الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِاعْتِقَادِه أنَّه ما أخَذَ (3) عِوَضًا. وإنْ كان شِقْصًا لَمْ تَثْبُتْ (4) فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُه علَى مِلْكِه، لم يَزُلْ، وما مَلَكَهُ بالصُّلْحِ. ولو دَفَعَ المُدَّعَى عليه [إلى المُدَّعِى](5) ما ادَّعَاهُ أو بعضَه، لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ البَيْعِ، ولا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المُدَّعِىَ يَعْتَقِدُ أنَّه اسْتَوْفَى بعضَ حَقِّه، وأخَذَ عَيْنَ مَالِه، مُسْتَرْجِعًا لها مِمَّنْ هى عِنْدَه، فلَمْ يَكُنْ بَيْعًا، كاسْتِرْجاعِ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ. فأمَّا إنْ كان أحَدُهُما كاذِبًا، مثْلُ أن يَدَّعِىَ المُدَّعِى شيئًا يَعْلَمُ أنَّه ليس له، [أو يُنْكِرُ](6) المُنْكِرُ حَقًّا يَعْلَمُ أنَّه عليه، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ فى الباطِنِ؛ لأنَّ المُدَّعِىَ إذا كان كاذِبًا، فما يَأْخُذُه أكْلُ مَالٍ بالبَاطِلِ، أخَذَهُ بِشَرِّه وظُلْمِه ودَعْوَاهُ البَاطِلَةِ، لا عِوَضًا عن حَقٍّ له، فيكونُ حَرَامًا عليه، كمَن خَوَّفَ رَجُلًا بِالقَتْلِ حتى أخَذَ مَالَهُ. وإن كان صَادِقًا، والمُدَّعَى عليه يَعْلَمُ صِدْقَه وثُبُوتَ حَقِّه، فجَحَدَهُ لِيَنْتَقِصَ حَقَّهُ، أو يُرْضِيَهُ عنه بشىءٍ، فهو هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وأَكْلُ مالٍ بالبَاطِلِ، فيكونُ ذلك حَرَامًا، والصُّلْحُ باطِلٌ، ولا يَحِلُّ له مَالُ المُدَّعِى بذلك. وقد ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ فقالَ (7):"وإِنْ كانَ يَعْلَمُ ما عَلَيْهِ فجَحَدَهُ، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ". يعنِى فى الحَقِيقَةِ، وأَمَّا الظَّاهِرُ لَنا فهو الصِّحَّةُ؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ بَاطِنَ الحالِ، وإنَّما يَنْبَنِى الأَمْرُ علَى الظَّوَاهِرِ، والظَّاهِرُ من المُسْلِم السَّلَامَةُ.
فصل:
ولو ادَّعَى علَى رَجُلٍ وَدِيعَةً، أو قَرْضًا، أو تَفْرِيطًا فى وَدِيعَةٍ أو مُضَارَبةٍ، فأنْكَرَهُ، واصْطَلَحا، صَحَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فصل: وإنْ صَالَحَ عن المُنْكِرِ أَجْنَبِىٌّ، صَحَّ، سواءٌ اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِى بِصِحَّةِ دَعْوَاه أوْ لم يَعْتَرِفْ، وسواءٌ كان بإِذْنِه أو غيرِ إِذْنِه. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: إنَّما يَصِحُّ
(3) فى ب: "أخذه".
(4)
فى ب: "تجب".
(5)
سقط من: أ، ب، م.
(6)
فى ب، م:"وينكر".
(7)
فى أ، م:"فى قوله".
إذا اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِى بِصِدْقِه، وهذا مَبْنِىٌّ علَى صُلْحِ المُنْكِرِ، وقد ذَكَرْنَاهُ. ثم لا يَخْلُو الصُّلْحُ، إمَّا أنْ يكونَ عن دَيْنٍ أو عَيْنٍ، فإنْ كان عن دَيْنٍ، صَحَّ، سواءٌ كان بإِذْنِ المُنْكِرِ، أو بغيرِ إِذْنِه؛ لأنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عن غيرِه بإِذْنِه وبغَيْرِ إِذْنِه، فإنَّ عَلِيًّا وأبَا قَتَادَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قَضَيَا عن المَيِّتِ، فأجَازَهُ النبىُّ صلى الله عليه وسلم (8)، وإنْ كان الصُّلْحُ عن عَيْنٍ بإِذْنِ المُنْكِرِ، فهُو كالصُّلْحِ منه؛ لأنَّ الوَكِيلَ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ. وإنْ كان بغيرِ إِذْنِه، فهُو افْتِدَاءٌ لِلْمُنْكِرِ من الخُصُومةِ، وإبْرَاءٌ له من الدَّعْوَى، وذلك جَائِزٌ. وفى المَوْضِعَيْنِ، إذا صَالَحَ عنه بغيرِ إِذْنِه، لَمْ يَرْجِعْ عليه بشىءٍ؛ لأنَّه أَدَّى عنه ما لا يَلْزَمُه أدَاؤُه. وخَرَّجَهُ القَاضِى وأبو الخَطَّابِ على الرِّوَايَتَيْنِ، فيما إذا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بغير إِذْنِه، وليس هذا بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ هذا لم يَثْبُتْ وُجُوبُه على المُنْكِرِ، ولا يَلْزَمُه أدَاؤُه إلى المُدَّعِى، فكيف يَلْزَمُه أدَاؤُه إلى غيرِه! ولأنَّه أَدَّى عنه ما لا يَجِبُ عليه، فكان مُتَبَرِّعًا، كما لو تَصَدَّقَ عنه. ومن قال بِرُجُوعِه، فإنَّه يَجْعَلُه كالمُدَّعِى فى الدَّعْوَى على المُنْكِرِ لا غيرُ، أمَّا أنْ يَجِبَ له الرُّجُوعُ بما أَدَّاهُ حَتْمًا، فلا وَجْهَ له أصْلَا؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَجِبُ لمَن قَضَى دَيْنَ غيرِه أن يَقُومَ مَقامَ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وصَاحِبُ الدَّيْنِ هاهُنا لم يَجِبْ له حَقٌّ، ولا لَزِمَ الأَدَاءُ إليه، ولا يَثْبُتُ له أكْثَرُ من جَوازِ الدَّعْوَى، فكذلك هذا. ويُشْتَرَطُ فى جَوَازِ الدَّعْوَى أن يَعْلَمَ صِدْقَ المُدَّعِى، فأمَّا إن لم يَعْلَمْ، لم يَحِلَّ له دَعْوَى بشىءٍ لا يَعْلَمُ ثُبُوتَهُ. وأمَّا ما إذا صَالَحَ عنه بإِذْنِه، فهو وَكِيلُه، والتَّوْكِيلُ فى ذلك جائِزٌ. ثم إن أَدَّى عنه بإِذْنِه، رَجَعَ اليه (9)، وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وإن أَدَّى عنه بغيرِ إِذْنِه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بِشىءٍ، وإن قَضَاهُ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْنِ فى مَن قَضَى دَيْنَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه؛ لأنَّه قد
(8) حديث على أخرجه البيهقى، فى: باب وجوب الحق بالضمان، من كتاب الضمان. السنن الكبرى 6/ 73. والدارقطنى، فى: كتاب البيوع. سنن الدارقطنى 3/ 78.
وحديث أبى قتادة، أخرجه البخارى، فى: باب إن أحال دين الميت على رجل جاز، من كتاب الحوالة. صحيح البخارى 3/ 123، 124. وأحمد، فى: المسند 3/ 330. والبيهقى، فى: باب ما يستدل به على أن الضمان لا ينقل الحق، وباب الضمان عن الميت، من كتاب الضمان. السنن الكبرى 6/ 74، 75. والحاكم، فى: باب التشديد فى أداء الدين، من كتاب البيوع. المستدرك 2/ 58.
(9)
فى أ: "عليه".