الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُعدُّ المتمذهبُ الركيزةَ المهمّةَ في التمذهب، كما قلتُه آنفًا؛ لأنَّ المجتهدَ إذا لم يُوجد له أتباعٌ على مذهبِه، يقومون بخدمةِ إمامِهم في آرائه وأقوالِه، ويحققون أصولَه، ويخرّجون أحكام النوازل على أصولِه وفروعِه: فلنْ يتحققَ لمذهبِه البقاء.
المسألة الثانية: شروط المتمذهب
هناك شروطٌ لا بُدَّ مِنْ توافرِها في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهبِ، ويمكنُ تقسيمُها إلى قسمين:
القسم الأول: الشروط العامة.
القسم الثاني: الشروط الخاصة.
القسم الأول: الشروط العامة.
هناك شروطٌ للمتمذهبِ يتعيّنُ اتصافه بها، لكنَّها غيرُ مختصةٍ بالتمذهبِ، فقد تُشترطُ في أشخاص في مسائل أخرى، وهي:
الشرط الأول: العقل.
يتعيّنُ أنْ يكونَ المتمذهبُ عاقلًا سليمَ الإدراكِ، فغيرُ العاقلِ لا يُتصورُ منه التمذهبُ، وقد تقدّمَ ذكرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ:(شروط إمام المذهب).
الشرط الثاني: البلوغ.
يُشترطُ في المتمذهبِ أنْ يكونَ بالغًا؛ إذ غيرُ البالغِ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يتهيأ للتمذهب، وقد تقدّم تقريرُ دليلِ هذا الشرطِ في مسألةِ:(شروط إمام المذهب).
= "يطلق مجازًا على مَنْ تمذهب بمذهبٍ من مذاهب الأئمة، فيقال: أصحاب الشافعي، وأصحاب أبي حنيفة". وانظر: المذهب الحنبلي للدكتور عبد الله التركي (1/ 163).
الشرط الثالث: الإسلام.
لا بُدَّ أنْ يكونَ المتمذهبُ مسلمًا، فلا يصحُّ التمذهبُ مِن الكافرِ، وهذا الشرطُ معلومٌ بداهةً، وقد تقدم تقريرُ دليلِه في مسألةِ:(شروط إمام المذهب).
القسم الثاني: الشروط الخاصة.
هناك شروطٌ خاصةٌ بالمتمذهب، وقد حاولتُ رسمَها على الصورةِ السليمةِ؛ إذ ليس المتمذهبون على درجةٍ واحدةٍ، بلْ هم طبقاتٌ - كما سيأتي الحديثُ عنهم - لكنْ يجمعُ هذه الطبقاتِ وصف أربابِها بالتمذهب، فهناك شروطٌ مشتركةٌ لصحةِ الوصفِ بالتمذهب، كما أنَّ هناك شروَطًا لأربابِ كلّ طبقةٍ، ومحلُّ حديثي هنا عن الشروَطِ المشتركةِ التي تُؤهلُ الشخص لوصفِه بالتمذهبِ.
في البدءِ أحبُّ أنْ أنبّه إلى أنَّي لم أقفْ على مَنْ ذَكَرَ شروطَ المتمذهبِ على وجهِ الخصوصِ، ولذا اجتهدتُ في تحديدِها، وتبيّن لي أنَّ للمتمذهبِ شرطينِ، وهما:
الشروط الأول: أنْ يكونَ الشخصُ متهيئًا - أو متأهلًا - للتمذهبِ.
يُشترطُ في الشخصِ لصحةِ وصفِه بالتمذهب التهيؤُ - أو التأهل - للتمذهبِ، سواء أكان تمذهبُه في أصولِ المذهبِ، أَم في فروعِه، أم فيهما، فليس كلُّ أحدٍ يصحُّ التمذهبُ منه.
وعبَّر بعضُ العلماءِ عن التهيؤ بفقهِ النفسِ، كما ذكره: إمامُ الحرمين الجويني
(1)
، وابنُ الصلاحِ
(2)
، ومحيي الدين النوويُّ
(3)
، وابنُ حمدان
(4)
، وتقيُّ الدّينِ بن تيميةَ
(5)
.
(1)
انظر: الغياثي (ص/ 417 وما بعدها).
(2)
انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ 101).
(3)
انظر: المجموع شرح المهذب (1/ 44).
(4)
انظر: صفة الفتوى (ص/ 23).
(5)
انظر: المسودة (2/ 968).
يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "لا يستقلُّ بنقلِ مسائلِ الفقهِ مَنْ يعتمدُ الحفظَ، ولا يرجعُ إلى كيسٍ وفطنةٍ وفقه طبعٍ، فإنَّ تصويرَ مسائلها أولًا، وإيرادَ صورِها على وجوهِها لا يقومُ بها إلا فقيهٌ"
(1)
.
ويقولُ ابنُ الصلاحِ: "إنَّ تصويرَ المسائلِ على وجهِها، ونقلَ أحكامِها بعد استتمامِ تصويرِها - جلياتها وخفياتها - لا يقومُ به إلا فقيهُ النفسِ"
(2)
.
ويكون التهيؤُ - أو فقه النفس - بجودةِ الحفظِ، وشدّةِ الفهمِ
(3)
.
يقولُ ابنُ القيّمِ: "أما مَنْ لم يتأهلْ لذلك - أيْ: لمعرفة المذهب - البتة، بلْ قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك، لم يصرْ كذلك بمجرَّد قولِه، كما لو قال: أنا فقيهٌ أو نحوي أو كاتبٌ، لم يصر كذلك بمجرّدِ قولِه"
(4)
.
فمَنْ لم يكنْ متهيئًا للتمذهبِ، لا يصحُّ منه التمذهبُ، ولو ادَّعاه.
فإنْ كان محلُّ التمذهب في الأصولِ، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ أصولِ المذهبِ: تصورًا وتقريرًا، وإن كان محلُّ التمذهب في الفروع، فلا بُدَّ مِنْ أهليةِ إدراكِ الفروعِ: تصورًا وتقريرًا.
الشرط الثاني: أنْ يعرفَ مذهبَ إمامِه في الأصولِ والفروع، أو في أحدِهما.
لا بُدَّ أنْ يعرفَ المتمذهبُ أصولَ مذهبِ إمامِه، وفروعَه، ومردُّ هذا الشرطِ إلى حقيقةِ التمذهب؛ فحقيقةُ التمذهبِ هي التزامُ مذهب مجتهدٍ معيّنٍ، فإذا لم يعرف المتمذهبُ مذهبَ إمامِه، كيفَ يمكنه التزامه؟ !
(1)
الغياثي (ص/ 417).
(2)
أدب المفتي والمستفتي (ص/ 100).
(3)
انظر: الفروق للقرافي (2/ 198)، وتقريب الوصول لابن جزي (ص/ 427)، ونشر البنود (2/ 323)، ومراقي السعود للمرابط (ص/ 441).
(4)
إعلام الموقعين (6/ 203).
والقدرُ المشترطُ في المعرفةِ هو استحضارُ أكثرِ المذهبِ، مع القدرةِ على مطالعةِ بقيتِه قريبًا.
يقولُ ابنُ الصلاحِ: "ينبغي أن يُكتفى في حفظِ المذهب
…
بأن يكونَ المعظمُ على ذهنِه، ويكون؛ لدربتِه متمكنًا مِن الوقوفِ على الباقي بالمطالعةِ - أو ما يلحق بها - على القُرْبِ"
(1)
.
ومحلُّ الالتزامِ بالمذهبِ أصولُ المذهبِ وفروعُه، ولا يعتبرُ الخروجُ عن المذهبِ في بعضِ المسائلِ منافيًا للتمذهبِ، إذا كان الخروجُ لمسوّغٍ، كما تقدمَت الإشارةُ إليه عند تعريفِ التمذهبِ في الاصطلاحِ.
هذانِ هما شرطا المتمذهبِ اللذانِ لا بُدَّ مِن اجتماعِهما؛ ليتحققَ وصفُ الشخصِ بالتمذهبِ، وأُحبُ أنْ أنبه هنا إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنَّ ما لا يُشترطُ في المجتهدِ لا يشترطُ في المتمذهب، فكما لا يشترطُ في المجتهدِ: الذكورية، والحريةُ، والعدالةُ، فكَذا المتمذهبِ، لا تُشترطُ فيه هذه الأوصافُ.
ويُستثنى شرطٌ واحدٌ، وهو: معرفةُ الفروعِ، فإنَّه لا يشترطُ في المجتهدِ، وهو شرطٌ في المتمذهبِ إنْ كانَ تمذهبُه في الفروعِ.
الأمر الثاني: هناك شروطٌ خاصةٌ ببعضِ المتمذهبين بالنظرِ إلى الطبقةِ التي ينتمي إليها، وسأُوْضِحُ شروطَ كلِّ طبقةٍ حين أذكرُ طبقاتِ المتمذهبين.
الأمر الثالث: أنَّ الشرطين السابقين هما للمتمذهب الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، أمَّا العالم الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، وانتسَبَ إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ، فهو مجتهدٌ حقيقةٌ، وإنْ سُمّيَ متمذهبًا على سبيلِ المسامحةِ.
(1)
أدب المفتي والمستفتي (ص/ 100). وانظر: صفة الفتوى (ص/ 23)، والتحبير (8/ 3884).