الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثالثة: العلاقة بين المتمذهب والمخرِّج
يتعينُ قبلَ ذكرِ العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، بيان المراد بهما:
تقدَّمَ لنا في المسألةِ الأُولى أنَّ المتمذهبَ هو: الذي يلتزمُ مذهبًا معينًا في الأصولِ والفروعِ، أو في أحدِهما، أو ينسبُ نفسَه إنْ كانَ مجتهدًا إلى مذهبٍ معيّنٍ.
أمَّا المخرِّجُ فتعريفُه مستفادٌ مِنْ تعريفِ التخريجِ؛ ولذا يمكنُ القولُ إنَّ المخرِّجَ، هو: المتمذهبُ الذي يُبينُ رأيَ إمامِ مذهبِه في مسألةٍ لم يردْ عنه فيها قولٌ، بإلحاقِها بما يشبهها مِن الفروعِ المنصوصةِ عنْ إمامِه، أو بتخريجِها على أصولِه
(1)
.
ويُسمَّى المخرِّجُ بمجتهدِ المذهبِ
(2)
، وبصاحبِ الوجوهِ والطرقِ
(3)
.
يقول ابنُ الصلاحِ: "تخريجُه تارةً يكونُ مِنْ نصٍّ معيَّنٍ لإمامِه في مسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجدُ نصًّا معينًا يخرِّج منه، فيخرِّج على وِفقِ أصولِه، بأن يجدَ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إمامُه، وعلى شرطِه، فيُفتي بموجبِه"
(4)
.
ويقولُ البنانيُّ متحدثًا عن وظيفةِ المخرِّج: "معنى تخريجِ الوجوهِ على النصوصِ: استنباطُها منها، كأنْ يقيسَ ما سَكَتَ عنه على ما نصَّ عليه؛
(1)
انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (12/ 422)، وأدب المفتي والمستفتي (ص/ 94)، وروضة الطالبين للنووي (11/ 101)، والمجموع شرح المهذب له (1/ 43)، والبحر المحيط (6/ 205)، والتحبير (8/ 3881)، وشرح الكوكب المنير (4/ 468)، وأبو حنيفة - حياته وعصره لمحمد أبو زهرة (ص/ 393، 395)، وتخريج الفروع على الأصول لعثمان شوشان (1/ 377 وما بعدها).
(2)
انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/ 236).
(3)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 95)، وصفة الفتوى (ص/ 22)، وسيأتي تعريف الوجوه والطرق في فروع خاصة.
(4)
أدب المفتي والمستفتي (ص/ 97).
لوجودِ معنى ما نصَّ عليه فيما سَكَتَ عنه
…
أو يستخرج حكمَ المسكوتِ عنه مِنْ دخولِه تحتَ عمومٍ ذَكَرَه، أو قاعدةٍ قررها
…
وقد يستنبطُ أصحابُ الوجوهِ مِنْ نصوصِ الشارعِ، لكنْ يتقيدون في استنباطِهم منها بالجري على طريقِ إمامِهم في الاستدلالِ، ومراعاةِ قواعدِه وشروطِه فيه"
(1)
.
أمَّا عن بيان العلاقةِ بين المتمذهبِ والمخرّجِ، فأقول: إنَّ كلًّا مِن المتمذهبِ والمخرّج يشتركانِ في الالتزامِ بمذهبِ إمامٍ معيّنٍ في أصولِه، أو فروعِه.
لكنَّ المخرِّجَ يتصفُ بأمورٍ تجعله أخص، فالمخرِّجُ متمذهبٌ يمارسُ وظيفةً معينةً، وهي: بيانُ رأي إمامِه في الحوادثِ التي لم يَرِدْ عنه قولٌ بشأنِها، فيخرِّج رأيًا لإمامِه، أخذًا ممَّا نصَّ عليه، أو بتخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ مذهبِه.
فالمخرِّجُ داخلٌ تحتَ طبقةٍ مِنْ طبقاتِ المتمذهبين.
ثمَّ إنَّ المخرِّجَ يُوصفُ بالاجتهادِ المقيّدِ - الاجتهاد المذهبي - أمَّا المتمذهب، فلا يُشترطُ فيه بلوغُ رتبةِ الاجتهادِ المذهبي.
يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني: "الذي أحاطَ بقواعد مذهبِ الشافعي مثلًا، وقدربَ في مقاييسه، وتهذبَ في أنحاءِ نظرِه، وسبيلِ تصرفاتِه، يُنزلُ في الإلحاقِ بمنصوصاتِ الشافعي منزلةَ المجتهدِ الذي يتمكنُ بطُرق الظنونِ إلحاقَ غيرِ المنصوصِ عليه في الشرع بما هو منصوصٌ عليه"
(2)
.
وجُملةُ القولِ: إنَّ المخرِّجَ يُمثلُ قمةَ الهرمِ للمتمذهبين، والنسبةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكلُّ مخرِّجٍ متمذهبٌ، دون العكسِ.
يقولُ أحمدُ الوزير: "مسألةُ التخريجِ تولدتْ مِن التمذهبِ، لمَّا استفحل
(1)
حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع (2/ 385 - 386).
(2)
الغياثي (ص/ 425 - 426).