصِ الأئمةِ، لكنَ ابنَ حامدٍ حينَ عَرَضَ الأدلةَ، انساقَ في عرضِها مع القائلين بالجوازِ.
فلعل مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ حامدٍ القولَ بالجوازِ مطلقًا، اتجه نظرُه إلى الأدلةِ التي استدلَّ بها.
= لابن خلكان (3/ 359)، وسير أعلام النبلاء (20/ 312)، والوافي بالوفيات للصفدي (5/ 197)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (7/ 25)، وطبقات الشافعية للإسنوي (2/ 559)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ 205).
(1)
انظر: قواطع الأدلة (5/ 89).
(2)
انظر: التمهيد في أصول الفقه (4/ 366).
(3)
انظر: روضة الناظر (3/ 1012).
(4)
انظر: صفة الفتوى (ص/88).
(5)
انظر: إجابة السائل (ص/ 400).
(6)
انظر: مذكرة أصول الفقه (ص/ 488).
(7)
انظر: المعتمد (2/ 866)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 366 - 367).
(8)
انظر: المسودة (2/ 938)، وصفة الفتوى (ص/ 88)، وتصحيح الفروع للمرداوي (1/ 43).
(9)
تهذيب الأجوبة (1/ 385 - 386).
وأنبّه إلى أنَّ ابنَ حمدان اختارَ القولَ الثالث، وبيَّن أنَّ العلةَ إنْ لم تكن منصوصةً أو مومأً إليها، لكنْ شهدتْ أقوالُ الإمامِ وأفعالُه، أو أحوالُه للعلةِ المستنبطةِ بالصحّةِ والتعيينِ، فإنَّها تُلحقُ بالعلةِ المنصوصةِ
(1)
.
القول الرابع: جوازُ قياسِ ما سَكَتَ عنه إمامُ المذهبِ على ما نصَّ عليه، إنْ كانَ الإمامُ ممَّنْ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، والمنعُ مِن القياسِ إنْ كان الإمامُ ممَّنْ لا يجوّزُ تخصيصَ العلةِ.
كذا ذَكَرَ هذا القولَ: ابنُ حمدان
(2)
، والمرداويُّ
(3)
، ولم ينسباه إلى أحدٍ.
ولعل عكسَ قولِهم هو الأنسب للمقام؛ فإذا رأى الإمامُ تخصيصَ العلةِ لم يصحَّ الإلحاقُ، وإنْ لم يرَ تخصيصَ العلةِ ساغَ الإلحاقُ.
ويرجِّح هذا التعقيب: ما أورده المرداويُّ نفسُه في كتابه: (الإنصاف)
(4)
- ومقتضاه عكس القول الذي ذكره: ابنُ حمدان
(5)
، والمرداويُّ في كتابيه:(التحبير)
(6)
، و (تصحيح الفروع)
(7)
- بقوله: "وقيل: إنْ جازَ تخصيصُ العلةِ، وإلا فهو مذهبُه"
(8)
.
* أدلةُ الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ القياسَ جائزٌ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، وإذا ساغَ القياسُ فيهما - بجعلِ ما سَكَتَ عنه القرآنُ والسنةُ ملحقًا بالمنصوصِ عليه -
(1)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88).
(2)
انظر: المصدر السابق.
(3)
انظر: التحبير (8/ 3967)، وتصحيح الفروع (1/ 44).
(4)
انظر: (12/ 344).
(5)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88).
(6)
انظر: (8/ 3967).
(7)
انظر: (1/ 44).
(8)
الإنصاف (12/ 244).
وهما أصلُ الدِّينِ، فجوازُ القياسِ في غيرِهما مِنْ بابٍ أولى
(1)
.
يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "فالذي أحاطَ بقواعدِ مذهبِ الشافعي مثلًا، وتدرَّبَ في مقاييسه، يُنزّلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرقِ الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرعِ بما هو منصوصٌ عليه.
ولعلَّ الفقيهَ المستقل بمذهب إمامٍ أقدرُ على الإلحاقِ بأصولِ المذهبِ الذي حواه، مِن المجتهدِ في محاوَلتِه الإلحاق بأصولِ الشريعةِ"
(2)
.
مناقشة الدليل الأول، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنَّا قلنا بصحةِ القياسِ على نصوصِ الكتاب والسنةِ؛ لورودِ البيانِ مِن الشرعِ بالأمرِ بالقياسِ وإقرارِه؛ وقد تعبَّدَنا الشارَعُ بذلك، بخلافِ الأئمةِ، فلم يَرِدْ عنهم أمرٌ بالقياسِ على أقوالِهم
(3)
.
الوجه الثاني: أنَّ ما يقتضيه القياسُ على القرآنِ والسنةِ، يقال له: دينُ الله ودين رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يُقالُ فيه: قول الله ولا قول رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا تصحُّ مثلُ هذه الإضافةِ إلى الأئمةِ، فلا يُقالُ في قياسِ قولِ الشافعي أو مالكٍ: دين الشافعي أو دين مالك
(4)
.
الدليل الثاني: اتفقَ العلماءُ على صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على القياسِ، وجَرَى عملُهم على وفقِ هذا الاتفاق، فمِنْ ذلك: أنَّهم ينقلون عن بعضِ الصحابةِ رضي الله عنهم اختلافَ قولِهم في الجدِّ في بابِ الفرائضِ، ويفرعون على قولِهم في مسائل أخر ما جانسه
(5)
، وإذا ثَبَتَ هذا الاتفاقُ، لم يُعَوَّلْ على ما جاءَ من الاختلاف؛ لتقدّمِ الاتفاقِ عليه.
(1)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 392 - 393).
(2)
الغياثي (ص/ 425 - 426) بتصرف يسير.
(3)
انظر: المعتمد (2/ 867)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 368).
(4)
انظر: التبصرة (ص/ 517)، وشرح اللمع (2/ 1084).
(5)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 393 - 396)، وأصول الفقه للخضري (ص/ 472).
مناقشة الدليل الثاني: إنَّ دعوى الاتفاقِ غيرُ مسلَّمةٍ، وخلافُ العلماءِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمام بناءً على القياسِ قادحٌ في صحتها
(1)
.
الدليل الثالث: أنَّه لا خلافَ في صحةِ قياسِ الدارِ على الدكانِ، فيما إذا أثبتَ الإمامُ الشفعةَ لجارِ الدكانِ، وإذا صحَّ القياسُ دونَ خلافٍ في هذه الصورةِ، فليصحَّ فيما عداها
(2)
.
مناقشة الدليل الثالث: هناك فرقٌ بين الصورةِ التي هي محلُّ اتفاقٍ، وغيرِها مِن الصورِ؛ لأنَّ الفرعَ المسكوتَ عنه في الصورةِ الأُولى في معنى المنصوصِ عليه؛ فلا فرقَ بين ما نصَّ الإمامُ على حكمِه، وما سَكَتَ عنه، بخلافِ ما نحن فيه؛ إذ ليس ما سَكَتَ عنه الإمامُ في معنى ما نصَّ عليه
(3)
.
الدليل الرابع: يترتبُ على تركِ القياسِ على قولِ الإمامِ خلوُّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ الشرعيةِ، وهذه مفسدةٌ، ودفعُها بالأخذِ بالقياسِ على أقوالِ الإمامِ
(4)
.
ويمكن مناقشةُ الدليلِ الرابعِ: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ تركَ القياسِ على أقوالِ الإمامِ يؤدي إلى خلوِّ كثيرٍ مِن الحوادثِ عن الأحكامِ؛ لأنَّ كلَّ عصرٍ لا يخلو عن قائمٍ لله بالحجةِ، يُبَيّن حكمَ الله تعالى في الحوادثِ.
واستدلَّ مَنْ جوَّزَ - مِنْ أصحابِ القولِ الأولِ - القياسَ على قولِ الإمامِ، بشرطِ نسبتِه إليه مقيدًا، بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ في نسبةِ القولِ إلى الإمامِ مقيَّدًا تفريقًا بين قولِه المنصوصِ، وقولِه المخرَّجِ؛ لئلا يحصلَ اللبْسُ
(5)
.
(1)
انظر: تحرير المقال للدكتور عاض السلمي (ص/ 57).
(2)
انظر: التبصرة (ص/ 517)، وشرح اللمع (2/ 1084).
(3)
انظر: المصدرين السابقين.
(4)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 393).
(5)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (35/ 289)، وسلم الوصول لمحمد المطيعي (4/ 443).
الدليل الثاني: ليس قولُ الإمامِ المنصوصِ، وقولُه المقيس عليه في منزلةٍ واحدةٍ، فاحتيجَ إلى التفريقِ بينهما بالتقييدِ في نسبةِ القولِ المقيس
(1)
.
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: قالَ الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}
(2)
.
وجه الدلالة: أنّ نسبةَ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ القياسِ، مِنْ قبيلِ القولِ بلا علمٍ، وقد نهتْ عنه الآيةُ الكريمةُ
(3)
.
مناقشة وجه الدلالة: لا نُسَلِّمُ شمولَ النهي في الآيةِ لحالةِ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ، أو أومَأَ إليها؛ لأنَّ النصَّ على العلةِ يجعلها كاللفظِ العامِّ.
الدليل الثاني: أنَّ مذهبَ الإمامِ هو ما نصَّ عليه، أو دلَّ عليه بما يجري مجرى نصِّه، وليس القياسُ على قولِه بنصٍّ، ولا يجري مجراه، فمَنْ نَسَبَ إلى إمامِ المذهب شيئًا بناءً على القياسِ، كان كمَنْ نَسَبَ إلى ساكتٍ قولًا
(4)
.
مناقشة الدليل الثاني، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ السكوتَ على ضربين:
الضرب الأول: سكوت في أصلِ الأشياءِ، كمَنْ لا جوابَ له، ولا فتوى عنه.
الضرب الثاني: سكوتٌ عن نطقٍ.
(1)
انظر: المصدرين السابقين.
(2)
من الآية (36) من سورة الإسراء.
(3)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 391)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 257)، ونظرية التخريج للدكتور نوار بن الشلي (ص/ 191).
(4)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 391)، والتبصرة (ص/ 517)، وشرح اللمع (2/ 1084).
فالضربُ الأولُ: لا يُنسبُ إليه قولٌ بحالٍ مِن الأحوالِ.
والضربُ الثاني: مُسْتَحقٌّ أنْ يُنسبَ إليه ما في معناه، ممَّا وافقه في علتِه
(1)
.
الوجه الثاني: أنَّ ما نصَّ إمامُ المذهبِ على علتِه ليس مِنْ قبيلِ المسكوتِ عنه؛ بلْ هو جارٍ مجرى النصِّ؛ لقوتِه
(2)
.
الدليل الثالث: أنَّ أقوالَ الأئمةِ عبارةٌ عمَّا يعتقدونها ويتديّنون بها، ولا يصحُّ لنا القطعُ بأنَّ الأئمةَ متدينون بحُكمِ الفرعِ المقيسِ على أقوالِهم
(3)
.
ويمكن مناقشة الدليل الثالث: بأنَّ ما قالوه صادقٌ على حالِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ، أمَّا إذا نصَّ عليها، فإنَّنا نظنُّ أنَّه يتدينُ بما ثبتْ على قولِه قياسًا.
الدليل الرابع: لو قلنا بصحةِ نسبةِ القولِ إلى إمامِ المذهبِ بناءً على القياسِ؛ لأدَّى بنا إلى أنْ ننسبَ قولَ الإمامِ أبي حنيفةَ مثلًا إلى الإمامِ أحمدَ، وهذا لا يصحُّ
(4)
.
مناقشة الدليل الرابع: لا يُوجدُ مانعٌ مِنْ جعلِ قولِ الإمامِ موافقًا لقولِ غيرِه مِن الأئمةِ، متى ما صحَّ القياسُ على قولِه
(5)
.
أدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ:
يتألف قولهم مِنْ شقين:
الشق الأول: جوازُ القياسِ على قولِ الإمامِ، إذا نصَّ على العلةِ أو أومأَ إليها، سواءٌ قلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا، وأدلته:
(1)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 399).
(2)
انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 57 - 58)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 261 - 262).
(3)
انظر: تهذيب الأجوبة (1/ 399).
(4)
انظر: المصدر السابق (1/ 391).
(5)
انظر: المصدر السابق (1/ 400).
الدليل الأول: إذا نصَّ الإمامُ على حكمٍ، وبيّن علتَه، ثم وُجِدَتْ مسائلُ تُوجدُ فيها تلك العلةِ، فقولُه فيها كقولِه في المنصوصِ؛ لأنَّ الحكمَ يتبعُ العلةَ، فيُوجدُ حيثُ وُجِدَتْ
(1)
.
الدليل الثاني: إذا بين الإمامُ علةَ الحكمِ، كان كلامُه حينئذٍ كاللفظِ العائم، يؤيدُ ذلك: أنَّ ما نصَّ الشارعُ على علتِه، يجوزُ نسخُه والنسخُ به؛ إذ حكمُه في هذه الحالةِ أنَّه كاللفظِ العامِّ، ولو لم تُذكَرْ علتُه لمَا نسَخَ، ولمَا نُسِخَ به
(2)
.
الدليل الثالث: إنْ قلنا بتخصيصِ العلةِ؛ فيصخُ القياسُ على قولِ الإمامِ؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، فلا تُخَصصُ إلا بدليلٍ، فإذا لم يُوْجَدْ في كلامِ الإمام مُخَصِّصٌ، فإن العلةَ باقيةٌ على عمومِها
(3)
.
الشق الثاني: عدمُ جوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ إذا لم ينصَّ على العلة، ولم يومئ إليها، وأدلته:
الدليل الأول: لا يصحُّ إلحاقُ الفرعِ المسكوتِ عنه بما نصَّ الإمامُ على حكمِه، إذا لم تكن العلةُ منصوصةً ومومأً إليها؛ لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ القياسَ في هذه الحالةِ بغيرِ جامعٍ؛ والقياسُ دونَ جامعٍ، لا يصحُّ.
الأمر الثاني: يجوزُ أنْ يظهرَ فارقٌ مؤثرٌ في الحُكمِ، فيما لو عُرِضَ الفرعُ على الإمامِ؛ ولهذا الاحتمالِ لا يصحُّ القياسُ
(4)
.
الدليل الثاني: ما تقدّمَ مِنْ أدلةٍ لأصحابِ القولِ الثاني، فإنَّها صالحةٌ
(1)
انظر: روضة الناظر (3/ 1012)، وشرح مختصر الروضة (3/ 638).
(2)
انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 367)، وروضة الناظر (3/ 1012).
(3)
انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 367)، والمسودة (2/ 938).
(4)
انظر: المعتمد (2/ 866)، وقواطع الأدلة (5/ 90)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 367)، وروضة الناظر (3/ 1012)، وشرح مختصر الروضة (3/ 639 - 640).
لأنْ يَسْتَدِلَ بها أصحابُ القولِ الثالثِ في حالةِ عدمِ نصِّ الإمامِ على العلةِ.
دليل أصحاب القول الرابع: إنْ كان الإمامُ يجوّزُ تخصيصَ العلةِ، فلا يصحُّ قياسُ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ ما سَكَتَ عنه مخصَّصًا بحُكمِ يخالفُ ما نصَّ عليه.
وإنْ كانَ لا يجوِّزُ تخصيصَ العلةِ، فيصحُّ القياسُ؛ لاطرادِ العلةِ عنده في هذه الحالةِ، وينتفي احتمالُ اختصاصِ ما سَكَتَ عنه بحُكمٍ آخر
(1)
.
مناقشة دليل أصحاب القول الرابع: إذا نصَّ الإمامُ على العلةِ، فإنَّ المحذورَ - وهو اختصاصُ المسكوتِ بحُكمٍ يخالفُ المنصوصَ - ينتفي؛ لأنَّ العلةَ المنصوصةَ كاللفظِ العامِّ، لا تُخَصّصُ إلا بدليلٍ، سواءٌ أقلنا بتخصيصِ العلةِ أم لا
(2)
.
* الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ، وأدلتِها، وما ورد عليها من مناقشات، يظهرُ لي الآتي:
أولًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا نصَّ على علةِ الحكمِ، وصحةُ نسبةِ القولِ إليه حينئذٍ.
ثانيًا: صحةُ القياسِ على قولِ إمامِ المذهبِ، إذا لم ينصَّ على علةِ الحُكمِ، ولم يُومِئ إليها، لكنْ يُنسبُ القولُ إليه مقيدًا، كقولنا مثلًا: قياس قولِه كذا، مع ذكرِ الأصلِ المقيسِ عليه.
وقد رجحتُ ما سَبَقَ للآتي:
أولًا: أنَّ للنصِّ على علةِ الحكمِ مِن القوةِ، ما يجعلها كاللفظِ العامِّ،
(1)
انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 367)، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/54).
(2)
انظر: المصدرين السابقين.
يؤيد هذا: إذا نصَّ الشارعَ على علةِ الحكمِ، فإنَّه يُعامل معاملة اللفظِ العامِّ، فينسخُ ويُنسخ به، بخلافِ الحُكمِ الذي لم ينصَّ على علتِه
(1)
.
ثانيًا: أنَّ نصَّ إمامِ المذهب على العلةِ قرينةٌ قويةٌ دالةٌ على أنَّ قولَ الإمامِ هو ما تحققتْ فيه تلك العلَةُ.
ثالثًا: ضعفُ أدلةِ الأقوالِ الأخرى؛ بما وَرَدَ عليها مِنْ مناقشاتٍ.
أمَّا في حالةِ ما إذا لم ينصَّ إمامُ المذهب على العلةِ، فالقولُ بصحةِ القياسِ مطلقًا، قولٌ لا يخلو مِنْ نوعِ مجازفةٍ؛ لكنْ لتتابعِ أربابِ المذاهبِ على القياسِ على قولِ إمامِهم، كان القولُ بصحة القياسِ حينئذٍ متجهًا؛ بشرطين:
الشرط الأول: تقييدُ القولِ المنسوب إلى إمامِ المذهبِ بقولنا مثلًا: قياسُ قولِه كذا؛ تفريقًا بينه، وبين قولِه المنَصوصِ.
الشرط الثاني: ذكرُ الأصلِ المقيسِ عليه، فيُذكر قول الإمامِ المنصوصُ.
• نوع الخلاف:
الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسألتينِ اللتينِ ذكرتُهما في أثرِ الخلافِ في صحةِ نسبةِ القولِ إلى الإمامِ بناءً على المفهومِ، ويظهرُ أثرُه أيضًا في وصفِ القولِ المخرَّجِ:
فعلى قولِ المجوزين يكون القولُ المخرَّجُ روايةً مخرَّجةً.
وعلى قولِ المانعين يكون القولُ المخرَّجُ وجهًا لمَنْ خرَّجه
(2)
.
ويتصل بالقياس على قول الإمام مسألتان، وهما:
(1)
انظر: شرح اللمع (1/ 490)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (3/ 231)، وروضة الناظر (1/ 332).
(2)
انظر: التحبير (8/ 3969)، وتصحيح الفروع (1/ 43).
المسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأوْلى على قولِ إمام المذهبِ؟
المسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.
المسألة الأولى: هل يصحُّ قياسُ الأَوْلى على قولِ إمامِ المذهبِ؟
إذا نصَّ إمامُ المذهبِ على حكمٍ، وكان المسكوتُ عنه أولى بالحُكمِ مِن المنصوص، فهل يصحُّ القياسُ في هذه الحالةِ؟
مثال ذلك: سُئِلَ ابنُ القاسم هل كان مالكٌ يكرَه للمُحْرِمةِ، وغيرِ المحرمة لبس القَبَاء
(1)
؟ فقال: نعم كان يكرَه لبسَ القَبَاءِ للجواري؛ لأنَّه يصفُ أعجازِهن.
فلما سُئِلَ: هل كان مالكٌ يكرهه للنساءِ الحرائرِ؟ قال: قد أخبرتُك بقولِ مالكٍ في الإماءِ، فإذا كرهه مالكٌ للإماءِ، فهو للحرائرِ أشدّ كراهيةً عند
(2)
.
تأخذُ هذه المسألة حكمَ المسألة السابقة، وهي:(نسبةُ القولِ إلى إمامِ المذهبِ عنْ طريقِ مفهومِ الموافقةِ)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها فيما سَبَقَ.
المسألة الثانية: النقلُ والتخريجُ.
على القولِ بجوازِ القياسِ على قولِ الإمامِ - إمّا مطلقًا وإمّا بشرطٍ
(3)
- إذا نصَّ الإمامُ على حُكمِ مسألةٍ، ونصَّ مسألةٍ أخرى تشبه الأُوْلى على حُكمٍ مخالفٍ للحُكمِ الأول، فهل ينقلُ جوابُ الإمامِ مِن المسألةِ الأُولى إلى المسألةِ الثانية، ومِن المسألةِ الثانيةِ إلى المسألةِ الأُولى؛
(1)
القَبَاء: ثوبٌ ضيق الكمين والوسط، مشقوق من الخلف، يلبسه الرجال فوق الثياب، ويلبس عادة في السفر والحرب؛ لأنه أعون على الحركة. انظر: فتح الباري لابن حجر (10/ 269)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 49)، والمعجم الوسيط، مادة:(قبا)(2/ 713).
(2)
انظر: المدونة (1/ 222).
(3)
انظر: تصحيح الفروع للمرداوي (1/ 43).
ليكون له في كلتا المسألتين قولانِ: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ؟
(1)
.
ويحسنُ قبلَ عرضِ المسألةِ ذكرُ بعضِ الأمثلةِ للنقلِ والتخريجِ:
المثال الأول: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على أنَّ المتيممَ إِذا وَجَدَ الماءَ أَثْنَاءَ صلاتِه، فإِنَّه يبني عليها، وأنَّ المستحاضةَ إِذا انقطع دمُها أَثْنَاءَ الصلاةِ، لم يجزْ لها البناءُ.
اتجه بعضُ الشافعيةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فأصبحَ للإِمامِ الشَّافعي في كلِّ مسألةٍ قولان: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ
(2)
.
فالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (التيممِ): هو البناءُ، والقولُ الثاني: عدمُ البناءِ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
والقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (المستحاضةِ): عدمُ البناءِ، والقولُ الثاني: البناءُ في الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
في حين فرّقَ بعضُ الشافعيةِ بين المسألتينِ، يقولُ أبو محمدٍ الجويني
(3)
: "والفرقُ بينهما: أنَّ الحدثَ الَّذي تيممُّ له المتيممُ، ما زادَ، وما تجدّدَ، ولكنَّه مستدامٌ على صفتِه الأُولى؛ أمَّا المستحاضةُ فقد تجددَ عليها
(1)
انظر: المعتمد (2/ 863)، والتبصرة (ص / 516)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 368)، وفرائد الفوائد للسلمي (ص/ 105).
(2)
انظر: الجمع والفرق للجويني (1/ 174)، والمجموع شرح المهذب للنووي (2/ 311، 539).
(3)
هو: عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني الطائي، أبو محمد، كان شيخ الشافعية في وقته، فقيهًا مدققا، إِمامًا في التفسير والأصول والنحو والعربية والأدب، زاهدًا فاضلًا، متحليًا بالخصال الحميدة، مجتهدًا في العبادة، صاحب جد ووقار وسكينة، تصدر للإِفتاء والإِفادة، من مؤلفاته: الجمع الفرق، وشرح الرسالة، والتذكرة، والمحيط، توفي سنة 438 هـ. انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (ص/ 257)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (3/ 47)، وسير أعلام النُّبَلاء (17/ 617)، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (5/ 73)، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص/ 48).
بعد الوضوءِ حدثٌ حادثٌ - وهو الدم الَّذي سال منها - وهي لم تتطهرْ للحدثِ الحادثِ؛ لأنَّ الطهارةَ لا تسبقُ الحدثَ، وإِنَّما تطهّرتْ للحدثِ السابق، والحدثُ المقارِنُ بحالِه وهو الحدثُ اللاحق، فإِذا استيقنتْ في حال الصلاةِ الشفاءَ مِنْ تلك العلةِ، والتمكن مِن الطهارةِ، لزمها الاستئنافُ"
(1)
.
المثال الثاني: نصَّ الإِمامُ أحمدُ بنُ حنبل على إِعادةِ صلاةِ مَنْ صلَّى في ثوبٍ نجسٍ؛ لعدمِ وجودِ غيرِه، ونصَّ على عدمِ إِعادةِ صلاةِ مَن صلَّى في موضعٍ نجسٍ، لا يمكنه الخروج منه
(2)
.
جَعَلَ بعضُ الحنابلةِ للإِمامِ أحمدَ قولين في كلتا المسألتين: قولًا بالنصِّ، والقول الآخر بالنقلِ والتخريجِ
(3)
.
فالقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الثوبِ النجسِ) الإِعادةُ، والقولُ الثاني: عدمُ إِعادةِ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
والقولُ الأولُ المنصوصُ في مسألةِ: (الصلاةِ في الموضعِ النجسِ) عدمُ الإِعادةِ، والقول الثاني: إِعادةُ الصلاةِ؛ بالنقلِ والتخريجِ.
في حين فرَّقَ بعضُ علماءِ الحنابلةِ بين المسألتين؛ مِنْ جهةِ أنَّ المصلي لا يقدرُ على مفارقةِ المكانِ والخروجِ منه، بخلافِ الثوبِ، فبإِمكانِه تركُه، والصلاةُ عُريانًا
(4)
.
المثال الثالث: سُئل الإِمام أحمد بن حنبل عن الرجلِ يموت، وتُوْجَدُ له وصيةٌ تحتَ رأسِه، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ أشهدَ عليها، هل يجوزُ إِنفاذ ما فيها؟ قالَ:"إِنْ كان عَرَفَ خطَّه، وكان مشهورَ الخطِّ: فإِنَّه ينفذ ما فيها"
(5)
.
(1)
الجمع والفرق (1/ 175) بتصرف يسير.
(2)
انظر: الإِنصاف (1/ 460).
(3)
انظر: المصدر السابق.
(4)
انظر: حاشية ابن قندس على الفروع (2/ 51).
(5)
انظر: المغني لابن قدامة (8/ 470)، ومطالب أولي النهى للرحيباني (4/ 445).
ونصَّ فيمَنْ كَتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، أنَّهم لا يشهدون، إِلَّا أنْ يسمعوها منه، أو تُقْرَأَ عليه، فيُقرُّ بها
(1)
.
ذَهَبَ بعضُ الحنابلةِ إِلى النقلِ والتخريجِ بين المسألتين، فجعلوا للإِمامِ أحمدَ في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والآخر بالنقلِ والتخريجِ
(2)
.
ومِنْ علماءِ الحنابلةِ مَنْ فرَّق بين المسألتين، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ - كما نقله عنه ابنُ القيّمِ -:"الفرقُ: أنَّه إِذا كتَبَ وصيتَه، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيها، فإِنَّهم لا يشهدون؛ لجوازِ أنْ يزيدَ في الوصيةِ وينقصَ ويغيّرَ، وأمَّا إِذا كَتَبَ وصيتَه، ثُمَّ مات، وعُرفَ خطُّه، فإِنَّه يشهدُ به؛ لزوالِ هذا المحذورِ"
(3)
.
المثال الرابع: نصَّ الإِمامُ الشَّافعي على بيعِ مسكنِ المفلسِ وخادمِه، وإِنْ كان محتاجًا إِلى مَنْ يخدمُه؛ لكبرِه، أو لمنصبِه، ونصَّ في الكفارةِ المرتبة على أنَّه يعدلُ إِلى الصيامِ، وإِنْ كان له مسكنٌ وخادمٌ، ولا يلزم صرفُهما إِلى الإِعتاقِ
(4)
.
ذَهَبَ بعضُ علماءِ الشافعيةِ إِلى أنَّ للإِمامِ الشَّافعي في كلتا المسألتين قولين: أحدهما بالنصِّ، والثاني بالنقلِ والتخريجِ
(5)
.
وفرَّق آخرون بين المسألتين من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الكفارةَ لها بدلٌ، بخلافِ الحقِّ الثابتِ على المفلسِ.
(1)
انظر: مسائل الإِمام أحمد رواية أبي داود (ص/ 287).
(2)
انظر: المحرر في الفقه للمجد (1/ 376)، والمغني لابن قدامة (8/ 471).
(3)
الطرق الحكمية (2/ 549).
(4)
انظر: روضة الطالبين للنووي (4/ 145)، و (8/ 145).
(5)
انظر: المصدر السابق، والقواعد للحصني (3/ 386).
الوجه الثاني: أنَّ بيعَ مسكنِ المفلسِ وخادمِه؛ لتعلقِه بحقِّ الآدمي، بخلافِ الكفارةِ
(1)
.
• تحرير محل النزاع في مسألةِ: (النقل والتخريج):
أولًا: ظَهَرَ لي مِن خلالِ النظرِ في مسألةِ: (النقل والتخريج) أنَّه إِذا وجِدَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ، لم يجز القيامُ به، كما لو أفضى النقلُ والتخريجُ بين المسألتين إِلى خرقِ الإِجماع، أو مخالفةِ نصٍّ مِن الكتاب أو السنةِ
(2)
.
ثانيًا: محلُّ الخلافِ إِذا لم يكن ثمةَ مانعٌ مِن النقلِ والتخريجِ.
• الأقوال في المسألة:
قبلَ عرضِ الأقوالِ، أبيّن أنَّ المانعين للقياسِ على قولِ الإِمامِ في المسألة السابقة يمنعون النقلَ والتخريجَ؛ لأنَّ مَنْ مَنَعَ قياسَ ما سَكَتَ عنه الإِمامُ على ما نصّ عليه، فإِنَّه يمنعُ قياسَ ما نصَّ عليه على ما نصَّ عليه، في حكمٍ آخر، مِنْ بابٍ أَولى.
اختلفَ العلماءُ في صحةِ نسبةِ القولِ إِلى الإِمام بناءً على النقلِ والتخريجِ على ثلاثةِ أقوال:
القول الأول: عدمُ جوازِ النقلِ والتخريجِ.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ
(3)
. ونَسَبَه صدرُ الدّينِ السلمي إِلى محققي الشافعيةِ
(4)
. ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ
(5)
. وقال المرداويُّ عنه: "إِنَّه الصحيحُ مِن المذهبِ"
(6)
.
(1)
انظر: القواعد للحصني (3/ 386).
(2)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 89)، وتصحيح الفروع للمرداوي (1/ 43).
(3)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88).
(4)
انظر: فرائد الفوائد (ص/ 105).
(5)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 870).
(6)
الإِنصاف (12/ 245).
ونَسَبَه صدرُ الدِّينِ السلمي إِلى القاضي أبي بكرٍ الباقلاني
(1)
.
واختاره جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ حامدٍ
(2)
، وأبو الحسين
البصري
(3)
، وأبو إِسحاقَ الشيرازي
(4)
، وأبو الخطابِ
(5)
، والموفقُ بنُ قدامة
(6)
، وتقيُّ الدين بنُ تيمية
(7)
.
القول الثاني: جوازُ النقلِ والتخريجِ.
وهذا القولُ وجهٌ عند الحنابلةِ
(8)
. ونسَبَه أبو إِسحاقَ الشيرازي إِلى بعضِ الشافعيةِ
(9)
. ونسبه ابنُ حامدٍ إِلى بعضِ الحنابلةِ
(10)
، ونسبه المرداويُّ إِلى كثيرٍ مِن متقدمي الحنابلةِ ومتأخريهم
(11)
.
واختاره جمعٌ مِنْ أهلِ العلم، منهم: ابنُ الحاجبِ
(12)
، وابنُ سريجٍ
(13)
،
(1)
انظر: فرائد الفوائد (ص / 105).
(2)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 872).
(3)
انظر: المعتمد (2/ 863).
(4)
انظر: التبصرة (ص/ 516)، وشرح اللمع (2/ 1083). وقد ذكرت قول أبي إِسحاق الشيرازي وإِن كان من مانعي القياس على قول الإِمام؛ لأنَّه نصَّ على حكم المسألة بعينها.
(5)
انظر: التمهيد في أصول الفقه (4/ 368).
(6)
انظر: روضة الناظر (3/ 1012).
(7)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام (25/ 58).
(8)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88)، والفروع لابن مفلح (1/ 42).
(9)
انظر: التبصرة (ص/ 516).
(10)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 870)، والمسودة (2/ 940).
(11)
انظر: الإِنصاف (1/ 461).
(12)
انظر: كشف النقاب الحاجب لابن فرحون (ص/ 105).
(13)
انظر: الجمع والفرق للجويني (1/ 174). وابن سريج هو: أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العبَّاس، لُقب بالباز الأشهب؛ لقوة حجته، ولد ببغداد سنة 249 هـ أحد فقهاء المذهب الشَّافعي، ومن البارعين فيه، والناصرين له، انتهت إِليه رئاسة مذهبه، كان زاهدًا ورعًا، قال عنه أبو إِسحاق الشيرازي:"كان يفضل على جميع أصحاب الإِمام الشَّافعي حتى المزني"، وولي القضاء بشيراز، ويُعَدُّ من المكثرين من التأليف، ويقال: إِنها بلغت أربعمائة مصنف، يقول تاج الدين بن السبكي:"ولم نقف إِلَّا على القليل منها"، وقد قام ابن سريج بنشر المذهب الشَّافعي في الآفاق، من مؤلفاته: الرد على ابن داود في إِبطال القياس، والرد على داود في مسائل اعترض بها الشَّافعي، والخصال، والودائع لمنصوص الشرائع، توفي =
والطوفي
(1)
- ونصَّ على اشتراطِ البحثِ عن الفرقِ والجدِّ في طلبِه - والمرداويُّ
(2)
، وتبعَ الشيخُ عبد القادرِ بنُ بدران الطوفيَّ في اختيارِه
(3)
.
القول الثالث: التفصيل في المسألة، فلا يخلو الأمرُ من حالتين:
الحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإمامِ في المسألتين.
الحالة الثانية: أنْ يجهلَ التاريخَ.
الحالة الأولى: أنْ يعلمَ تاريخَ قولِ الإِمام في المسألتين.
إِنْ علمَ تاريخَ قولِ الإِمامِ في المسألتين، فلا يخلو: إِمَّا أنْ يقربَ الزمنُ بين قولي الإِمام، أو أنْ يبعدَ:
- فإِنْ قربَ الزمنُ بين قوليه، لم يجز النقلُ والتخريجُ.
- وإِنْ بَعُدَ الزمنُ بين قولي الإِمامِ: نُقِلَ حكمِ الثانيةِ إِلى الأُولى في الأقيس، ولا يُنقل حكمِ الأُولى إِلى الثانيةِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له، مع معرفةِ التاريخِ.
الحالة الثانية: أن يجهلَ التاريخ.
إِنْ جهل تاريخ قولي الإِمام في المسألتين: جازَ نقلُ حكمِ أقرب المسألتين مِن الكتاب أو السنةِ أو الإِجماعِ أو الأثرِ أو قواعد الإِمامِ وأصولَه في الأقيسِ، دون العَكسِ، إِلَّا أنْ نجعلَ أولَ قوليه في مسألةٍ واحدةٍ مذهبًا له مع معرفةِ التاريخِ، فتنقل حكم المرجوحةِ إِلى الراجحةِ.
= ببغداد سنة 306 هـ. انظر ترجمته في: تاريخ مدينة السَّلام للخطيب (5/ 471)، وطبقات الفقهاء للشيرازي (ص/ 105)، ووفيات الأعيان لابن خلكان (1/ 66)، وسير أعلام النُّبَلاء (14/ 201)، وطبقات المعتزلة للمرتضى (ص/ 129)، وطبقاث الشافعية الكبرى لابن السبكي (3/ 21)، وطبقات الشافعية للإِسنوي (2/ 25).
(1)
انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 641).
(2)
انظر: تصحيح الفروع (1/ 42). وأنبه إِلى أن المرداوي ذكر في بعض المواضع تصحيح القول الأول، ومراده الصحيح في المذهب؛ بدليل: أنَّه في موضع واحد صحح القول الأول، وصوّب القول الثاني.
(3)
انظر: المدخل إِلى مذهب الإِمام أحمد (ص/ 382).
وذَهَبَ إِلى هذا التفصيلِ ابنُ حمدان
(1)
.
وقريبٌ مِن اختيارِ ابنِ حمدان ما ذَهَبَ إِليه شمسُ الدّينِ البعلي
(2)
؛ إِذ اختارَ جوازَ النقل والتخريجِ بين المسألتينِ ما لم يفرّقْ بينهما، أو يقرب الزمنُ
(3)
.
* أدلة الأقوال:
أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ مغايرةَ الإِمامِ بين المسألتين في الحُكم، وإِنْ تشابهتا في الظَّاهر، يدلُّ على وجودِ فرقٍ بينهما، لم يتفطنْ له الناظرُ فيهما.
يؤيّدُ ذلك: أنَّ كثيرًا مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثرِ بين المسألتين، وقيل فيهما بالنقلِ والتخريجِ، وُجِدَ بينهما فرقٌ مَنَعَ التسوية بينهما في الحكمِ
(4)
.
الدليل الثاني: أنَّ نقلَ الجواب عن مكانِه بمثابةِ إِحداثِ جوابٍ مبتدأٍ؛ ولمَّا لم يجزْ إِحداثُ جوابٍ مبتدأٍ، لم يجزْ نقلُ جوابِه إِلى مسألةٍ له فيها
(1)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88 - 89).
(2)
هو: محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل بن مركان البعلي، شمس الدين أبو عبد الله، ولد ببَعْلَبَك سنة 645 هـ ونشأ بها، كان إِمامًا ففيهًا محدثًا نحويًا لغويًا، متعبدًا صالحًا متواضعًا، على طريقة السلف، حسن الشمائل، حنبلي المذهب، وكانت له عناية بالمعاني والرجال، وقد قرأ العربية واللغة على ابن مالك، ولازمه، وصنف كتبًا كثيرة، منها: المطلع على أبواب المقنع، وشرح الجرجانية، وشرح ألفية ابن مالك، ومختصر روضة الناظر، توفي بالقاهرة سنة 759 هـ. انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 1501)، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب (4/ 372)، والدرر الكامنة لابن حجر (4/ 140)، والمقصد الأرشد لابن مفلح (2/ 485)، وبغية الوعاة للسيوطي (1/ 207)، والمنهج الأحمد للعليمي (4/ 379)، والدر المنضد له (2/ 457)، وشذرات الذهب لابن العماد (8/ 38).
(3)
انظر: المطلع على أبواب المقنع (ص/ 461).
(4)
انظر: المعتمد (2/ 863).
قولٌ يخالفُ القولَ المنقولَ
(1)
.
الدليل الثالث: إِذا لم نجعلْ قولَ الإِمامِ فيما نصَّ على حكمِه قولَه فيما سَكَتَ عنه، فمِنْ بابٍ أولى أنْ لا نجعله قولَه فيما نصَّ على خلافِه
(2)
.
الدليل الرابع: أنَّ مذهبَ الإِمامِ هو: ما قاله، أو دلَّ عليه بما جَرَى مجرى القولِ، فإِذا لم يقلْه، ولم يدلَّ عليه، بلْ نصَّ على خلافِه، لم تجزْ نسبتُه إِليه
(3)
.
الدليل الخامس: إِذا نصَّ الشارعُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، لم يجزْ نقل إِحداهما إِلى الأخرى، فكذا الأمرُ في أقوالِ الأئمةِ، لا يجوزُ نقلُ حكمِ إِحدى المسألتين إِلى الأخرى
(4)
.
الدليل السادس: إِذا نصَّ الإِمامُ على التفريقِ بين المسألتين، لم يجزْ قياسُ إِحداهما على الأخرى، فكذلك إِذا فرَّق بينهما في الحكمِ
(5)
.
أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: أنَّ المسألتين اللتين اختلف جوابُ الإِمامِ فيهما، مِنْ جنسٍ واحدٍ؛ فمعناهما متحدٌ أو متقاربٌ، وهذا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمام في إِحداهما جوابًا له في الأخرى، ولذا قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما
(6)
.
(1)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 874).
(2)
انظر: روضة الناظر (3/ 1013)، ويستدل بهذا الدليل من لم يجوّز قياس ما سكت عنه على ما نص عليه.
(3)
انظر: التبصرة (ص/ 516)، وشرح اللمع (2/ 1583)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 368)، وروضة الناظر (3/ 1013).
(4)
انظر: أصول الفقه لابن مفلح (4/ 1509)، والتحبير (8/ 3967).
(5)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88)، والتحبير (8/ 3968).
(6)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 873)، وصفة الفتوى (ص/ 88).
مناقشة الدليل الأول: إِنَّ تشابه المسألتينِ وتقاربَ معناهما، وكونَهما مِنْ جنسٍ واحدِ، لا يُوْجِبُ أنْ يكونَ جوابُ الإِمامِ في إِحداهما جوابًا له في الأخرى؛ إِذ ليس كلُّ ما ثَبَتَ في مسألةٍ مِنْ مسائلِ الصلاةِ - وهي جنسٌ واحدٌ - ينقل إِلى بقيةِ مسائلِها، فلا يصحُّ نقلُ جواب الإِمامِ فيمَنْ صلَّى قاعدًا مريضًا إِلى مسألة: مَنْ صلى قاعدًا قادرًا صحيحًا، بالاتفاقِ
(1)
.
الدليل الثاني: إِذا اختلفَ جوابُ الإِمامِ في مسألتين متشابهتين، قلنا بالنقلِ والتخريجِ بينهما، قياسًا على نصوصِ الشارعِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ الله تعالى لما نصَّ في كفارةِ القتلِ على إِيمانِ الرقبةِ المعتَقةِ، وأطلقها في كفارةِ الظهارِ، قسنا إِحداهما على الأخرى، وشَرَطْنَا الإِيمانَ في كفارةِ عتقِ الرقبةِ في الظهارِ، فكذلك في مسألتِنا، نقيسُ كلًّا من المسألتين على الأخرى
(2)
.
مناقشة الدليل الثاني: قياسُ مسألةِ: (النقلِ والتخريجِ) على ما أوردتموه في دليلِكم، قياسٌ مع الفارقِ، وببان ذلك: أنَّ الله تعالى صرَّحَ بالإِيمانِ في كفارةِ القتلِ، وسَكَتَ عنه في كفارةِ الظهارِ، فقسنا ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه.
وفي مسألتِنا: صرَّحَ الإِمامُ في كلتا المسألتين بقولٍ يخالفُ قولَه في المسألةِ الأخرى، فلا يجوزُ حمل إِحداهما على الأخرى، فنظيرُ مسألتِنا: الصيامُ في كفارةِ الظهارِ، وكفارةِ التمتعِ، فاعَتَبر الشارعُ تتابع الصيامِ في كفارةِ الظهارِ في قولِه تعالى:{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}
(3)
، واعتبرَ التفريقَ في صيام كفارةِ التمتع في قولِه تعالى:{فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ}
(4)
، ولم يجزْ نقلُ حكمِ كلٍّ منهما إِلى الأخرى
(5)
.
(1)
انظر: تهذيب الأجوبة (2/ 875 - 876).
(2)
انظر: التبصرة (ص/ 516)، وشرح اللمع (2/ 1083)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 369).
(3)
من الآية (4) من سورة المجادلة.
(4)
من الآية (196) من سورة البقرة.
(5)
انظر: التبصرة (ص/ 516)، وشرح اللمع (2/ 1083)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 369).
الدليل الثالث: لو قال إِمامُ المذهبِ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، لوجبتْ لجارِ الدكانِ؛ لأنَّه لا فرقَ بينهما، وحقيقةُ الأمر، نقلُ حكمِ مسألةٍ إِلى نظيرتِها، وكذلك فيما إِذا نصَّ الإِمامُ على حكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين، فننقل حكمَ كلِّ واحدةٍ منهما إِلى الأخرى
(1)
.
مناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين:
الوجه الأول: ليس قولُ الإِمام: الشفعةُ لجارِ الدارِ، نظيرًا لمسألتنا؛ لأنَّ حكمَ الدكانِ مسكوتٌ عنه، ونظيرُ مسألتنا أنْ يقولَ الإِمامُ: الشفعةُ لجارِ الدارِ، ويقولَ في موطنٍ آخر: لا شفعةَ لجارِ الدكانِ.
وفي هذا المقام لا يُنقلُ قولُ الإِمامِ في كلِّ مسألةٍ إِلى الأخرى
(2)
.
الوجه الثاني: أنَّنا ألحقنا جارَ الدكانِ بجارِ الدارِ؛ لأنَّهما بمعنى واحد، ويسوغُ النقلُ والتخريجُ فيما كان هذا شأنُه مِن المسائل؛ لأنَّه لا يمكنُ الفصلُ بينها
(3)
.
دليل أصحاب القول الثالث: أنَّنا نمنعُ النقلَ والتخريجَ بين المسألتينِ المتشابهتينِ اللتينِ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيهما في حالةِ قرب الزمنِ بينهما؛ لأنَّ الظنَّ بالإِمام أنَّه ذاكرٌ لقولِه الأولِ حين أفتى في المسَألةِ الثانيةِ، وأنَّه لم يفرِّقْ بين المسَألتين في الحكمِ إِلَّا لفرقٍ مؤثرٍ بينهما
(4)
.
وأمَّا في حالةِ البُعدِ الزمني بين قولي الإِمامِ في المسألتينِ: فمِن المحتملِ استواء المسألتينِ عنده، ولذا ننقل حكمَ المسألةِ الثانيةِ إِلى المسألةِ الأُولى، دون العكسِ، إِلَّا على القولِ بجوازِ نسبةِ قولين إِلى الإِمامِ في مسألةِ واحدةٍ، مع معرفةِ التاريخِ
(5)
.
(1)
انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (4/ 370).
(2)
انظر: المصدر السابق.
(3)
انظر: شرح اللمع (2/ 1083).
(4)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 88 - 89).
(5)
انظر: المصدر السابق، وتحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 66)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 277).
مناقشة دليل أصحاب القول الثالث: أنَّ مؤدى هذا القولِ هو المنعُ مِن النقلِ والتخريجِ في حالةِ معرفةِ التاريخِ، والقرب الزمني بين الجوابين، وجوازُ نقلِ حكم الثانيةِ إِلى الأُولى في حالةِ البُعدِ الزمني بين الجوابين؛ ويُشكلُ عليه: أنَّ حقيقةَ النقلِ في هذه الحالةِ إِلغاءُ قولِ الإِمامِ المنصوصِ عليه في جوابِه الأولِ، بالقياسِ على جوابِه في المسألةِ الثانيةِ، ولا يجوزُ إِلغاءُ النصِّ بالقياسِ
(1)
.
• الموازنة والترجيح:
مِنْ خلالِ النظرِ والتأمّلِ في الأقوالِ وأدلتِها، وما وَرَدَ على بعضِها مِن مناقشات، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ المانع مِنْ نسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ، وذلك للأسبابِ الآتية:
الأول: أنَّ اختلافَ جواب الإِمامِ بين المسألتين، قرينةٌ دالةٌ على وجودِ فرقٍ مؤثرٍ بينهما، مَنَعَ التسَويةَ بينهما في الحكمِ.
الثاني: لو دققنا النظرَ في كثيرٍ مِن المسائلِ الَّتي ادُّعِيَ فيها انتفاءُ الفارقِ المؤثّرِ بين المسألتين، وقيلَ بالنقلِ والتخريجِ بينهما، لوجدنا أنَّ التفريقَ بين المسألتين في الحكمِ أنسبُ مِن التسويةِ بينهما.
يقولُ صدرُ الدّينِ السلمي: "تجدُ في عامّة هذه المسائل - الَّتي قيل فيها بالنقلِ والتخريجِ - الصحيح فيها تقرير النصين، والفرْق"
(2)
.
الثالث: أنَّ في النقلِ والتخريجِ تقويلًا للإِمامِ بما يخالف نصَّه.
الرابع: ليس لمنْ قالَ بنسبةِ القولِ إِلى الإِمامِ بناءً على النقلِ والتخريجِ دليلٌ ينهضُ به؛ إِذ وَرَدَ على أدلتِهم مناقشاتٌ تُضعفها.
(1)
انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/ 68)، والتخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 279).
(2)
فرائد الفوائد (ص/ 105).
الخامس: فيما يتصل بالقولِ الثالثِ، ممَّا يشكل عليه في حالِ النقلِ والتخريجِ عند الجهلِ بالتاريخِ - إِضافةً إِلى عدمِ الدليلِ الدالِّ على القولِ - أن نقلَ أَقربِ الجوابين إِلى الكتاب أو السنةِ أو قواعد الإِمام وأصولِه، إِلى المسألةِ الأخرى، دون العكس، لَا يصحّ؛ لأنَّ هذه الطريقةَ مخالفة لأسسِ الترجيحِ وقواعِده عند العلماءِ
(1)
.
لكنْ إِنْ كانت المسألتانِ اللتانِ اختلفَ جوابُ الإِمامِ فيهما، بمعنى واحد، بحيث لا يمكن الفصلُ بينهما بوجهٍ:
فإِنْ عُلِمَ التاريخُ كان جوابُ الإِمام الثاني رجوعًا عن الأولِ في الظاهرِ
(2)
، وإِنْ جُهِلَ التاريخ، فيكون حكفَهما حكمَ مسألةٍ واحدةٍ اختلفَ قولُ الإِمامِ فيها
(3)
.
• أثر الخلاف:
الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثره فيما تقدمت الإِشارة إِليه في أثرِ الخلافِ في مسألةِ:(نسبة القول إِلى الإِمامِ بناءً على المفهومِ)، وفي وصفِ القولِ المنقولِ إِلى المسألة الأخرى:
فعلى قولِ المانعين مِن النقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الأول - يكون القولُ المنقولُ وجهًا لمن خرَّجه.
وعلى قولِ المجيزين للنقلِ والتخريجِ - وهم أصحابُ القولِ الثاني - يكون القولُ المنقولُ روايةً مخرجةً
(4)
.
* * *
(1)
انظر: التخريج عند الفقهاء والأصوليين للدكتور يعقوب الباحسين (ص/ 279).
(2)
انظر: تحرير المقال للدكتور عياض السلمي (ص/68).
(3)
انظر: شرح اللمع (2/ 1083).
(4)
انظر: التحبير (8/ 3969)، وتصحيح الفروع للمرداوي (1/ 43).