الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما الرسائل التى تعمل رياضة للخواطر وتجربة للقرائح، كالمفاخرات بين الفواكه والأزهار، ووصف الرياحين والأنهار والغدران والسّواقى والجداول والبحار والمراكب وأمثال ذلك، فقد تقدّم منها فى الفنّ الأوّل من هذا الكتاب ما وقفت أو تقف عليه، وسنورد منها إن شاء الله تعالى فى الفن الرابع فى النبات ما تجده هناك.
وأما الرسائل الإخوانيّة وما يتجدّده من الأمور ويطرأ من الحوادث وغير ذلك، فسنورد إن شاء الله تعالى منها فى هذا الباب ما انتجبناه من رسائل الكتّاب والبلغاء المشارقة والمغاربة على ما تقف عليه؛ ولنبدأ من ذلك بذكر شىء من كلام الصحابة والصدر الأوّل.
ذكر شىء من الرسائل المنسوبة إلى الصحابة رضى الله عنهم والتابعين وشىء من كلام الصدر الأوّل وبلاغتهم
قدّمنا أنّ الكاتب يحتاج فى صناعته إلى حفظ مخاطبات الصحابة رضى الله عنهم، ومحاوراتهم ومراجعاتهم، فأحببنا أن نورد من ذلك فى هذا الموضع ما ستقف إن شاء الله عليه؛
فمن ذلك الرسالة المنسوبة إلى أبى بكر الصّدّيق إلى علىّ، وما يتّصل بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علىّ رضى الله عنهم
،
وهذه الرسالة قد اعتنى الناس بها وأوردها [فى] المجاميع، ومنهم من أفردها فى جزء، وقطع بأنها من كلامهم رضى الله عنهم، ومنهم من أنكرها ونفاها عنهم، وقال: إنها موضوعة، واختلف القائلون بوضعها، فمنهم من زعم أنّ فضلاء الشّيعة وضعوها، وأرادوا بذلك الاستناد إلى
[أن «1» ] عليّا بن أبى طالب رضى الله عنه إنما بايع أبا بكر الصّدّيق بسبب ما تضمّنته؛ وهذا الاستناد ضعيف، وحجّة واهية، والصحيح أن عليّا بن أبى طالب رضى الله عنه بايع بيعة رضى باطنه فيها كظاهره، والدليل على ذلك أنه وطئ من السّبى الذى سبى فى خلافة أبى بكر، واستولد منه محمد بن الحنفيّة، ولا جواب لهم عن هذا؛ ومنهم من زعم أن فضلاء السنّة وضعوها، والله أعلم؛ وعلى الجملة فهذه الرسالة لم نوردها فى هذا الكتاب إثباتا لها أنها من كلامهم رضى الله عنهم ولا نفيا، وإنما أوردناها لما فيها من البلاغة، واتّساق الكلام، وجودة الألفاظ، وها نحن نوردها على نص ما وقفنا عليه قال أبو حيّان علىّ بن محمد التوحيدىّ البغدادىّ:
سمرنا ليلة عند القاضى أبى حامد بن بشر المرورّوذىّ ببغداد، فتصرّف فى الحديث كلّ متصرّف- وكان غزير «2» الروايه، لطيف الدرايه- فجرى حديث السّقيفة، فركب كلّ مركبا، وقال قولا، وعرّض بشىء، ونزع إلى فنّ؛ فقال:
هل فيكم من يحفظ رسالة لأبى بكر الصّدّيق إلى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنهما وجواب علىّ عنها، ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة: لا والله، فقال:
هى والله من بنات الحقائق، ومخبّآت الصنادق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبى محمد المهلّبىّ فى وزارته، فكتبها عنّى بيده، وقال: لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدلّ على علم وحلم وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدّة غوص؛ فقال له
العبّادانىّ «1» : أيها القاضى، لو أتممت المنّة علينا بروايتها سمعناها «2» ، فنحن أوعى لها عنك من المهلّبىّ، وأوجب ذماما عليك؛ فاندفع وقال: حدّثنا الخزاعىّ بمكّة، عن أبى «3» ميسرة قال: حدّثنا محمد بن فليح «4» عن عيسى بن دأب «5» [نبّأ «6» صالح بن كيسان ويزيد بن رومان، قالا: حدّثنا هشام بن عروة، نبّأ] أبو النفّاح «7» قال: سمعت
مولاى أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبى بكر رضى الله عنه بين المهاجرين والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع الله شرّها، ويسّر خيرها؛ بلغ أبا بكر عن علىّ تلكّؤ وشماس، وتهمّم «1» ونفاس، وتهمّم ونفاس، فكره أن يتمادى الحال فتبدو العوره، وتشتعل الجمره، وتفرّق ذات البين، فدعانى، فحضرته فى خلوة، وكان عنده عمر بن الخطّاب رضى الله عنه وحده، فقال: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعزّ الله بك الإسلام، وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط، والمحلّ المغبوط، ولقد قال فيك فى يوم مشهود:«لكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة» ولم [تزل «2» ] للدّين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى، ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا؛ قد أردتك لأمر له خطر مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف؛ ولئن لم يندمل جرحه بيسارك «3» ورفقك، ولم تجبّ حيّته برقيتك، فقد وقع اليأس، وأعضل البأس؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك، فتأتّ له يا أبا عبيدة، وتلطّف فيه، وانصح لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذه العصابة غير آل جهدا، و [لا] قال حمدا؛ والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصّرك، إن شاء الله؛ امض إلى علىّ واخفض له جناحك، واغضض
عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبى طالب، ومكانه ممّن فقدناه بالأمس صلى الله عليه وسلم مكانه، وقل له: البحر مغرقه، والبرّ مفرقه؛ والجوّ أكلف، والليل أغذف «1» ؛ والسماء جلواء، والأرض صلعاء؛ والصّعود متعذّر، والهبوط متعسّر؛ والحقّ عطوف رءوف، والباطل عنوف «2» عسوف، والعجب قدّاحة «3» الشرّ، والضّغن رائد البوار، والتعريض سجال «4» الفتنة، والقحة ثقوب «5» العداوة، وهذا الشيطان متّكئ على شماله، متحبّل «6» بيمينه، نافخ حضنيه «7» لأهله، ينتظر الشّتات والفرقة، ويدبّ بين الأمّة بالشّحناء والعداوة، عنادا لله عز وجل أوّلا، ولآدم ثانيا، ولنبيّه صلى الله عليه وسلم ودينه ثالثا، يوسوس بالفجور، ويدلى بالغرور، ويمنّى أهل الشرور، يوحى إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم صلّى الله
عليه، وعادّة له منذ أهانه الله تعالى فى سالف الدهر، لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ على الحقّ، وغضّ الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدوّ الله بالأشدّ فالأشدّ، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عز وجل فى ابتغاء رضاه؛ ولا بدّ الآن من قول ينفع اذا ضرّ السكوت وخيف غبّه، ولقد أرشدك من أفاء ضالّتك، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك، ما هذا الذى تسوّل لك نفسك، ويدوى «1» به قلبك، ويلتوى عليه رأيك، ويتخاوص «2» دونه طرفك، ويسرى فيه ظعنك، ويترادف معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك؟
أعجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله؟ أخلق غير خلق القرآن؟ أهدى غير هدى النبى صلى الله عليه وسلم؟ أمثلى تمشى إليه الضّراء وتدبّ له الخمر «3» ؟ أو مثلك ينقبض عليه الفضاء ويكسف «4» فى عينه القمر؟ ما هذه القعقعة «5» بالشّنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك والله جدّ عارف باستجابتنا إلى الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبّتنا لله «6» عز وجل ولرسوله ونصرة لدينه، فى زمان أنت فيه فى كن الصّبا،
وخدر الغرارة، وعنفوان الشّبيبة [غافلا «1» عما] يشيب ويريب «2» ، لا تعى ما يراد ويشاد، ولا تحصّل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التى إليها عدل بك، وعندها حطّ رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل، ونحن فى أثناء ذلك نعانى أحوالا تزيل الرواسى، ونقاسى أهوالا تشيب النّواصى؛ خائضين غمارها، راكبين تيّارها؛ نتجرّع صابها، ونشرج «3» عيابها؛ ونحكم أساسها، ونبرم أمراسها؛ والعيون تحدّج «4» بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشّفار تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، لا تنتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، و [لا «5» ] ندفع فى نحر أمر إلّا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادا إلى شىء إلّا بعد جرع العذاب معه، ولا نقيم منارا إلا بعد الإياس من الحياة عنده، فادين فى جميع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأب والأمّ، والخال والعمّ، والمال والنّشب، والسّبد واللّبد «6» ، والهلّة والبلّة «7» ، بطيب أنفس، وقرّة أعين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحّة عقول، وطلاقه أوجه، وذلاقة ألسن؛ هذا مع خفيّات أسرار، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا،
ولولا سنّك لم تكن عن شىء منها ناكلا؛ كيف وفؤادك مشهوم «1» ، وعودك معجوم! والآن قد بلغ الله بك، وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وقلّص «2» أردانك؛ ودع التقعّس «3» والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛ فالأمر غضّ، والنفوس فيها مضّ «4» ؛ وإنك أديم هذه الأمّة فلا تحلم «5» لجاجا، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا؛ والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال لى:«يا أبا بكر، هو لمن يرغب عنه لا لمن يحاحش «6» عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج «7» إليه، هو لمن يقال: هو لك، لا لمن يقول: هو لى» ولقد شاورنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصّهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت:
أين أنت من علىّ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنى لأكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنّه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفّت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك فى ذلك حوجاء ولا للوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد
رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن لى؛ ولئن كان عرّض بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الأمر فلم يكن معرضا عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك، وإن تلجلج فى نفسك شىء فهلمّ فالحكم مرضىّ، والصواب مسموع، والحقّ مطاع؛ ولقد نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما عند الله عز وجل وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حدب، يسرّه ما يسرّها، ويسوءه ما يسوءها «1» ، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها، أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه وأقاربه وسجرائه «2» إلا أبانه بفضيلة، وخصّه بمزيّة، وأفرده بحالة؟ أتظنه صلى الله عليه وسلم ترك الأمة سدى بددا، عباهل مباهل «3» ، طلاحى «4» ، مفتونة بالباطل، معنونة «5» عن الحقّ، لا ذائد ولا رائد، ولا ضابط ولا حائط ولا رابط، ولا ساقى ولا واقى، ولا هادى ولا حادى «6» ؛ كلا، والله ما اشتاق الى ربه تعالى، ولا سأله المصير الى رضوانه وقربه إلّا بعد أن ضرب المدى «7» ، وأوضح
الهدى، وأبان الصّوى «1» ؛ وأمّن المسالك والمطارح، وسهّل المبارك والمهايع «2» ، وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشّرك بإذن الله تعالى، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة فى ذات الله، وتفل فى عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عز وجل؛ وبعد، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك فى بقعة واحدة، ودار جامعة، إن استقالونى «3» لك، وأشاروا عندى بك، فأنا واضع يدى فى يدك، وصائر الى رأيهم فيك، وإن تكن الأخرى فادخل فى صالح ما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم «4» ، والمرشد لضالّتهم، والرادع لغوابتهم، فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى، والتناصر على الحق، ودعنا نقض هذه الحياة بصدور بريئة من الغلّ، سليمة من الضغائن «5» والحقد، ونلق الله تعالى بقلوب سليمة من الضغن؛ وبعد، فالناس ثمامة «6» فارفق بهم، واحن عليهم، ولن لهم، ولا تشق «7» نفسك بنا خاصّة منهم، واترك ناجم الحقد
حصيدا، وطائر الشرّ واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا تعنيف «1» ، والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير.
قال أبو عبيدة: فلما تأهّبت للنهوض قال عمر رضى الله عنه: كن لدى الباب هنيهة فلى معك دور من القول، فوقفت وما أدرى ما كان بعدى إلّا أنه لحقنى بوجه يبدى تهلّلا، وقال لى: قل لعلىّ: الرّقاد محلمه، والهوى مقحمه؛ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
، وحقّ مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم؛ وإنّ أكيس الكيسى من منح الشارد تألّفا، وقارب البعيد تلطّفا؛ ووزن كلّ شىء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه؛ ولم يجعل فتره مكان شبره دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى، ولا خير فى علم مستعمل فى جهل، ولا خير فى معرفة مشوبة بنكر، ولسنا كجلدة رفغ «2» البعير بين العجان «3» والذّنب، وكلّ صال فبناره، وكلّ سيل فإلى قراره؛ وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعىّ «4» وشىّ، ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق، وقد جدع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم أنف كلّ ذى كبر، وقصم ظهر كلّ جبّار، وقطع لسان كلّ كذوب «فماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال» ما هذه الخنزوانة «5» [التى «6» ] فى فراش «7»
رأسك؟ ما هذا الشجا المعترض فى مدارج أنفاسك؟ ما هذه القذاة التى تغشّت ناظرك؟ وما هذه الوحرة «1» التى أكلت شرا سيفك؟ وما هذا الذى لبست بسببه جلد النّمر، واشتملت عليه بالشّحناء والنّكر، ولسنا فى كسرويّة كسرى، ولا فى قيصريّة قيصر، تأمّل لإخوان فارس وأبناء الأصفر؛ قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرعى لطعاننا، وتبعا لسلطاننا؛ بل نحن نور نبوّة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمه، وعنوان نعمه، وظلّ عصمه؛ بين أمّة مهديّة بالحق والصدق، مأمونة على الرّتق والفتق، لها من الله إباء أبىّ، وساعد قوىّ؛ ويد ناصره، وعين ناظره؛ أتظن ظنّا يا علىّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمّة، خادعا لها، أو متسلّطا [عليها] ؟ أتراه حلّ عقودها [وأحال عقولها «2» ] ؟ أتراه جعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا؛ ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا؟ لا والله، سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلّغه الله إليها، ونعمة سربله جمالها، ويدا أوجب عليه شكرها وأمّة نظر الله به لها، والله تعالى أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ولا يجحد حقّك فيما أتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقرب أمسّ من قرابتك، وسنّ أعلى من سنّك، وشيبة أروع من شيبتك، وسيادة لها أصل فى الجاهليّة وفرع فى الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقه، ولا تذكر فيها
فى مقدّمة ولا ساقه؛ ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع «1» ؛ ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلاقة نفسه وعيبة سرّه، ومفزع رأيه، وراحة كفّه، ومرمق طرفه؛ وذلك كلّه بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار شهرة مغنية عن الدليل عليه، ولعمزى إنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، ولكنه أقرب منك قربة «2» ، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح، وهذا فرق عرفه المؤمنون، ولذلك صاروا إليه أجمعون؛ ومهما شككت فى ذلك فلا تشكّ أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعه، فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك فى الأمل طول، وفى الأجل فسحة، فستأكله مريئا «3» أو غير مرىء، وستشر به هنيئا أو غير هنىء، حين لا رادّ لقولك إلا من كان منك، ولا تابع لك إلّا من كان طامعا فيك، يمصّ إهابك، ويعرك أديمك، ويزرى على هديك، هنالك تقرع السنّ من ندم، وتجرع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك، ودارج قوّتك، فتودّ أن لو سقيت بالكأس التى أبيتها، ورددت إلى حالتك التى استغويتها، ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجوّ لسرّائها وضرّائها، وهو الولىّ الحميد، الغفور الودود.
قال أبو عبيدة: فمشيت متزمّلا «1» أنوء كأنما أخطو على رأسى فرقا من الفرقة، وشفقا على الأمّة، حتى وصلت إلى علىّ رضى الله عنه فى خلاء، فأبثثته «2» بثّى كلّه، وبرئت إليه منه، ورفقت به؛ فلمّا سمعها ووعاها، وسرت فى مفاصله حميّاها؛ قال:
حلّت معلوطة «3» ، وولت مخروّطة «4» ، وأنشأ يقول:
إحدى لياليك فهيسى هيسى
…
لا تنعمى الليلة بالتعريس
نعم يا أبا عبيدة، أكلّ هذا فى أنفس القوم يحسّون به، ويضطبعون «5» عليه؟
قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندى، إنما أنا قاض حقّ الدّين، وراتق فتق المسلمين، وسادّ ثلمة الأمّة، يعلم الله ذلك من جلجلان «6» قلبى، وقرارة نفسى؛ فقال علىّ رضى الله عنه: والله ما كان قعودى فى كسر هذا البيت قصدا للخلاف، ولا إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما وقذنى «7» به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فراقه، وأودعنى من الحزن لفقده، وذلك أننى لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد علىّ حزنا، وذكّرنى شجنا، وإن الشوق [إلى] اللّحاق به كاف عن الطمع فى غيره، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرّق [منه]
رجاء ثواب معدّ لمن أخلص لله عمله، وسلّم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه؛ على أنى ما علمت أن التظاهر علىّ واقع، ولى عن الحقّ الذى سبق لى دافع، وإذ قد أفعم الوادى بى، وحشد النادى من أجلى، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين وسرّنى، وفى النفس كلام لولا سابق عقد، وسالف عهد، لشفيت نفسى بخنصرى وبنصرى، وخضت لجته بأخمصى ومفرقى، ولكنى ملجم الى أن ألقى ربّى، وعنده أحتسب ما نزل «1» بى، وإنى غاد إلى جماعتكم، مبايع لصاحبكم، صابر على ما ساءنى وسرّكم، «ليقضى الله أمرا كان مفعولا» .
قال أبو عبيدة: فعدت الى أبى بكر رضى الله عنه، فقصصت القول على غرّه «2» ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه، وبكّرت غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ إذا علىّ يخترق الجماعة إلى أبى بكر رضى الله عنهما، فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زميّتا «3» ، واستأذن للقيام فمضى، وتبعه عمر مكرما له، مستثيرا لما عنده، فقال علىّ رضى الله عنه: ما قعدت عن صاحبكم كارها له، ولا أتيته فرقا، ولا أقول ما أقول تعلّة، وإنّى لأعرف منتهى طرفى، ومحطّ قدمى، ومنزع قوسى، وموقع سهمى، ولكن قد أزمت على فأسى «4» ثقة بربّى فى الدنيا والآخرة.
فقال له عمر رضى الله عنهما: كفكف غربك، واستوقف سربك؛ ودع العصا بلحائها، والدّلاء على رشائها، فإنّا من خلفها وورائها؛ إن قدحنا أورينا، وإن
متحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا، ولقد سمعت أماثيلك التى لغّزت»
فيها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت [على «2» ] مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت؛ وزعمت أنك قعدت فى كسر بيتك لما وقذك به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعمّ وأعظم من ذلك، وإنّ من حقّ مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان فى بقائها، هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا فى صبح نهار لم نلتق فى مسائه؛ وزعمت أن الشوق الى اللّحاق به كاف عن الطمع فى غيره، فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم؛ وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرّق منه، فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون عليه؛ وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر وقع عليك، وأىّ حقّ لطّ دونك؟ قد سمعت وعلمت ما قالت الأنصار بالأمس سرّا وجهرا، وتقلّبت عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرتك، أو أشارت بك، أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه: إنك تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينه، أو همهم «3» فى نفسه؟ أتظنّ أن الناس ضلّوا من أجلك، وعادوا كفّارا زهدا فيك وباعوا الله تعالى تحاملا عليك؟ لا والله، لقد جاءنى عقيل بن زياد الخزرجىّ [فى نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجىّ «4» ] وقالوا: إن عليّا ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة، فأنكرت عليهم،
ورددت القول فى نحورهم حين قالوا: إنه ينتظر الوحى، ويتوكّف «1» مناجاة الملك، فقلت: ذلك أمر طواه الله تعالى بعد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أكان الأمر معقودا بأنشوطة «2» ، أو مشدودا بأطراف ليطة «3» ؟ كلّا والله، لا عجماء بحمد الله إلا وقد أفصحت، ولا شوكاء إلّا وقد تفتّحت؛ ومن أعجب شأنك قولك: لولا سالف عهد، وسابق عقد، لشفيت غيظى، وهل ترك الدّين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو لسان؟ تلك جاهليّة قد استأصل الله شأفتها، واقتلع جرثومتها؛ وهوّر «4» ليلها، وغوّر سيلها؛ وأبدل منها الرّوح والرّيحان، والهدى والبرهان؛ وزعمت أنك ملجم، ولعمرى إنّ من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه.
فقال علىّ رضى الله عنه: مهلا مهلا يا أبا حفص، والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغى حولا عنه؛ وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشّقاق؛ وفى الله سلوة عن كل حادث، وعليه التوكّل فى كلّ الحوادث؛ ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللّبان «5» ، فصيح اللسان. فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشدّ الأزر، ويحط الوزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وتوفيقه.
قال أبو عبيدة رضى الله عنه: فانصرف علىّ وعمر رضى الله عنهما، وهذا أصعب ما مرّ علىّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.